تعد مصر واحدة من الوجهات السياحية المهمة في العالم، وقد فُرِدت الكثير من الصفحات والملفات للحديث عن آثارها القديمة. لكن هناك أنواعًا مختلفة من السياحة غير المعروفة بين الناس، فليس كل من يأتي إلى مصر مجرد مهتم بالآثار من الجانب التاريخي فقط، فهناك أنواع أخرى من السياحة التي تعتبر مصر وجهتها، مثل السياحة العلاجية والدينية، التي سبق أن تحدثنا عنها.

لكن في هذا التقرير نكشف لكم كواليس سياحة مختلفة، ونسلط الضوء على سائحين يأتون إلى مصر لأسباب لا تتعلق بالاهتمام بالتاريخ، أو بالآثار المصرية القديمة، بل يجدون في أرض مصر مكانًا مثاليًا لتعاطي نوعيات معينة من المخدرات!

لا يأتي هؤلاء السائحون لتوفر تلك النوعية من المخدرات في مصر، بل على العكس، فتلك النوعية من المخدرات والتي يطلق عليها «سيكاديلك» تأتي إلى مصر من الخارج على عكس البانجو والحشيش المتوفرين في مصر، ويحتاج هؤلاء السياح إلى حيل لتمرير تلك المخدرات إلى مصر حتى تتم طقوس التعاطي في أماكن معينة، لأغراض بعينها. فما كواليس تلك القصة؛ الإجابة ستكون في رحلة نصحبكم خلالها في هذا التقرير، فهل أنتم مستعدون؟

علاج للاكتئاب ينمو في الأرض

أمام تلك المنازل الملونة المُبهجة التي تميز النوبة وتمنحها شخصيتها المعنوية، يجلس السائح الكندي مارك كيمبل ممسكًا بكوب من الشراب التي تفوح منه رائحة الموز، يقوم بتدريبات تنفس ويركز كل إدراكه على الطبيعة الخضراء في وقت الشروق، ويراقب استيقاظ كل حيوان على حدة، وهو يلقى تحيته على النيل والأشجار.

من يرى مارك من مسافة يظن أنه مجرد سائح آخر يحتسي شرابه وهو يراقب الشروق في النوبة، ولكن ما لا يعرفه الكثير أن تلك الجلسة تعد جلسة علاج نفسي بالنسبة لمارك الذي جاء إلى مصر خصيصًا من أجلها، بينما المشروب الذي في يده هو «المشروم السحري».

يوجد من المشروم السحري أو الفطر السحري 200 نوعًا ينمون في أنحاء العالم، خاصة المناطق المعتدلة في الغابات الصنوبرية، وعلى مدار السنوات الخمس الأخيرة أجريت العديد من الدراسات الطبية على مادة الـ«سيلوسيبين» الموجودة في هذا النبات، في محاولة لاكتشاف قدرة هذه المادة على العلاج النفسي، خاصة لمرضى الاكتئاب الذين لم تفلح معهم العلاجات التقليدية.

في نهاية العام الماضي – 2020 – أصبحت ولاية أوريجون من أول الولايات الأمريكية التي تجيز الاستخدام الطبي القانوني للمشروم السحري لعلاج بعض الحالات النفسية، وفي دراسة طبية نشرت في بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 بمجلة «جاما سيكاتري» وأجريت على 24 شخصًا مصابين بالاكتئاب ظهر أن جرعتين من المشروم السحري ساهمت في انخفاض واضح وملحوظ في حالة الاكتئاب التي يعاني منها المشاركون في الدراسة.

قبل صدور هذا القانون بخمس سنوات، والذي يعد اعترافًا موثقًا بقدرة هذا النبات على العلاج النفسي، كان مارك وأصدقاؤه يمارسون هذا الطقس العلاجي سنويًا في صعيد مصر ما بين سوهاج، والأقصر وأسوان، بعد أن يلتقطوا المشروم من الجبال التي ينمو فيها بكندا، ويجففوه ثم يطحنوه لمزجه بمسحوق أحد العصائر، حتى يسهل تمريره من المطار، فيبدو خلال التفتيش مجرد مسحوق للفواكة يشرب عبر مزجه بالماء الساخن.

ويخبر مارك «ساسة بوست» أنه على الرغم من تقنين استخدام المشروم السحري في كندا للعلاج النفسي العام الماضي 2020، إلا أنه لن يتخلى عن طقسه العلاجي في مصر، فبالنسبة له تعاطي تلك النوعية من المخدرات لا يتعلق فقط بالمخدر نفسه، بل البيئة المحيطة للمتعاطي، حيث يكون لها أكبر الأثر عليه – على حد تعبيره – وأن تعاطي تلك المخدرات في المنزل، أو في وطنك الأساسي تُفقده نصف المفعول المراد الوصول إليه، بحسب مارك.

«وقود نفسي يستمر أثره عامًا كاملًا!»

من جهته يختار مارك مصر لعدة أسباب، ويوضح أن اختيار المكان للتعاطي يختلف من شخص لآخر، فيجب أن يكون للمكان قيمة معنوية في نفس المتعاطي. اختيار مارك وأصدقائه مصر يعود لقناعته بأن مصر بها طبيعة خلابة ومناخًا معتدلًا يساعد الجسم على التعافي تلقائيًا؛ ما يزيد من مفعول المشروم السحري.

فتلك النوعية من المخدرات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالطبيعة، وتعاطيها وسط هذا المناخ والشمس الساطعة المنعكس ضوءها على النيل، والأشجار الخضراء المظللة على الحيوانات التي تستيقظ من نومها لتبدأ يومًا جديد؛ تمنحه إحساس البدايات الجديدة، وكأن روحه تولد من جديد، على حد تعبيره.

تشير الدراسات التي أجريت عن تأثير المشروم السحري على مرضى الاكتئاب أن «العديد من المرضى ربطوا الشعور بالرضى عن المركب الجديد بما يحدث في جهاز الكمبيوتر عند إعادة التشغيل؛ إذ يشعرون أن دماغهم قد أعيد ضبطه وتشغيله من جديد».

«رأيت الأشجار تعلو وتصل حد السماء، تخيلت نفسي أنا هذه الشجرة، جسدي كله أخضر وما يدخل إلي يخرج نقيًا نقاء الأكجسين، تخيلت رأسي تلمس السماء الصافية فتغسلها من كل الأفكار السيئة الناتجة من القلق المزمن الذي أعاني منه منذ المراهقة، ثم أقف تحت أشعة الشمس، وأتخيلها خيوطًا ذهبية تغسلني من الداخل، أراها رأي العين تدخل بين مسامي تطهرها من مرضي النفسي»، هكذا وصف مارك طقسه العلاجي النفسي الذي يقوم به في مصر سنويًا بمساعدة المشروم السحري والهلاوس التي يسببها لمدة تصل إلى خمس ساعات.

تأثير المشروم السحري يتضمن الهلاوس، ولكن مارك يرى أن الهلاوس في تلك الطبيعة تكون مبهجة ورائعة، ويشرح أنه قد يفهم اندهاش البعض من السفر كل تلك المسافة، والمخاطرة بتهريب المخدرات عبر قوات الأمن في المطار، لتعاطيها فقط على أرض مصر، لكن التأثير الناتج عن هذا الطقس السنوي – وفقًا لوصفه – يكون الوقود النفسي له لقضاء عام كامل في وطنه بلا اكتئاب أو معاناة من القلق المزمن.

«إله الماء» وطواحين الهواء في أبيدوس

عاد خالد – اسم مستعار – راكضًا إليهم من معبد سيتي الأول في أبيدوس، وحتى الفندق المقابل للمعبد، والذي يقيمون فيه، نظر إليه أصدقاؤه السائحون الهولنديون بقلق نتيجة الهلع الظاهر على وجهه، متسائلين عما حدث له فأجاب بمنتهى الثقة: «لقد علموا أنني إله الماء وسلطوا الخفافيش لمحاربتي».

لم تحتاج إيفون قائدة تلك المجموعة السياحية الكثير من الوقت لتدرك أن خالد يهلوس هلوسة غير التي اعتادت عليها في تعاملها مع متعاطي مخدر «إل إس دي».

يعد مخدر «إل إس دي» أقوى في تأثيره وهلاوسه من المشروم السحري، ولذلك في عوالم متعاطي هذا المخدر دائمًا ما ينصح من يتعطاه للمرة الأولى عدة نصائح متعارفة فيما بينهم، وهي ألا يتعاطاه وهو بمفرده، بل يجب أن يكون معه «مرشد» – كما يطلقون عليه – جرب التعاطي لسنوات وأصبح محترفًا فيه، وألا يتناول جرعات منه على فترات متقاربة، وأن يكون الفرق الزمني بين الجرعة والأخرى 15 يومًا، أو شهرًا وفقًا لاستجابة المتعاطي للهلاوس، والأهم ألا يعرض نفسه في المرة الأولى للتعاطي لمنبهات كثيرة، مثل الصور الضخمة، أو التماثيل الكبيرة.

ما فعله خالد كان عكس كل ذلك. تعرف خالد على هذه المجموعة في قرية العرابة المدفونة حيث جاءوا من هولندا ليمارسوا العديد من طقوس العلاج النفسي والروحي باستخدام هذا المخدر، مع وضعهم خطة شديدة الحذر لئلا يتعرض أحدهم لـ«رحلة سيئة»، وهو ما يطلق عليه الهلاوس المرعبة التي تصيب المتعاطي أثناء فترة وجود المخدر في جسمه، والتي قد تستمر لمدة ثماني ساعات متواصلة.

ما فعله خالد أنه تحمس لتجربة هذا المخدر، وتناول ثلاثة جرعات على مدار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث ذهب إلى المعبد بمفرده، حيث تعيش الخفافيش في سقفه، وأصيب بنوبة ذهان استمرت لثلاثة اسابيع، عاد بعدها إلى رشده بمتابعة طبيب نفسي، ولكن كان يمكن أن يكون الضرر دائمًا إن لم يتوقف عن التعاطي.

قتل «الإيجو» لمحاربة التعاسة!

مثل المشروم السحري، أجريت العديد من الدراسات التي تحاول اكتشاف إمكانية علاج الأمراض النفسية من خلال تعاطي «إل إس دي»، وجاءت النتائج مبشرة مثل ما جاء في الدراسات المعنية بدراسة المشروم، ولكن أيضًا قبل تلك الدراسات، وقبل التفات العالم لهذا النوع من المخدرات؛ تقول إيفون (55 سنة) إنها من الأشخاص الذين يتعاطون هذا المخدر منذ سنوات طويلة لأهداف روحية ونفسية.

«الإيجو» هو شعور الانسان المتزايد والمتعالي بأهميته في الحياة، وتخبر إيفون «ساسة بوست» عن قناعتها بأن هذا الإيجو هو السبب الأول في تعاسة الإنسان التي تعلن عن نفسها في صورة أمراض نفسية مثل القلق والاكتئاب، واستخدامها هي وأصدقاؤها والمجموعات التي تحضر معها إلى مصر يكون بهدف قتل ومحاربة الإيجو في أنفسهم من خلال تعاطي «إل إس دي».

يستغل المتعاطي الهلاوس التي تنتابه بعد التعاطي ليطوعها لصالحه عن طريق تخيل الإيجو الخاص به وكأنه إنسان يقف أمامه ويواجهه مواجهة جسدية، وعندما يستطيع خلال تلك «الرحلة» أو التخيل أن يتغلب على الإيجو، تبدأ رحلته الحقيقية على أرض الواقع مع التخلص من أمراضه النفسية وتعاسته، لن يحدث هذا الأمر من مرة واحدة – توضح آيفون – بل يحتاج الأمر أكثر من جرعة تختلف من شخص لآخر.

لماذا مصر؟ هذا السؤال الذي سألناه لإيفون، فلماذا تسافر هي وأصدقاؤها كل تلك المسافة، وتعرض نفسها لخطر تهريب طوابع «إل إس دي» عبر المطار.

وضحت لنا إيفون أن اختيار مكان تعاطي المخدر يتوقف على قناعة المتعاطي نفسه، وهي وأصدقاؤها لديهم ارتباط نفسي كبير منذ زمن طويل بحياة مصر القديمة، ولديهم قناعة أن أرواح وطاقة هؤلاء المصريين لم تزل تعيش بشكل أو بآخر في تلك الأماكن، خاصة قرية أبيدوس، والتي يقع فيها واحد من أهم المعابد المصرية القديمة وهو معبد سيتي الأول، والذي كان وجهة الحج للمصريين القدماء.

ولذلك فإن اختيار مصر – بالنسبة لإيفون ومجموعتها – يعود لأسبابهم الشخصية، وليس لأمر متعارف عليه بشكل عام بين متعاطي هذا المخدر بأن مصر هي أفضل مكان للتعاطي، وتوضح أن المصريين القدماء كانوا مدركين لمفهوم الإيجو وتأثيره على تعاسة الإنسان، وكان يطلق عليه في مصر القديمة اسم «البا»، أي جزء الروح الذي يتربط بالأشياء المادية في الحياة، ويتجاهل الأمور الروحانية؛ ما يسبب له التعاسة.

«ترويض الشرسة».. التعاطي للاستفادة من القمر المكتمل

في هذا المخيم بـ«رأس شيطان» في جنوب سيناء، لا توجد كهرباء، أو مظاهر الحضارة والتكنولوجيا المتعارف عليها في المدينة، والمولد الكهربائي المرفق بالمخيم لا يعمل سوى مرتين يوميًا لساعة واحدة فقط من أجل شحن الأجهزة القليلة التي تعمل على راحة المقيمين في المخيم.

في الليل تعتمد الإضاءة على الشموع الموضوعة في نصف زجاجات بلاستيكية مقطوعة مملوءة ببعض الرمال حتى تغرس الشموع فيها، وفي أيام اكتمال القمر – يخبر وحيد «ساسة بوست» – يكون انعكاس القمر على صفحة مياه البحر الأحمر كافيًا لإنارة المخيم كاملًا.

وحيد – اسم مستعار – هو شاب عراقي يعيش منذ طفولته في إسبانيا، ويأتي إلى جنوب سيناء أكثر من مرة في السنة أحيانًا، ولكن يخطط أن يكون وقت وصوله لرأس شيطان في التواريخ التي يكون فيها القمر مكتملًا.

على مدار قرون طويلة سواء عن طريق الخرافة أو الدراسات العلمية الحديثة، اقتنع الإنسان أن القمر المكتمل له تأثير نفسي عليه، وعادة ما يكون سلبيًا لعدم قدرة الإنسان على التعامل مع تلك الطاقة التي تجتاح جسده في تلك الأيام، ومن هنا جاءت الأخبار التي تقول إنه خلال فترة القمر المكتمل تزيد نسبة الجريمة، والطلاق، وأعمال العنف، وعلى تلك الفكرة أيضًا بنيت أسطورة المذئوب والذي يتحول من إنسان إلى ذئب عندما يكتمل القمر.

يقتنع وحيد أن طاقة القمر المكتمل يمكن استخدامها لعلاج مواطن الضعف في نفس الإنسان إذا تعاطى أثناء تأملها مخدر الـ«إل إس دي»، والتي تتجسد على شكل أمراض نفسية، مثل: الاكتئاب، والقلق، والأفكار الانتحارية.

 ولذلك يأتي وحيد إلى مصر، وإلى تلك المنطقة بالتحديد، لما توفره له من رؤية قريبة بالعين المجردة للقمر، واختياره لسيناء جاء عن طريق المصادفة عندما جاء للمرة الأولى مع مجموعة سائحين من إسبانيا جاءوا إلى سيناء حتى يقيموا مهرجان صغيرًا سريًا لتعاطي الـ«إل إس دي»، وكانت تجربة «غيرت حياته بأكملها» على حد وصفه.

«عندما تعاطيت (إل إس دي) تحت القمر المكتمل في سيناء، شعرت وكأني أروّض الجانب الشرس بداخلي، وشعرت أن طاقة القمر كانت تقف في صفي، وتساعدني أن أكون شخصًا أفضل، لا يقف ضعيفًا أمام أمراضه النفسية»؛ هكذا صرح وحيد لـ«ساسة بوست» عن تجربته في تعاطي المخدرات بجنوب سيناء.

مهرجانات الـ«إل إس دي» هي مهرجانات متعارف عليها عالميًا، وتُنظم عادة في البرتغال وبرشلونة، ويكون برنامج تلك المهرجانات متضمنًا تعاطي المخدر مع سماع موسيقى صُنعت خصيصًا لتلك النوعية من المخدرات، إذ يجتمع كل المتعاطين ليستمعوا إلى الموسيقى، ويتعاطون المخدرات، ويشاهدون الألعاب البصرية المحفزة للهلاوس، وعلى الرغم من أن المجموعة التي يأتي معها وحيد من إسبانيا تشهد تلك المهرجانات في إسبانيا، إلا أنهم وجدوا أن إقامة تلك المهرجات على نطاق ضيق وسري في سيناء له تأثير إيجابي عليهم.

تشير الدراسات الحديثة إلى توجه قطاع معتبر نحو أنواع جديدة من المخدرات في العلاج، ولأعوام طويلة استُخدمت الماريجوانا لتخفيف آلام مرضى السرطان، وعلاج القلق، والاكتئاب، وقد تشير تلك التوجهات إلى بداية لانتشار المشروم السحري والـ«إل إس دي» أيضًا كوسائل للعلاج النفسي، بدلًا عن العلاجات التقليدية، والتي أثبت بعضها عدم فعاليته مع نسب ليست قليلة من المرضى، ولكن ما تأكدنا منه من خلال رحلتنا في كواليس هذا العالم أن استخدام تلك المخدرات دون إشراف طبي قد يعرض صحة المتعاطي العقلية للخطر؛ إذ إن هذه المخدرات «لا تصلح للاستخدام المنزلي».

سياحة وسفر

منذ سنة واحدة
قد تفكر في زيارتها.. 5 من أشهر وجهات السياحة المظلمة حول العالم

المصادر

تحميل المزيد