«كيف لم تنجز الكثير خلال هذا الوقت؟!»، و«كيف لم تقرأ مئة كتاب خلال العام الماضي؟ أو تُنهي دورات تعليمية إلكترونية في مجال عملك؟ أو تخطو خطوات كبيرة في تعلّم لغة جديدة؟»، رُبما سمعنا أحد أو كل هذه الأسئلة تتردد على مسامعنا، وتحثنا بإيجابية مُفرطة على الاستفادة من وقت الجائحة وفترة المكوث الطويلة في المنزل.

هذه التعليقات والأسئلة التي نقولها لأنفسنا قد تكون نمطًا من أنماط «الإيجابية السامة»، والتي يُمكنك التعرف عليها أكثر وعلى جوانبها المُظلمة وشديدة السلبية في السطور التالية.

ما هي الإيجابية السامة؟

الإيجابية السامة هي الاعتقاد بأنه بغض النظر عن صعوبة الموقف والضغوطات النفسية التي نتعرض لها، يجب أن يتحلى الناس بعقلية إيجابية تساعدهم على العمل والإنتاج مع التبسّم والفرح بشكل مستمر أو دائم، والإيجابية السامة هي سعادة غير حقيقية، ويمكن أن تسبب ضررًا في العلاقات الشخصية والمهنية.

تحاول الإيجابية السامة إقناعك بأن مشاعرك وأفكارك يجب أن تكون إيجابية فقط، وأن أي نمط آخر من المشاعر أو الأفكار مدعاةٌ للشعور بالذنب، ومن الضروري التخلص منه فورًا، وتنظر الإيجابية السامة للمشاعر السلبية على أنها سيئة بطبيعتها.

وتدفعنا نحو الإيجابية والسعادة بشكل قهري، وتنحو بالإنسان ليرفض التجارب البشرية العاطفية الأصيلة، أو يقلّل من شأنها مع محاولة إلغائها من الأساس.

وقد يشارك الإنسان مشاعره الحقيقية فيجدها مرفوضة أو مُتجاهلة لدى من يشاركها معهم، وهنا تُخبرنا الإيجابية السامة بأن مشاعرنا هذه خاطئة ولا يحق لنا الشعور بها، ومن ثمّ يتولّد شعور بالذنب والعار من هذه المشاعر.

Embed from Getty Images

علامات تعرّضك للإيجابية السامة

غالبًا ما تكون الإيجابية السامة خفية، ولكن لها بعض العلامات التي تساعد في التعرّف عليها وعلى رصد هذا السلوك بشكل أفضل.

وتشمل بعض العلامات مثلًا: الهروب من المُشكلات بدلًا من مواجهتها، وإخفاء المشاعر الحقيقية وتصنّع السعادة، وقد يصل الأمر إلى لوم الآخرين والابتعاد عنهم إذا عبّروا عن مشاعرهم السلبية.

الجوانب المُظلمة للإيجابية السامة

هناك الكثير من الجوانب السلبية والمُظلمة للإيجابية السامة، ومنها:

1- كبت المشاعر له الكثير من الآثار الضارة

تتراكم المشاعر السلبية مع إخفائها لفترة طويلة جدًا بدلًا من الحديث عنها وإخراجها والتخلص منها. وكلما تجنبت أفكارك السلبية زاد نموها، وقد نظرت دراسة أجريت عام 1997 في آثار الكبت العاطفي على زيادة الإجهاد والضغط النفسي، فتم عرض مجموعتين من أفلام الإجراءات الطبية المزعجة وتم قياس استجابات المجموعتين للضغط، وطُلب من إحدى المجموعات التعبير عن مشاعرها أثناء المشاهدة، بينما طُلب من المجموعة الأخرى كبت مشاعرهم.

وتوصل الباحثون إلى أن المجموعة الثانية أصبحت في حال أسوأ نفسيًا من المجموعة التي عبرت عن مشاعرها، ولديهم قدرة أقل على التركيز وإدراك الحقائق والأشياء المُحيطة بهم، وذلك لأن تثبيط العواطف يستهلك جانبًا كبيرًا من قوة الدماغ وطاقتها.

كذلك، إذا كبتّ مشاعرك السلبية واحتفظت بثقلها داخل قلبك فقط، ورفضت أن تعترف بها حتى لنفسك، فهذا يُعرّضك للاضطرابات الصحية والجسدية التي تحدث بسبب هذا النوع من الكبت، مثل ارتفاع ضغط الدم أو الأزمات القلبية المُفاجئة، وعلى مستوى الاضطرابات النفسية وجدت دراسة في جامعة ستانفورد استمرت 10 سنوات أن إنكار المشاعر السلبية باعتبارها آلية للتكيف ارتبط بمستويات أعلى من الاكتئاب، ووجدت دراسة أخرى عام 2012 أن الناس شعروا بالحزن أكثر عندما توقع الآخرون ألا يشعروا بمشاعر سلبية مثل الحزن.

Embed from Getty Images

2- الشعور بالعار تجاه أنفسنا ومشاعرنا

عندما يدفعك الآخرون دفعًا وبشكل إجباري لإضفاء مشاعر إيجابية ووجهات نظر حالمة على ألمك وحزنك، فإن هذا يجعل الشخص المُتألم في أغلب الأحيان يخجل من مشاعره ويشعر بالعار منها، ويراها سيئة ولا يجب إظهارها أو التحدث عنها، ما يقوده للصمت، فلا أحد يُحب أن يُنظر إليه باعتباره «عائقًا» يمنع الآخرين من المُضي قُدمًا في حياتهم بسلام.

ولا أحد يُحب أيضًا أن يتم تصنيفه ممن حوله على أنه شخص سيئ أو ضعيف أو مستسلم للمشاعر السلبية، كل هذا يجعلنا نُخفي مشاعرنا ونتظاهر بأن كل شيء على ما يُرام.

3- الرغبة في العزلة والنفور الاجتماعي

قد تشعر بالنفور من التواصل الاجتماعي بسبب عدم قدرتك على التحدث عن نفسك وعن مشاعرك بوضوح وصدق، وإجبار الآخرين لك على التحدث بإيجابية حتى وإن كانت زائفة لتتمكن من نيل رضاهم وقبولهم، فكثير من الأصدقاء يُرسلون لنا رسائل دون الانتباه لمُفادها: «مسموح فقط بالمشاعر الجيدة في حضوري».

ولذا يكون من الصعب علينا التعبير عن أي شيء سوى «المشاعر الجيدة» ونحن معهم، وينتهي بنا الأمر ممتثلين للقواعد الضمنية، بأن نُظهر جانبًا واحدًا منّا عندما نكون مع أصدقائنا هؤلاء. وبهذا التظاهر العاطفي المزيف تصبح علاقاتنا مزيفة وسطحية.

وأخيرًا قد يدفعنا هذا للعزلة إن كنا نكره التصنّع.

Embed from Getty Images

4- لتقبّل مشاعرنا السلبية فوائد تحرمنا منها الإيجابية السامة

أظهرت الأبحاث أن قبول المشاعر السلبية بدلًا من تجنبها أو نبذها، قد يكون أكثر فائدة للصحة العقلية على المدى الطويل.

واختبرت دراسة أجريت عام 2018 العلاقة بين القبول العاطفي والصحة النفسية لدى أكثر من 1300 بالغ، ووجدت أن الأشخاص الذين يتجنبون عادة الاعتراف بالعواطف الصعبة يمكن أن ينتهي بهم الأمر بأن تتطور حالتهم النفسية إلى الأسوأ.

ويقول بريت فورد، أستاذ مساعد في علم النفس بجامعة تورنتو والمؤلف الرئيسي للدراسة: «الأشخاص الذين يميلون إلى عدم الحكم على مشاعرهم، وعدم تقييم عواطفهم بأنها جيدة أو سيئة، وعدم محاولة تجنب أو وضع مسافة بينهم وبين عواطفهم، يميلون أيضًا إلى التمتع بصحة نفسية أفضل في جميع المجالات».

كيفية تجنب الإيجابية السامة

هناك بعض الأشياء التي يُمكنك فعلها لتجنب الإيجابية السامة وتأثيراتها السلبية، ومنها:

1- التركيز على الأنشطة المفيدة لك، مثل تطوير عادات صحية ونفسية أفضل، والتركيز على الغذاء الصحي والنوم الجيد ومُمارسة الرياضة.

2- طوّر علاقات عاطفية واجتماعية حقيقية، وتخلّص من الأصدقاء المزيفين.

3- افهم دوافع الآخرين التي تدفعهم للإيجابية السامة، فربما يريدون تجنب الألم أو الإزعاج ولذا يفكرون بالسعادة وفقط.

4- كن واقعيًا تجاه مشاعرك، فعندما تكون في موقف عصيب من الطبيعي أن تشعر بالتوتر أو القلق أو حتى الخوف، ولا تُحمل نفسك فوق طاقتها، وركز على الرعاية الذاتية واتخاذ الخطوات التي يمكن أن تساعد في تحسين وضعك.

5- تذكر أنه من المقبول ألا تكون على ما يرام، فإذا كنت مرهقًا ومضغوطًا نفسيًا، فامنح نفسك الإذن بالراحة أو القيام بشيء ترفيهي وأعفِ نفسك من الشعور بالذنب.

6- تحكم في مشاعرك السلبية، ولكن لا تنكرها، فعدم تحكمك بها قد يرفع من توترك.

7- استمع جيدًا للآخرين وادعمهم، وإذا ما تكلم شخص عن مشاعر صعبة لا تُسكته بالإيجابية السامة، فقط أخبره أن ما يشعر به أمر طبيعي.

مجتمع

منذ 3 سنوات
في فهم الحزن والكآبة.. ليسا سيئين كما يبدو!

المصادر

تحميل المزيد