قد يُخيّل إلينا أحيانًا أنَّ التجارة بالبشر لم تكُن إلَّا في أفريقيا وغيرها من دول «العالم الثالث» كما يقال، ولكن هل هذا مُطابق للواقع فعلًا؟

تكشف الوثائق التاريخية أنَّه قبل أقل من 30 عامًا، وجدت ألمانيا نفسها مضطرةً لـ«شراء» 250 ألف مواطن روماني من أصول ألمانية ممن عانوا من الظلم والاضطهاد بعد الحرب العالمية الثانية، كان تلك الصفقة سرية جدًا؛ فلم يعلم بها أحدٌ إلَّا بعد مقتل الدكتاتور الروماني «نيكولايتشاوتشيسكو» عام 1989، مع أنَّها كانت قد بدأت عام 1967م.

خلال هذه الأعوام جنت رومانيا الكثير من المال لدرجة أن استطاعت من خلال التجارة بالألمان (أوTrading Germans بعنوان الفيلم الوثائقي الذي أُنتِج عن الواقعة) أن تقوم بسداد كُل ديونها الخارجية المتراكمة منذ عقود.

فما حكاية هذه الصفقة؟ ولماذا تشتري ألمانيا أولئك «الرومان الألمان»؟

10404500_782191798493361_6362962922652196998_n

البداية

منذ حوالي 800 عام، بدأت مجموعات من الألمان بالاستقرار في منطقة «ترانسلفانيا» التاريخية التي أصبحت اليوم جزءً من رومانيا، ومع الحرب العالمية الأولى كان تعداد هذه الأقلية قد ازداد بشكل ملحوظ. وبحسب إحصاءات عام 1930م فإنَّ تعدادهم بلغ أكثر من 700 ألف نسمة، إلَّا إنَّ سقوط ألمان في الحرب العالمية الثانية كان بداية لفترة حرجة من تاريخ الأقلية.

خلال الحرب العالمية الثانية، خدم حوالي 50 ألف من أبناء الأقلية «الألمانية الرومانية في الجيش النازي، ومع هزيمة النازية ودخول «الجيش الأحمر» للأراضي الرومانية حاول كثيرون من هؤلاء الألمان الهروب مع عوائلهم، إلا إنَّ أكثر من 100 ألف قُبِض عليهم، وأُعيدوا إلى رومانيا.

لم تتوقف معاناة هؤلاء عند هذا الحد؛ إذ تذكر المصادر أنَّ «ستالين» أصدر مرسومًا في عام 1945 ينص على إجلاء 75 ألفًا من رجال الأقلية الألمانية في رومانيا، ونسائها، وأطفالها، إلى مناطق مختلفة في الاتحاد السوفيتي؛ كي يُساهموا في إعادة بناء ما دمَّره الألمان، حيث يفترض أنَّ حوالي 10% منهم لقوا حتفهم؛ فقد كان من بينهم أشخاص عجزة، وآخرون من ذوي الإعاقات، بل حتى النساء الحوامل، كما يؤكد أحد أبناء الأقلية في فيلم «ألمان مقابل المال».

فدية أم تجارة بالبشر؟

https://www.youtube.com/watch?v=7X8GhhNX5Dk

«ألمان مُقابل المال» هو عنوان الفيلم الوثائقي الذي يحكي تفاصيل الصفقة السريّة التي عقدتها حكومة ألمانيا الغربية مع الحكومة الرومانية لإنقاذ 250 ألف روماني من أصولٍ ألمانية كانت رومانيا تمنعهم من العودة إلى ألمانيا.

كان بطل الصفقة الرئيس الروماني «نيكولاي تشيتشيسكو»، الذي استطاع ابتزاز الألمان حتى «باعهم» هؤلاء الرومان الألمان بثمن باهظ يقدَّر بـمليار مارك ألماني، هذا غير تكاليف السفر والتأشيرات التي تحمَّلتها ألمانيا، والتي تجعل قيمة الصفقة يُقدَّر بثلاثة مليار مارك الماني.

كان المحامي والسياسي «هاينز هوش» هو المسئول الأبرز لإتمام الصفقة، حيث سافر إلى بوخارست مرات عديدة؛ كي يتداول مع الحكومة الرومانية حول «الثمن» وفي كُل مرّة كان يحمل معه حقيبة مليئة بالأموال، والتي كانت تصل إلى 6.5 مليون مارك ألماني، ومعها مُسدس.

في لقاء مع أحد رجال المخابرات الرومان أكَّد أن الحكومات لم تدفع لأولئك «الألمان» حينها تكاليف السفر، كذلك فقد انتشرت الرشاوى في ألمانيا، والتي كان تصل في بعض الأحيان إلى خمس خانات مقابل كُل شخص؛ كي يستطيع أن ينفذ بجلده، ولم يكتف الرومان بذلك، بل حاولوا تجنيد بعض الألمان للعمل في صفوف المخابرات الرومانية.

تسعيرة «الألماني»

المصدر: شبكة Euronews

 

قبل أي شيء، اشترط الجانب الروماني على الجانب الألماني دفع 200 ألف مارك الماني نقدًا، وبدون «فاتورة» في محاولةٍ لتسّتر رومانيا على «بيع مواطنيها» علمًا بأنَّ الحملة كُلها تمت في ظروف سرية تامة. كما اشترط أن يجري تصنيف كُل من سيتم ترحيله إلى ألمانيا بحسب عُمره، خبرته، وعمله، وشهاداته الأكاديمية.

خلال هذه العملية حصلت خلافات كثرة اضطرت إلى وجود خُبراء يقدّرون قيمة شمولية عن كُل إنسان، وإنسان، فالسائق ليس كالمهندس أو المعلم أو حتى المتقاعد، هذا غير خلافات أخرى حول الأشخاص الذين درسوا على حساب الدولة، وبالتالي طالبت بأن يتم تعويضها عنهم.

وفي عام 1968 تم التوصل إلى الاتفاق التاريخي:

 

– فئة أ: 1700 مارك ألماني– إنسان عادي

– فئة ب: 5000 مارك ألماني – صاحب حرفة

– فئة ج: 10000 مارك ألماني – الأكاديمي

بالنسبة للجانب الألماني فإنَّه يؤكد أن الرومانيين كانوا مُبتزين جدًا؛ إذ إنَّ الكثير من المهاجرين كانوا من الأطفال وكبار السن المتقاعدين، ورغم ذلك اضطرت أن تدفع «مقابل» السماح لهم بالهجرة إلى أراضيها، بل إنَّ رومانيا اشترطت على ألمانيا أن تدفع مقابل كُل إنسان هاجر إلى ألمانيا بشكل غير شرعي.

لماذا؟

بحسب المادة 116 من القانون الأساسي الألماني فإن مفهوم «الألماني» لا يعني بالضرورة كُل من يحمل الجنسية الألمانية فقط، بل إن كل من تنحدر سلالته من مناطق الرايخ الألماني التاريخي فإنه يعتبر ألمانيًا، ولا يُعتبرون أجانب.

بالتالي فإن أكثر من 350 ألف شخص ينتمون للأقلية «الرومانية الألمانية» لا يُمكن التخلي عنهم لمجرد عدم حيازتهم للجنسية الألمانية، وهذا يعني أن الحكومة الألمانية مُلزمة بالتحرك لمساعدة هؤلاء إذا ما احتاجوا إليها.

في حالة ألمان رومانيا لم يُسمح للحكومة الألمانية بتقديم المساعدة في داخل رومانيا، وكان الخيار بترحيل هؤلاء إلى المانيا، وهنا اشترطت رومانيا: المال مقابل الألمان، ويزيد أحد القساوسة الألمان – وهو من القلة القليلة التي بقيت في رومانيا – أنَّ الألمان كانوا بالنسبة إلى «تشاوتشيسكو» عبارة عن «احتياطي نقد أجنبي»، كُلما أراد المزيد من المال، عرض المزيد من الألمان «للبيع»!

عرض التعليقات
تحميل المزيد