«الرجال الزرق» و« أيتام الصحراء»، وحتى «الملثمون»، هي تسميات اشتهرت بها قبائل «الطوارق» إحدى أكبر القبائل الأفريقية الساكنة للصحراء الكبرى، وقد درج المهتمون بالطوارق على كتابة اسمهم بحرف الطاء وكان الأولى أن يكتب بالتاء، لأن اسمهم -حسب بعض الباحثين- مأخوذ من كلمة  «تاركا» وهو واد في منطقة فزان بليبيا.

ويتوزع الطوارق الآن على عدّة دول أفريقية أبرزها الجزائر ومالي وتشاد والنيجر وليبيا، وبوركينافاسو، كما يتشاركون في ما بينهم مواجهة الطبيعة القاسية للصحراء، ويحاولون مليًا الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم، ولعلّ أبرز ما يثير في تقاليد الطوارق هو اللباس الغريب الذي يرتدونه؛ حيث يعكف رجال الطوارق على ملازمة اللثام على الوجه الذي لا يكاد يرى منه سوى العينين، بينما تكشف نساؤهم عن وجوههن. 

رحلة عبر الزمن.. كيف تحولت مساحة الجزائر من واحة خضراء إلى صحراء قاحلة؟

رجالٌ ملثمون ونساءٌ كاشفات للوجه

عُرف مجتمع الطوارق على مرّ التاريخ بعاداتٍ وتقاليد، جعلته يتميّز عن غيره من  مجتمعات شعوب المنطقة، منها ما يتعلق باللباس الطارقي، حيث يعكِف الرجل عند الطوارق على وضع لثامٍ يبلغ طوله أحيانًا من خمسة أمتار إلى 10، يلفه بإحكام على جميع وجهه حتى لا يظهر سوى العينين، ولا ينزعه في الحل والترحال وحتى أثناء نومه، بينما تكشف المرأة الطارقية وجهها مكتفية بتغطية شعرها . 

درءًا لشمس الصحراء الحارقة، أم اتقاءً لأتربتها وعواصفها الهائجة، حياءً كان من الأهل والأصهار، أم معرة من هزيمة مني بها الرجال ذات ماض سحيقٍ، تتعدد الحكايات حول أصل اللثام ومكانته لدى الطوارق، وإن توحدوا على ضرورته، حتى صار ميزةً لهم وجزءًا من ثقافتهم لا يفارقهم في الحلّ والترحال.

ويروي محمد أغ علي -أحد طوارق مدينة تمنراست- في حديثه مع «ساسة بوست» إحدى الروايات المتواترة عن سبب التزام الرجل الطارقي بتغطية وجهه باللثام على عكس المرأة كما هو متعارفٌ عند سائر المجتمعات المجاورة، فيقول: «سبب ارتدائي اللثام هو كما أخبرني أبي، بأنّ وضع اللثام داخل وخارج البيت شيء مقدس ولا  يمكن التسامح مع أي رجل قام بإزالته، ويعوذ تلك العادة حسبه إلى قبائل صنهاجة الأمازيغية التي كانت تسكن الصحراء».

ويضيف أغ علي: «اللثام عادة قديمة لدى قبائل صنهاجة -التي ينتمي لها جزء من الطوارق-، لكون قبائل صنهاجة تقطن الصحراء منذ القدم، وتلتزم باللثام للوقاية من الحرّ والقرّ حتى صار اللثام زيًّا لهم لا يفارقهم حضارةً أو بدوًا، وصار كشف اللثام عارًا لهم» .

من جهته عدّد لـ«ساسة بوست» الشيخ علي بابا حميد فوائد وضع الرجل الطارقي اللثام بالقول: «اللثام يغطي الرأس من حرارة شمس الصحراء المرتفعة، كما أنّه يستر الفم، وهو يعبّر عن  التأدب و الحياء أمام الأقارب، خاصة أمام الحمات، لاعتقاد الطوارق أن الفم يخرج منه العيب، لذا ينبغي تغطيته، دون أن نغفل دور  اللثام في حماية الرجل الطارقي من الزوابع والعواصف الرملية وأخيرًا اللثام قد يكون كفنًا للرجل الطارقي إذا داهمه الموت وسط الصحراء»

وتنتشر في الصحراء الجزائرية  رواية مغايرة عن سبب ارتداء الطوارق اللثام،  تدور حيثياتها حول حربٍ خسرها الطوارق ضد إحدى القبائل العربية المنتشرة بالصحراء، فيسرد عبد الله أحد ساكني مدينة تمنراست تلك القصة في حديثه لـ«ساسة بوست»: «قصة اللثام تعود إلى أحد الحروب التي شهدتها منطقة الصحراء الكبرى بعد أن غزت إحدى القبائل العربية منطقة الطوارق فاختبأ الرجال بينما دافعت نساء الطوارق ببسالة وشجاعة حتى تمكنوا من صدّ تلك الهجمات، ومن هنا صار الرجال يلبسون اللثام بسبب جبنهم في تلك المعركة بينما برزت المرأة’ الطارقية رمزًا للشجاعة، ولذلك هي من أصبحت تمشي مكشوفة الوجه». 

الموسيقى بوابة الطوارق إلى العالمية

قد لا يهمّ كم بلغت أعداد الطوارق الموزّعين على العالم بقدر ما يهمّ كم انتشرت أغانيهم والموسيقى الخاصة بهم والتي بلغت الأصقاع، فلم يعدّ الطوارق اليوم، تلك القبيلة المنزوية التي لا يعرف عنها شيئًا ولا تلك القافلة الملتحفة بالسماء، فالموسيقى التي تعتبر عمادًا للثقافة الطوارقية والتي كانت إلى زمن ليس بعيدًا محصورة بين فيافي الصحراء، استطاعت في السنوات الأخيرة أن  تصدح في كبرى العواصم العالمية.

ويعود الفضل في ذلك إلى«فرقة إمرهان» الطارقية والتي حافظت على التراث الموسيقي للطوارق، لتنطلق الى «البلوز» و«الروك» و«الجاز»، وتأخذ بموسيقى الطوارق نحو العالمية. لتحكي للعالم أسرار الصحراء وخبايا القوافل وقصص الإنسان الأول، كما شاركت الفرقة في العديد من المهرجانات الدولية وسجلت عدّة أغان مع مغنين عالميين. 

وإلى جانب الرجال، رسمت المرأة الطارقية طريقها إلى العالمية من باب فنّ «الإمزاد» وهو عبارة عن مجموعة من الأغاني الشعرية والعزف الموسيقي الخاص بسكان الطوارق والتي بفضلها تمت المحافظة على تاريخ الطوارق، وتصنع آلة الإمزاد من قدحٍ خشبي، يربط ويشدّ على فمّه جلد ماعز، ثمّ يخرج من طرفيه عودان يشدّ بينهما قضيب من شعر الفرس، ويثقب الجلد ثقبان أو ثلاثة في الوسط، ويأخذ عودًا على شكل هلال، ويربط طرفيه بقضيب من شعر ذيل الخيل، ثم يدعك الشعر بعضه ببعض، وإلى الآن بقيت الإمزاد من الفنون الحصرية للمرأة الطارقية.

ونظرًا لأهمية هذا الفنّ، سُجلت آلة الإمزاد سنة 2013 في التراث الإنساني الواجب الحفاظ عليه من قبل «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)» بعد أن قدّمت الجزائر رفقة مالي والنيجر ملفًا للأمم المتحدة تطالب فيه بإدراج الإمزاد باعتباره ثراتًا عالميًّا. 

كما نالت آلة العزف الخاص بالموسيقى «التيندي» نفس القدر من الشهرة، خصوصًا أنّ فن «التيندي» الخاص بالطوارق ليس عاديًّا، فالكثير من الناس حول العالم يستعملونه علاجًا للمرضى المصابين بالمسّ حسب الاعتقادات السائدة، ويقرع «التيندي» أيضًا للمصابين بلدغات العقارب والأفاعي، وللشباب حين يصلون سنّ البلوغ، وقد ساد تقليدٌ عند الطوارق أن يعزف «التيندي» عند عودة المسافر من سفره الطويل.  

«السبيبة» عيد الطوارق السنوي

يحتفل الطوارق بمدينة جانت في أقصى الجنوب الشرقي الجزائري سنويًا بعيد «السبيبة» الذي يتزامن مع يوم «عاشوراء»؛ ويرمز هذا العيد  للسلام والتسامح والتواصل. ويعدّ من أكبر الأعياد عند شعب الطوارق ويرتبط بأحداث تاريخية تعود لمئات السنين كما يزوره سنويًا الآلاف من السياح الأجانب. 

غير أن الرقصة التي اشتهرت باسم «السبيبة» نسبةً لهذا المهرجان، بلغت العنان ونالت هي الأخرى شهرة عالمية، بحيث أدرجت بوصفها تراثًا عالميًّا من طرف «اليونيسكو»، وتشمل الرقصة أهازيج ورقصات فلكلورية يشارك فيها الرجال والنساء من الطوارق كما يقومون بتأدية عروض تقليدية، مرتدين ألبسة تقليدية خاصة، وتشارك فرقتان من أحياء زلواز بشمال المدينة، والميهان بوسطها في تأدية هذه الرقصة، وهما القصران اللذان أشيع بينهما السلم في الماضي .

مكانة المرأة عند الطوارق تتجاوز الرجل أحيانًا

بلحافها الأسود وغطاء رأسها الأبيض، تمشي المرأة الطارقية مُخفيةً وراء نظراتها عزيمة وتحديًا للظروف الطبيعية القاسية، جعلت منها امرأة حديدية، يُضرب بها مثل الصبر والقوة؛ والتمسك بالبساطة وسطة بيئة مجحفة، غير أنّ تلك المعيقات لم تكن سوى حوافز للمرأة الطارقية لرسم صورةٍ أقرب نفوذًا إلى الرجل. 

فالمرأة عند الطوارق يمكن اعتبارها ملكة، حسب محمد أغ علي  في حديثه مع «ساسة بوست» عن المرأة التارقية مضيفًا «المرأة عندنا هي  العمود الأساسي للطوارق، حيث تحظى بمكانة عالية جدًا تجعلها ملكة، فالمرأة التارقية عندما تطلق يقام لها عرس كبير من طرف أهلها للسماح للخطاب بالتقدم لها من جديد، كما أنها هي التي تقوم بصناعة الخيمة وتركيبها باستعمال جلود الماعز والغنم». 

ومن عادات الطوارق، أنّ حفل الزواج يكون في بيت العروس، كما لا يسمح البتّة للرجل أن يكشف وجهه لحماته، وهي العادة التي اعتبرها محمد أغ علي بأنها رمزٌ للاحترام الذي يكنّه الرجل لحماته وابنتها، كما تجد المرأة الطارقية نفسها جنب الرجل في نشاطه الفلاحي، حيث ترافقه المرأة، بحكم خبرتها في الفلاحة للكثير من المحاصيل، خاصة ما تعلق بزراعة الحبوب.

ومن عظم المكانة التي تحظى بها المرأة في مجتمع الطوارق، أنّ لها حرية اختيار زوجها بنفسها، كما تسمح لهن التقاليد والأعراف التارقية بطلب الطلاق والخروج من بيوتهن متى شئن، وعادة ما تبادر المرأة الطارقية إلى مغازلة الرجل إذا شعرت بإعجاب تجاهه، والإيحاء له برغبتها في الارتباط بعلاقة معه.

ومن بين النساء الطارقيات التي اشتهرت في التاريخ، نجد الملكة تينهنان التي  حكمت الصحراء في القرن الرابع للميلاد، و استطاعت بجمالها وذكائها تأسيس أوّل مملكة للطوارق.

«يحجون إلى مكة والقدس معًا»..كيف كانت رحلات المغاربة إلى الحج قديمًا؟

المصادر

تحميل المزيد