للسلطات الإيرانية تاريخ من الإفلات من العقاب، وتجاهل دعاوى التعذيب أثناء الاحتجاز؛ إذ يُحظر على السجناء، ولا سيما أولئك الذين يواجهون اتهامات ذات صلة بالأمن القومي، الاتصال بمحامٍ بصورة منتظمة، وعندما يبلغون عن تعرضهم للتعذيب، كثيرًا ما يتم تجاهلهم. *منظمة هيومان رايتس ووتش

ينتشر التعذيب الممنهج في السجون حول العالم، على الرغم من ادعاء معظم الحكومات احترامها لحقوق الإنسان، وعدم تغاضيها عن حالات التعذيب الذي يفتضح أمره بين الفينة والأخرى عبر تسريبات، أو بواسطة نشطاء حقوقيين، أو من خلال شهادات المعتقلين وذويهم، مؤكدة على أن مثل هذه الانتهاكات حالات فردية يتم التحقيق فيها.

في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) عام 1984؛ وبعد تصديق 20 دولة عضوًا في الأمم المتحدة، اعُتمد نص اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب «Convention against Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment»، ليُصبح التعذيب وغيره من دروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو غير الإنسانية، أو المهينة لحقوق الإنسان، ضمن مرجعية الأمم المتحدة، ودخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في 26 يونيو (حزيران) عام 1987، وتم اعتمادها يوم 26 يونيو من كل عام، ليصبح اليومَ الدولي لمساندة ضحايا التعذيب؛ تكريمًا لهذه الاتفاقية.

وبسبب القطيعة أو توتر العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية إيران الإسلامية والعديد من دول العالم، وما يترتب عليه من ضعف التواجد الصحافي أو الإعلامي داخل الجمهورية الإسلامية، فإن ما يحدث داخل أروقة السجون الإيرانية من انتهاك لحقوق الإنسان، واعتماد ممنهج للتعذيب البدني والنفسي، يظل أمرًا خفيّا ومجرد تكهنات، إلى أن يستطيع ذوو المعتقلين أو بعض الخارجين من أروقة الجحيم – بحسب شهاداتهم – تسريبها إلى المجتمع الخارجي، من خلال شهادات موثقة، لدى «منظمة العفو الدولية»، أو منظمة «هيومان رايتس ووتش».

التقرير التالي، يرصد بعض التجاوزات والانتهاكات وطرق التعذيب الوحشي الممنهجة داخل السجون الإيرانية، سواء من أجل التعزير بعد الاعتراف بارتكاب ما يُخالف قواعد وقوانين الجمهورية الإسلامية، أو من أجل الإجبار على الاعتراف بجرائم لم تُرتكب، مثلما يحدث في كل السجون سيئة السمعة حول العالم.

كيف وثقت التقارير الدولية التعذيب في إيران؟

وردت تقارير متسقة، تلمح إلى نهج من تعريض السجناء لضغوط جسدية أو نفسية لانتزاع اعترافات *أسماء جهانغير، كبير خبراء الأمم المتحدة حول وضع حقوق الإنسان في إيران

في مارس (آذار) الماضي، أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا عن وضع حقوق الإنسان داخل جمهورية إيران الإسلامية، مؤكدًا تعرض معتقلين في إيران لتعذيب جسدي ونفسي ممنهج؛ من بينها أعمال عنف جنسية، وأشار أيضًا إلى حرمان سجناء من العلاج الطبي، وأعربت «أسماء جهانغير»، الناشطة الحقوقية الباكستانية، والمقررة الأممية الخاصة المسؤولة عن حال حقوق الإنسان في إيران، عن قلقها الشديد إزاء إجراءات القمع العنيف للتظاهرات، التي وقعت في نهاية العام الماضي، واستمرت حتى مطلع العام الجاري في إيران، وعن اعتقال ما يزيد عن ألف شخص وسقوط 20 قتيلًا، وتعليق أعضاء السلطة القضائية بأن هؤلاء المتظاهرين الذين جرى اعتقالهم «سينالون أقسى العقوبات»، معربةً عن خوفها من مصير هؤلاء المعتقلين وظروف احتجازهم، ومنددة أيضًا بالظروف العامة للاعتقالات في إيران.

صورة أرشيفية

وكانت إيران قد منعت المقررة الأممية «أسماء جهانغير» من دخول إيران لبحث الوضع الحقوقي عن قرب؛ مما دفعها إلى التواصل – بحسب التقرير الأممي – مع ضحايا تعذيب وانتهاكات سابقين، وأهالي ضحايا لا يزالون قيد السجن، ومدافعين إيرانين عن حقوق الإنسان، وممثلي منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى قيامها بتحليل بيانات الحكومة وتقاريرها وتعليقاتها، والعديد من التقارير الإخبارية الحكومية وغير الحكومية، وتلقت أيضًا معلومات من أفراد ومنظمات غير حكومية محل ثقة – بحسبها – تعمل داخل إيران وخارجها، في محاولة للتعرف عن كثب على حالة وضع حقوق الإنسان داخل الجمهورية الإسلامية، فيما أعرب العديد منهم عن قلقهم إزاء الأعمال الانتقامية منهم، أو من ذويهم؛ مما عزا بالمقررة الأممية إلى عدم الكشف عن هوية بعضهم في هذا التقرير.

تستمر الجهات المتشددة التي تسيطر على الجهازين الأمني والقضائي في إيران، في اضطهاد المواطنين لمجرد ممارستهم حقوقهم الشرعية، وذلك في انتهاك صارخ للمعايير القانونية الدولية والمحلية. *منظمة هيومان رايتس ووتش

وخلُصت المقررة الأممية أسماء جهانغير – والتي توفيت في فبراير (شباط) من العام الحالي – إلى  وجود انتهاك ملموس للإجراءات القانونية الواجبة، والحق في إقامة محاكمة عادلة، بالإضافة إلى الاعتقال والاحتجاز التعسفي، واستمرار عمليات الإعدام بما في ذلك إعدام بعض الأحداث القُصر، وفرض قيود جديدة على حرية التعبير وإنشاء الجمعيات المدنية، ومنع التجمعات السلمية والتضييق على الوصول إلى المعلومات، وغياب الرعاية الطبية الكافية من أماكن الاحتجاز ومنع الدواء عن المرضى، والتمييز ضد المرأة والأقليات الدينية والعرقية، علاوة على التعذيب البدني والنفسي وغيره من صنوف المعاملة السيئة أثناء فترة الاحتجاز، لا سيما من أجل الحصول على الاعترافات منهم، أو للوشاية بأقارب أو أصدقاء لهم.

 وأكدت المقررة الأممية حينها أن حالات العنف الموثقة اشتملت على عنف جنسي وصل إلى حد الاغتصاب، واستخدام الصدمات الكهربائية والحرق والغمر بالماء، والخنق وبتر الأطراف، والحرمان من النوم والإذلال والحجز الانفرادي لفترات طويلة، وأشارت إلى أنها في أثناء إعداد هذا التقرير التقت ما لا يقل عن ستة أشخاص كانوا محتجزين وتمكنوا من الفرار من إيران، ولا يزالون يعانون نفسيًا وجسديًا من آثار التعذيب، مشددة على أن السجون في إيران بائسة، وتشهد أنواعًا متعددة من التعذيب الممنهج، وهو ما يتنافى مع كل حقوق الإنسان مُطالبة بوقفة دولية أمام هذه «المماراسات الإجرامية»، بحسبها. فيما عقّبت إيران على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، بأن هذا التقرير الذي قدمته المقررة الأممية «ينطلي على دوافع سياسية، وغير مشروع ويتسم بالحقد، وسيئ السمعة».

سجن «إيفين».. مسلخ السجناء السياسيين ومقر التعذيب الأبيض

الزنزانات دون نوافذ، وكل شيء أبيض تمامًا. أسوأ جزء من التعذيب الأبيض أنك لن تعيش حرًا حتى بعد إطلاق سراحك *إبراهيم نبوي – أحد الصحافيين الذين احتجزوا في سجن إيفين

يقع سجن إيفين شمال غرب طهران في منطقة إيفين، بناه الشاه عام 1971، واحتجز فيه آلاف السجناء السياسيين والمعارضين له في آخر سنوات حكمه في ظروف احتجاز وانتهاك مروعة، وكان يُدار في عهد الشاه بواسطة جهاز الاستخبارات «السافاك»، وبعد الثورة وُضِع في هذا السجن الحكومة المرتبطة بنظام الشاه، ثم بدأ السجن في استقبال أي معارض لنظام الثورة الإسلامية، وكانت أكثر أيامه ظلمة في عام 1988؛ عندما جرى فيه إعدام الآلاف من السجناء السياسيين بعد محاكمات خاطفة.

زنزانة بيضاء أو مقر احتجاز سجناء الرأي الواقعين تحت وطأة التعذيب الأبيض – مصدر الصورة: sickchirpse.com

وبالرغم من أن هذا السجن كان تحت سيطرة المكتب الوطني للسجون في البداية، إلا أنه في السنوات الأخيرة تم تسليم أجنحة السجن المختلفة إلى السلطة القضائية، وحرس الثورة الإيرانية، ووزارة الاستخبارات والأمن، وذكر تقرير صادر عن منظمة هيومان رايتس ووتش عام 2004 أنه وبناءً على شهادات الناجين من هذا السجن فإن أساليب الاستجواب التي تم اعتمادها في عامي 2000 و2001 تجعل من إيفين مكانًا يُخشى ذكر اسمه.

عليك أن تفهم أن سجن 59 ليس مجرد مكان، إنه مفهوم؛ إذ يبدأ المرء بعد السجن فيه في الاعتقاد بوجود سجون تحت الأرض في كل مكان، وحتى بعد نيل الحرية، فإننا نشعر طوال الوقت وكأننا نسير فوق صراخ زملائنا. *تصريح لأحد الناجين من سجن إيفين في حوار له مع منظمة هيومان رايتس ووتش

ويشتهر سجن إيفين بأسلوب تعذيب نفسي سادي، يُعرف بالتعذيب الأبيض؛ ففي حواره مع شبكة الـ«سي إن إن» الإخبارية، قال أمير عباس فخر أور، السجين السابق في سجن إيفين، والذي ألقي القبض عليه لأول مرة وهو في السابعة عشرة من عمره، بعد أن انتقد النظام الإيراني من خلال الخطب والكتابات، وأمضى أكثر من خمس سنوات في التنقل بين السجون الإيرانية، وتعرض لكافة أنواع التعذيب: «إن الضرب، وتكسير العظام، والأوضاع المزرية البائسة لم تكن (شيئًا)، مقارنة بالألم الذي يسببه (التعذيب الأبيض)».

وأسهب فخر أور في شرح منظومة التعذيب الأبيض قائلًا: «إن السجين يتعرض لحرمان حسي شديد؛ يؤدى إلى تدمير شخصيته، وامتصاص إحساسه البشري، تحت تأثير فترات طويلة من العزلة وسيادة اللون الأبيض، إذ إن الزنزانات كانت بيضاء تمامًا، دون نوافذ، وكان كل شيء يحيط به لونه أبيض؛ فوجبة الطعام كانت من الأرز الأبيض، وتُقدم على لوحة ورقية بيضاء، وإذا أراد السجين استخدام المرحاض، فعليه أن يزلق ورقة بيضاء من تحت باب الزنزانة لتنبيه الحراس، الذين يرتدون أحذية مصممة لا تُخرج أي صوت عند المشي»، وأردف قائلًا: «كنت هناك لمدة ثمانية أشهر، وبعد تلك الأشهر لم  أتذكر والدي أو وجه والدتي، عندما أفرجوا عني من ذلك السجن، لم أكن شخصًا عاديًا». وعلقت منظمة هيومان رايتس ووتش على شهادة فخر أوار، بـأن «التعذيب الأبيض يجعل من الصمت أمرًا بشعًا، ولا إنسانيًا ويصم الآذان».

وفي تصريح أدلى به الصحافي إبراهيم نبوي – أحد الناجين من سجن إيفين – إلى منظمة هيومان رايتس ووتش عام 2004 قال: «منذ أن غادرت إيفين، لم أتمكن من النوم دون حبوب منومة. إنه لأمر فظيع؛ فالشعور بالوحدة لا يتركك أبدًا حتى بعد أن تُصبح حرًا، ولهذا يُطلق عليه التعذيب الأبيض؛ فهم يحصلون على كل ما يريدون دون الحاجة إلى ضربك. إنهم يعرفون عنك ما يكفي للسيطرة عليك؛ الأمر الذي يجعلك تتهاوى، وعندما تتهاوى، يسيطرون عليك سيطرة تامة، ثم  تبدأ في الاعتراف».

تاريخ التعذيب بالاغتصاب في إيران

استنادًا إلى تقرير «منظمة العدالة لإيران (Justice for Iran( «(JFI)، عن العنف الجنسي في الجمهورية الإسلامية، فإن تقرير  المقرر الأممي الخاص المعني بدراسة وضع المرأة والعنف الممارس ضدها، البروفيسور رشيد مانجو، والصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، ذكر ما تتعرض له النساء المحتجزات في إيران من عنف جنسي يصل إلى حد اغتصاب العذارى قبل إعدامهن؛ إذ يتم هذا الفعل كشكل من أشكال التعذيب الجنسي المرتكب بأمر وأيادي مسؤولي السجون في الجمهورية الإسلامية ضد السجينات الإيرانيات.

إيرانيات خلال تظاهرة في العاصمة طهران – مصدر الصورة: NBC News

ووثّق تقرير منظمة العدالة لإيران الصادر في جزأين، والمعنون باسم «الجريمة والإفلات من العقاب»، حالات اغتصاب الفتيات البكر، اللواتي تم إلقاء القبض عليهن بسبب نشاطهن السياسي، قبل إعدامهن في الثمانينات، عندما جرى تعذيبهن واغتصابهن، ثم الحكم عليهن بالإعدام بدعوى ارتدادهن عن الدين الإسلامي عبر الانقلاب على مبادئ الثورة الإسلامية، ومن ثم دفنهن في مقابر جماعية في عام 1988، مع الآلاف من المساجين السياسيين، وأن بعض هؤلاء المغتصبات تم تخييرهن بين الزواج (زواج المتعة) من القاضي، أو المحقق الذي قام باغتصابهن، أو إعدامهن، وذلك بحسب التقرير.

وبحسب تفسيرات المحكمة الجنائية الدولية، يمكن اعتبار هذه الأفعال بأنها جرائم ضد الإنسانية؛ إذ كان الاغتصاب قبل تنفيذ حكم الإعدام يتم بصورة منتظمة، واستمر لسنوات عديدة؛ مما يعني أنه من المستحيل أن يكون  هذا الفعل مجهولًا لكبار المسؤولين داخل الحكومة، وبالتالي فإن النظام برمته متورط في الأمر، وليس فقط هؤلاء الذين ارتكبوا هذا الجرم، وأنه ينبغي تقديم المسؤولين عن مثل هذه المعاملة القاسية إلى العدالة أيضًا؛ وإجراء مناقشة عامة وعلنية حول إساءة استخدام الحكومة للدين والتلاعب به لإضفاء الشرعية على العنف ضد المرأة، وشجب مثل هذه الانتهاكات؛ لمنعها من التكرار.

وتشير نتائج التقرير المذكور أعلاه إلى أن زواج السجينات السياسيات في الثمانينات من مغتصبيهن كان شرطًا للهروب من عقوبة الإعدام، وكان يتكرر في عدد من السجون في جميع أنحاء البلاد؛ مما يشير إلى الطبيعة المنهجية لهذه السياسة، ومن ثم تصنف هذه الزيجات على أنها زيجات قسرية، وأية علاقات جنسية تنتج عنها هي شكل من أشكال التعذيب الجنسي وفقًا لمبادئ القانون الدولي، كما أن أولئك الذين ارتكبوا جريمة الاغتصاب تمكنوا من الإفلات بجرائمهم؛ نتيجة للإنكار المطلق للمسؤولين الإيرانيين بأن هناك أية مخالفات في سجون الجمهورية الإسلامية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد