يظن البعض أن الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم؛ هي بدعة حديثة من اختراع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن في الواقع التاريخ يعيد نفسه. فهذا السيناريو سبق وأن وقع في ثمانينيات القرن الماضي، غير أن الفارق الوحيد هو أن اليابان كانت محل الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، فما الذي حدث؟ وكيف انتهى هذا النزاع التجاري؟ وما هي أوجه الاختلاف بينها وبين الحرب الحالية ضد الصين؟

خلال السطور القادمة سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة، لكن قبل ذلك يمكن القول إن أمريكا تشن هجمات اقتصادية عنيفة على منافسيها حال استشعارها الخطر على هيمنتها الاقتصادية العالمية، فعندما بدأت الحرب الأمريكية التجارية ضد اليابان؛ كانت الأخيرة في أفضل حالاتها، وتشهد توسع اقتصادي عالمي كبير، وكذلك الحال بالنسبة للصين حاليًا، لكن الاختلاف يكمن في قدرة الدول على مواجهة هذه الحروب والصمود أمامها.

كيف حدثت الحرب التجارية بين اليابان وأمريكا؟

في مطلع الثمانينات كانت اليابان تمتلك اقتصادًا مزدهرًا، وكانت تُعد في ذلك الحين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وخشيت الولايات المتحدة من أن يتم تجاوزها، إذ شهدت اليابان حينها توسع كبير، وهو ما دفع الكثير من المشرعين الأمريكان للتحذير من الصحوة اليابانية، في ظل تزايد العجز التجاري بين البلدين، فيما تم اتهام اليابان بسرقة الملكية الفكرية الأمريكية، والاستفادة من الصفقات التجارية بشكل غير عادل.

وبعد تولي الرئيس رونالد ريجان منصبه في عام 1981، بدأت الولايات المتحدة بالضغط على اليابان لفتح أسواقها أمام الشركات الأمريكية، وتقليل العجز التجاري بين البلدين. وعلى الرغم من موافقة اليابان على التدابير بما فيها الحد من عدد السيارات التي تصدرها إلى الولايات المتحدة، ازداد الذعر بشأن القوة التجارية اليابانية، وطالب المشرعون باتخاذ مزيد من الإجراءات، وهو ما برز في وعد روبرت باكوود، الذي كان آنذاك رئيسًا للجنة المالية في مجلس الشيوخ، بأن يتم التعامل بمبدأ العين بالعين مع طوكيو.

فرض رونالد ريجان رسومًا على الصلب المستورد، وعمل على حماية «هارلي ديفيدسون» من المنافسة اليابانية، وتم تقييد واردات أشباه الموصلات والسيارات، واتخذت خطوات كثيرة للحفاظ على الصناعة الأمريكية قوية، بالإضافة إلى الضغوط الإعلامية والسياسية الضخمة التي استمرت على مدار سنوات. لكن في عام 1984، تجاوز العجز التجاري الأمريكي 100 مليار دولار للمرة الأولى، وعلى أثر ذلك، سن ديمقراطيون بالكونجرس قانونًا بفرض إجراءات عقابية بالرسوم الجمركية ضد الدول التي تحقق فائضًا تجاريًا كبيرًا مع واشنطن، وعلى رأس هذه الدول كانت اليابان.

الحرب التجارية العالمية تشتعل.. لماذا قد تكون بريطانيا الرابح الوحيد؟

في هذا الوقت واجهت اليابان ضغوطًا كبيرة على عدة مستويات، سواء السياسية أو الإعلامية أو التجارية، فترامب الذي يقود الحرب التجارية الآن ضد الصين، شارك أيضًا في هذه الضغوط قبل ثلاثة عقود، عندما خرج حينذاك خلال مقابلة في برنامج «مورتون داوني جونيور شو»، واشتكى من أن اليابان «امتصت الدم بشكل منهجي من أمريكا، امتصت الدماء!»، وقال: «إنها مشكلة كبيرة، وستزداد سوءًا، إنهم يضحكون علينا».

«اتفاق بلازا».. أو كيف أجبرت أمريكا اليابان على الخسارة؟

في عام 1985، وقعت خمس دول «الولايات المتحدة وألمانيا الغربية وفرنسا والمملكة المتحدة واليابان» على «اتفاق بلازا»، وخفضت فيه قيمة الدولار الأمريكي مقابل الين الياباني والمارك الألماني، هذا الاتفاق كان بمثابة رفع الراية البيضاء بالنسبة لليابان، ومثل انفراجة بالنسبة للولايات المتحدة، إذ أدى إلى زيادة الصادرات، وخفض العجز التجاري مع العديد من دول أوروبا الغربية واليابان.

واستخدمت الولايات المتحدة هذا الاتفاق لتخريب الاقتصاد الياباني، واعتبرته سلاحًا يمكن استخدامه للتأثير في العملات الآسيوية كما حدث ضد اليابان عام 1985، وضد كوريا عام 1988، وضد الصين منذ عام 2004. واستخدمت الخزانة الأمريكية نمطًا طويلًا في الضغط على عملات الدول الآسيوية لرفع قيمتها. وبالفعل ارتفعت قيمة الين الياباني ارتفاعًا حادًا مقابل الدولار الأمريكي بسبب الاتفاق.

شكل «اتفاق بلازا» النسبة الأكبر في إنهاء النزاع التجاري الأمريكي الياباني لمصلحة أمريكا، ولكن بطريقة غير متوقعة، وجاءت نتائجها في وقت قياسي وأسرع من المتوقع، إذ تلاشت التهديدات الاقتصادية اليابانية للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وخفضت طوكيو الفائدة لدعم الطلب على الواردات، وهو أحد أبرز ملامح وقوع الاقتصاد الياباني تحت وطأة الركود في أوائل التسعينيات، وبذلك خرجت أمريكا من الحرب التجارية مع اليابان منتصرة، فيما لم تتلق مقاومة تذكر.

كيف لا يزال الاقتصاد الياباني يعاني من «اتفاق بلازا» حتى الآن؟

لم يكن «اتفاق بلازا» نهاية الإجراءات الأمريكية ضد اليابان. ففي عام 1987، فرضت واشنطن تعريفة بنسبة 100% على الواردات اليابانية بقيمة 300 مليون دولار، ما أدى إلى منعها فعليًّا عن السوق الأمريكية، ومع ارتفاع قيمة الين، أصبحت المنتجات اليابانية أكثر تكلفة، وابتعدت البلدان عن استيراد المنتجات اليابانية، كما أثارت جهود البنك المركزي في البلاد للحفاظ على انخفاض قيمة الين فقاعة أسعار العقارات والأسهم، والتي ساعد انهيارها في دفع البلاد إلى حالة من الركود سميت بـ«العقد الضائع».

وقالا الاقتصاديان جوشوا فيلمان، ودانييل ليج، في تقرير لصندوق النقد الدولي عن توقف نمو الصادرات وإجمالي الناتج المحلي الياباني بشكل أساسي في النصف الأول من عام 1986: إنه على الرغم من أن «اتفاق بلازا» لم يتسبب في حدوث انكماش اقتصادي في اليابان بمفرده، إلا أنه أدى إلى سلسلة من الأحداث تلتها القرارات السيئة في طوكيو التي أدت إلى الانهيار.

وفشلت سياسات الصرف في دعم الين الياباني، واقتصر دورها على دعم الدولار الأمريكي، والتنسيق لخفض قيمته، إذ ساهم هذا الاتفاق في ارتفاع أسعار الأصول اليابانية كالأسهم والعقارات. ويذكر أن آخر تدخل للبنك المركزي الياباني في سوق الصرف الأجنبي كان في مارس (آذار) 2011، وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة لتخفيض التقدير للين الياباني عقب زلزال توسونامي توهوكو، بسبب التأمين الذي كانت تحصل عليه اليابان ضد الزلازل، والذي أدى إلى تدفق الأموال إلى البلاد في مارس عام 2011.

وفي عام 2013، ظهرت بعض التطورات المتماثلة، إذ أدت سياسات أبينوميكس -السياسات الاقتصادية التي يؤيدها شينزو أبه، الذي يشغل منصب رئيس وزراء اليابان حاليًا- إلى انخفاض قيمة الين الياباني، ولكن لم يظهر التأثير الإيجابي في الميزان التجاري بسرعة لدى اليابان ما أصاب الكثير بخيبة أمل، ولكنه بعد مرور عامين انخفض العجز التجاري الياباني كثيرًا في النصف الأول من عام 2015.

وسجل الين الياباني انخفاضًا كبيرًا في عام 2014- 2015، ولكن لا تزال اليابان متهمة بالتلاعب للحفاظ على انخفاض قيمة الين بشكل غير عادل، رغم توقف البنك المركزي الياباني عن التدخل في سوق الصرف الأجنبي، وكذلك انضمام اليابان إلي مجموعة السبعة «G7» في الموافقة على الامتناع عن التدخل في سوق الصرف الأجنبي.

لماذا خسرت اليابان وربحت أمريكا؟

لا يمكن مناقشة الأمر على أنه حرب اقتصادية فقط، فخسارة اليابان لم تكن لتحدث بدون الجانب السياسي العسكري التي تتفوق فيه الولايات المتحدة الأمريكية، إذ كانت اليابان تعتمد على أمريكا من أجل الأمن القومي، كما كانت أقل استعدادًا للمخاطرة بغضب واشنطن، في ذلك الوقت، وهو ما جعلها تخسر بسهولة.

ويشير المحللون إلى أن اليابان كانت هدفًا سهلًا للقصف الأمريكي، فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت اليابان تعتمد سياسيًّا واقتصاديًّا على الولايات المتحدة، ما أدى إلى قدرة محدودة على التفاوض لمواجهة أمريكا، وهو السبب الرئيسي في خسارة اليابان لهذا النزاع التجاري.

ما هي أوجه الاختلاف بين الحرب التجارية ضد اليابان والصين؟

بلا شك 2019 ليست 1985، والصين كذلك ليست اليابان، فبكين تعد أقوى اقتصاديًّا وسياسيًّا مما كانت عليه طوكيو في الثمانينيات، وعلى المستوى الاقتصادي جاء تحدي اليابان والصين للهيمنة الأمريكية في مراحل مختلفة جدًا من التنمية الاقتصادية للبلدين، إذ يمكن القول إن اليابان واجهت الضغوط الأمريكية عندما اقتربت من ذروتها الاقتصادية، لكن مع تزايد عدد السكان المسنين، وركود إنتاجية العمل.

في المقابل تواجه الصين أمريكا ونصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الصيني ضئيلًا مقارنة بالولايات المتحدة، مع زيادة عدد السكان الأصغر سنًّا، بالإضافة إلى أن إنتاجية العمالة في الصين آخذة في التحسن بسرعة على خلفية استثمارات أكبر في التصنيع والبنية التحتية، ناهيك أنه بالرغم من أن حجم الصين الاقتصادي لا يزال في مرحلة مبكرة من النمو الاقتصادي، فهو أكبر بكثير من اليابان في ذروتها، ويشغل حصة تصدير أكبر بكثير في جميع أنحاء العالم.

ومع استمرار الصين في صعود سلم التكنولوجيا، فمن المتوقع أن يزداد وجودها في الاقتصاد العالمي، ما يشكل تحديًا أكبر للولايات المتحدة، ويجعل من المنطقي أن تكون نتيجة الحرب التجارية بين أمريكا والصين مختلفة تمامًا عن تجربة اليابان، كما أن الصين أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة مما كانت عليه اليابان، سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.

من هذا المطلق، نجد من الطبيعي أن الصين في وضع أفضل لمقاومة الضغط الأمريكي لتعديل سياساتها الاقتصادية من أجل خلق طلب على المنتجات الأمريكية، كما أنه من غير المتوقع أن تتبع الصين سعر الصرف «الإجباري» لليابان وسياستها النقدية.

زاوية أخرى مهمة كثيرًا في المفارقة بين التجربة اليابانية، وهو يتعلق بضعف السياسة الصناعية لليابان بعد قوتها، من حيث قبول زيادة واردات أشباه الموصلات الأمريكية، مما يقلل بشكل فعال من القدرة التنافسية لصناعة أشباه الموصلات في اليابان، بالإضافة إلى أن الحكومة الصينية تسيطر على اقتصادها أكثر من اليابان، وهو العامل الذي سيغير كثيرًا من المعادلة.

على كلٍّ تبدو الصين في مرحلة مبكرة من التنمية الاقتصادية، لذلك فمن المتوقع أن تتحدى الهيمنة الأمريكية لفترة أطول، بعكس مع حدث مع اليابان، ما يعني أن أي صفقة قد تحدث حاليًا ستكون مؤقتة فقط، لأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على احتواء الصين بالسهولة التي احتوت بها اليابان، من الصعب تقويض النمو الصيني.

ختامًا يمكن القول إن السبب الأساسي الذي قد يجعل ترامب يتمسك باستمرار الحرب التجارية ضد الصين لفترة أطول هو نجاح واشنطن ضد طوكيو، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤثر في تفكير ترامب في كيفية التعامل مع بكين.

«تايم»: ما هي الحرب التجارية وماذا يفعل ترامب بالاقتصاد الصيني؟ 9 أسئلة تشرح لك

المصادر

تحميل المزيد