يعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في مادته الخامسة، التعذيبَ عملَا غير إنساني، إلا أن السلوك المخالف للإعلان العالمي لا يزال ساريًا في معظم المنطقة العربية كما تفيد التقارير الدولية، حيث تصر الأجهزة الأمنية العربية على استعمال طرقها التقليدية البائدة، في استنطاق المتهمين دون اكتراث بالمواثيق الدولية.

وإحدى هذه الدول العربية، التي يتواصل فيها التعذيب، هي تونس، التي دشنت الثورات العربية في 2011.

لمحة تاريخية عن التعذيب في تونس قبل الثورة

كان التعذيب في تونس قبل ثورة 2011، وسيلة في يد السلطة، لتصفية حساباتها مع المعارضين لها، بمن فيهم اليساريين والليبراليين والإسلاميين، وكان يمارس بطريقة منهجية واعتيادية.

تعود بدايات التعذيب الأولى في تونس، إلى فترة الاستقلال في 20 مارس (أذار) 1956، حينها كان التنافس على أشده بين جناح بورقيبة مع جناح اليوسفي حول السلطة، واشتد الصراع بين المعسكرين، واندلعت اعتقالات واغتيالات بين الجانبين بالإضافة إلى التعذيب الممارس بينهما.

مذاك الحين، صار التعذيب في تونس أداة للانتقام من المعارضين والانقلابيين خلال حكم بورقيبة، بداية من المتهمين في محاولة الانقلاب سنة 1963، مرورًا بمحاكمات أعضاء اليسار التونسي المنتمين لمجموعة «آفاق» في الستينيات، أو لـ«للعامل التونسي» في السبعينيات.

 

ثم جاء زين العابدين بن علي، عبر انقلاب نفذه في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، ليصبح التعذيب جزءًا لا يتجزأ من تكوين الدولة البوليسية، إذ أصبح يمارس في المراكز الأمنية وفي السجون، حتى أدى إلى وفاة البعض، والتسبب في إعاقات جسدية ونفسية لآخرين.

في هذا الشأن، تفيد إحصائية لجمعية «حرية وإنصاف»، حول عدد ضحايا التعذيب والإهمال في حكم بن علي، ذكرت فيها أسماء 25 ناشطًا قتلوا تحت التعذيب، وأكثر من 28 ناشطًا سياسيًا ماتوا نتيجة الإهمال، وما لحق بهم من انتهاكات جسدية، تسببت لهم في عاهات جسدية ونفسية خطيرة، مثل الرائد محمد المنصوري، ونبيل البركاتي، وهو ناشط يساري، ينتمي إلى حزب العمال، وكذا إسلاميين خلال التسعينات.

استمر التعذيب طوال حقبة زين العابدين، ليس فقط لردع المعارضين وإنما لضبط الأصوات الاجتماعية المحتجة، فقد كانت الأجهزة الأمنية خارجة عن سلطة المحاسبة والقانون، وتعمل بشكل واسع على قمع الطلاب والنقابيين والحقوقيين، حذر حينها المجلس الوطني للحريات في تقرير له سنة 2000، قائلًا إنه «لم يعد أحد في تونس، في مأمن من التعذيب والسجن التعسّفي والعقاب الجماعي والمحاكمات الجائرة، والاعتداء الجسدي».

التعذيب في زمن الثورة

لم يكن من المستغرب حضور التعذيب في فترة حكم بن علي، لكن ما يثير قلق المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، هو استمرار التعذيب في زمن ما بعد 2011، حيث كان يتوقع أن تحسم تونس مع التعذيب بعد الثورة.

 

في هذا الصدد، كشفت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، في تقريرها السنوي لعام 2015، استقبالها 250 حالة تعذيب، منها 15 حالة وفاة بسبب التعذيب. وذكرت أن أعوان الشرطة هم الأكثر ممارسة للتعذيب في تونس، بنسبة %65 من حالات التعذيب المسجلة، و%27 لأعوان السجون، و%7 لأعوان الحرس الوطني. كما وضحت المنظمة أيضا أن 62% منها كانت حالات عقاب، و19% اقتلاع اعترافات، و14% حالات أخرى متنوعة.

يعلق الكاتب العام للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب حول هذه الحصيلة الخطيرة، بأن هذه الحالات المسجلة، تؤكد تواصل ظاهرة التعذيب في تونس، بعد ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011، مما يعني، حسبه، «عدم حصول إصلاحات مهمة على المستوى القانوني والأمني والسياسي».

بدورها، كشفت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان في تقريرها لسنة 2015 بأنّ نسبة العودة إلى التعذيب فاقت 45%، وسجلت العديد من الانتهاكات المرتبطة بأوضاع السجون التونسية، واصفة إياها بأنها «مؤسسات عقابية ومهينة للذات البشرية ولا علاقة لها بالإصلاح».

وسبق لمنظمة العفو الدولية أن حذرت تونس بأن التعذيب يشوه التقدم المحرز في مجال حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة بعد الثورة، واتهمت المنظمة الدولية بعض الأعوان بممارسة العنف المفرط، بما في ذلك على أطفال، في حالات لا تستدعى ذلك.

لماذا استمر التعذيب بعد الثورة؟

لم تمنع ثورة تونس الأجهزة الأمنية من مواصلة استعمال التعذيب كأداة للعقاب ونزع الاعترافات، بسبب سياق ظرفي سياسي خاص، جعل من تونس الثورة لا تختلف عن تونس بن علي.

كان أحد هذه الأسباب التي وفرت التربة الخصبة لتواصل التعذيب بتونس، هي الهجمات الدموية المنفذة من قبل جماعات إسلامية مسلحة، مما دفع الحكومة التونسية إلى إعلان قانون الطوارئ، الذي يعطي للأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة.

وبموجب هذا القانون، يحق للداخلية تنفيذ تفتيشات ومداهمات في كل وقت، ومنع الاجتماعات، وإمكانية وضع أي شخص تحت الإقامة الجبرية، كل ذلك يتم بدون الحاجة إلى إذن قضائي، الأمر الذي يقدم للسلطة الأمنية التونسية حيزًا واسعًا لممارسة العنف المفرط دون الخشية من المحاسبة.

 

وانتقدت منظمة العفو الدولية استغلال قانون الطوارئ لممارسة التعذيب، قائلة إنّه «مما لا شك فيه، أن تونس تواجه تهديدًا خطيرًا من قبل الجماعات المسلحة، إلا أن الإجراءات الأمنية وإجراءات الطوارئ يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة، وألا تضر بحقوق الإنسان».

بالإضافة إلى قانون الطوارئ، تنتقد العديد من المراكز الحقوقية الدولية، منها هيومن رايتس ووتش، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، قانون الإرهاب المعمول به في تونس، الذي وصفته المنظمات بأنه «تهديد لحقوق الإنسان»، إذ يسمح للشرطة باستجواب المشتبه فيهم دون حضور محام لمدة 15 يومًا، وهو ما يعزز فرص حدوث التعذيب.

من جهة أخرى، لم تمر الأجهزة التونسية بعد ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011، والتي اعتادت ممارسة التعذيب في عهد بن علي، بعملية إصلاح داخلي، لتجديد كوادرها وطرق عملها، بحيث يمكنها القطع مع هذا السلوك المنافي لحقوق الإنسان.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد