قائمة طويلة من الاتهامات والانتقادات تواجهها الصين من أمريكا ودول غربية بدعوى تضليل بكين لها، وتسترها على انتشار الفيروس في بدايته، وسط محاولات من هذه الدول بدعم من منظمة الصحة العالمية للسماح بزيارة وفود لإجراء تحقيق من داخل ووهان الصينية، البؤرة الأولى لانتشار الوباء. ووهان الصينية، حيث تقول بعض الروايات إن الفيروس قد انتقل إلى المريض صفر من سوق الحيوانات داخل المدينة، وعلى بعد أمتار من المختبر، دفع البعض للربط بين انتشار الفيروس للبشر والطب الصيني التقليدي الذي ما يزال رائجًا في الصين ودول شرق آسيا.

وربطت بعض الدراسات العلمية بين استخدام منتجات الطب الصيني التقليدي، المُشتقة من الحيوانات، وانتشار أوبئة سابقة بدول جنوب وشرق آسيا السنوات السابقة، ما عزز من احتمالية كونه أحد العوامل المساعدة في الانتشار الكبير للوباء، وتحول هذه المنطقة لحاضنة لمعظم الأوبئة في العقود الماضية.

كيف جنت الصين 50 مليار دولار  من منتجات طبية تقليدية؟

على مدار أكثر من ألفي عام، ابتكر المعالجون الصينيون مساحيق عشبية، وصبغات وأتربة مصنوعة من مختلف أجزاء الحيوانات، وإبرًا تُوضع بطريقة محددة لعلاج مجموعة من الأمراض البشرية. وبمرور السنوات، نجحت الصين في تسويق هذه الصناعة الجديدة ليعرف ملايين البشر هذه الطرق العلاجية المبتكرة، ويتوسع استخدامها خصوصًا في دول جنوب شرق آسيا، وتصبح علاجًا يستخدمونه في أغلب الأمراض.

وتتلخص فكرة الطب الصيني التقليدي في طرق ثلاثة للعلاج ابتكرها، وهي الوخز بالإبر، وهي تقنية يقوم فيها الممارسون بتحفيز نقاط معينة على الجسم عن طريق إدخال إبر رفيعة عبر الجلد، والعلاجات الروحية عبر تأدية بعض التمارين العقلية والاسترخاء النفسي والمعروفة بـ«Tai chi».

أما الطريقة الثالثة والأكثر شيوعًا هي العلاجات المُشتقة من الحيوانات لعدد من الأمراض الشائعة مثل التهاب المفاصل، والصرع، والضعف الجنسي لدى الرجال، وراج استخدام منتجات الأدوية الصينية التقليدية في دول شرق وجنوب آسيا، التي تكون مُشتقة عادة من النمور، والدببة، ووحيد القرن، والبنجولين، وأنواع حيوانية أخرى يجري صيدها للاستفادة بأجزاء من أجسامها في الطب التقليدي.

لكن الانتشار والرواج الذي شهدته هذه المنتجات تزامن مع ارتفاع أصوات علماء في أوروبا تنادي بتقييد استخدام هذه الأدوية، والتحذير من آثارها البيئية الخطيرة. وأمام هذه الحملة المضادة لهذه المنتجات، شرعت  الصين في حظر استخدام بعض من المنتجات الدوائية محل الخلاف العلمي، غير أن ذلك لم يمنع تداولها، بعدما توسعت أسواق غير قانونية للتجارة غير الشرعية لهذه المنتجات الدوائية، في ظل تنامي الطلب على هذه المنتجات من سكان جنوب شرق آسيا، وتسويقها بشكل واسع عبر الإنترنت تزامنًا مع النمو الاقتصادي في آسيا خلال السنوات الأخيرة.

ولم تخضع هذه الأدوية لتجارب سريرية كحال الأدوية التقليدية، أو للوائح التنظيمية المتبعة في إقرار أي عقار جديد، إذ كشفت تجارب أجرتها عدد من جامعات أوروبا عليها أن هذه العلاجات تحتوي على نباتات تنتج موادًا كيميائية سامة وأحماضًا نووية حيوانية من أنواع مهددة أو معرضة للانقراض.

ونتيجة للثقة الكبيرة في هذه المنتجات الدوائية سواء من السلطات الصينية أو قطاعات كبيرة من الشعب، جرى استخدامها كعلاجات مُبتكرة في أشد الأزمات الصحية التي واجهت بكين، وهو انتشار فيروس سارس في عام 2003، وأعادت السلطات الصينية الترويج لهذه المنتجات مع انتشار الكورونا بوصفه «حلًّا سحريًّا» لهذا الوباء الذي أغلق العالم.

وتدافع الصين عن هذه الأدوية كممكنات للتسكين والعلاج لهذه الأوبئة، كونها تعمل على تعديل صحة الجسم بالكامل وتحسين المناعة، والمساعدة في تحفيز قدرات المرضى على مقاومة المرض والشفاء منه. أحد أبعاد الدفاع الصيني عن استخدام هذه المنتجات يكمن في عائدها التجاري، إذ تُدر على اقتصادها الوطني عائدات تبلغ نحو 50 مليار دولار أمريكي سنويًّا.

برز الخلاف حول جدوى استخدام الطب الصيني التقليدي لعلاج الكورونا، مع التوسع في استخدامه في حالات الإصابة بالكورونا، لتزيد الشكوك حول الجدوى. ففي حين أعلن المتحدث باسم لجنة الصحة ببكين قاو شياو جون، أن من بين متناولي العلاج الصيني التقليدي، ظهرت نسبة شفاء وتحسن وصلت إلى 92%، قال الباحث الصيني يانزهونج هانج، وهو زميل في الصحة العالمية في مجلس العلاقات الخارجية، ومقره واشنطن، «إن هذه النسب ليست دقيقة، وأننا يجب أن نكون على علم بأن 80% (من مرضى الفيروس التاجي) حالات خفيفة. حتى إذا لم يفعلوا أي شيء قد يتعافون في نهاية المطاف».

ويُشير تقرير منشور على موقع ساينتفك أمريكان، إلى أن «كثيرًا من هذه الأدوية عادة ما تصيب الناس بالأمراض بدلًا من أن تعالجهم. ويُعد حمض الأريستولوكيك على وجه الخصوص من مكوِّنات تلك الأدوية المسببة للمشكلات، ويشيع استخدامه في العلاجات التقليدية، وقد جرى الربط بينه وبين تلف الكلى المسبِّب للوفاة وسرطانات مجرى البول».

الطب الصيني التقليدي وكورونا.. علاج أم سبب في الانتشار؟

مع انتشار كورونا، والاتفاق بين الأغلبية على أن الفيروس قد انتقل إلى المريض رقم صفر في سوق الحيوانات البحرية بووهان الصينية، تجدد الجدل حول احتمالية الربط بين المنتجات الطبية الصينية التقليدية وكورونا. وربط النقاشات العلمية بين الانتشار الواسع للوباء والتوسع في استخدام هذه المنتجات، على أساس أنها عامل رئيسي في زيادة التفاعلات بين الحيوانات والإنسان، ويوجد على الجانب الثاني رأي آخر من شرق آسيا، المستهلك الأول لهذه المنتجات، المُدافع عنها، مؤكدًا أنها كانت علاجات فاعلة في مواجهة الأوبئة السابقة.

بحسب دراسة صادرة عن جامعة بنسلفانيا، فإن هذه العلاجات تُشكل مساهمًا رئيسيًّا في زيادة التفاعلات بين الحيوانات والإنسان، ويقول مؤلف الدراسة سوريش كيوتشبيدي، عالم الفيروسات والمدير المساعد لمختبر التشخيص الحيواني في جامعة ولاية بنسلفانيا، أن معظم الأوبئة على مدار العقود الماضية تشترك في شيء واحد على الأقل، وهي أنها بدأت من آسيا أو أفريقيا، موضحًا أن التوسع في استخدام المنتجات الطبية المستخلصة من الحيوانات تلعب دورًا رئيسيًّا في ذلك الأمر.

ويُوضح أن الأمر المُلح للحد من انتشار الأوبئة هو هندسة استراتيجيات فعالة لمنع إزالة الغابات وتقليل التفاعلات بين الإنسان والحيوان، عبر القضاء على هذه المنتجات نهائيًّا، موضحًا أن اتباع نظام المراقبة العالمي الشامل لمراقبة ظهور هذه الأمراض أداة لا غنى عنها في مساعدتنا على مكافحة هذه الأوبئة القاتلة والمرعبة، بحسبه.

يُعزز من هذه الاحتمالية ما كشفت عنه الدراسات العلمية حول آثار هذه المنتجات الدوائية، إذ عُثر على بعض المنتجات العشبية الصينية ملوثة بمواد نباتية أو حيوانية غير معلنة؛ كالأدوية (مثل الوارفارين المخفف للدم والعامل المضاد للالتهابات ديكلوفيناك)، والمعادن الثقيلة (مثل الزرنيخ والرصاص والكادميوم)، والمبيدات الحشرية أو المركبات التي تسمى كبريتات، والتي يمكن أن تسبب الربو أو الحساسية الشديدة. وكشفت دراسات صادرة من جامعات أمريكية كذلك عن أن هناك أعشابًا غير صحيحة في تكوينها، تسببت في تلف أعضاء متناولي هذه المنتجات.

غير أن دراسات أخرى صدرت من جامعات صينية دافعت عن استخدام المنتجات الدوائية وفعاليتها لعلاج الأوبئة، مثل سارس وكوفيد-19 المستجد. وامتدحت هذه الدراسات التأثيرات «الجيدة» لهذه الأدوية التقليدية في علاج السارس والوقاية منه، قائلة إن معدل وفيات فيروس سارس في هونج كونج وسنغافورة حوالي 18%، بينما كان المعدل في بكين أكثر من 52% في البداية حتى الخامس من مايو (أيار) وانخفض تدريجيًّا إلى 4% و1% بعد 20 مايو في عام 2003 بفعل استخدام منتجات الطب الصيني التقليدي كمُكمل للعلاج التقليدي.

لكن هذه الدراسات تواجه انتقادات واسعة في غياب الجودة للمنهجية المستخدمة في التجارب، وتخلل إجراء الدراسات الإكلينيكية بعض المشكلات التي قلَّلت من جودة النتائج، وشككت في صحة ما انتهت إليه. وحاولت الصين الترويج لهذه المنتجات خلال أزمة انتشار الوباء، عبر تسويقه بوصفه علاجًا جرى استخدامه مع آلاف الحالات، غير أن بعض الشهادات كشفت لاحقًا عن تشكيك في صحة رواية السلطات الصينية، بعدما روى شيونج تشينجتشن، 38 عامًا، وهو مهندس طائرات، في مدينة ووهان بوسط الصين، وأحد مصابي كورونا، تجربته مع هذه الأدوية.

بحسب المواطن الصيني، فبروتوكول العلاج شمل تناول شراب عبارة عن حساء بني – وهو علاج صيني تقليدي ممزوج من أكثر من 20 عشبًا، بما في ذلك الإيفيدرا، وأغصان القرفة، وجذر عرق السوس- لكن على عكس معظم المرضى من حوله، شكك شيونج، الذي خرج في أواخر فبراير (شباط) من المستشفى المؤقت الذي يديره أطباء الطب الصيني التقليدي، في فعالية هذا الدواء ورفض تناوله. وقال شيونج «إنه علاج وهمي محض».

ولم يمنع تشكك الأطباء الغربيين في جدوى هذه العلاجات التقليدية، من إعلان السلطات الصينية، رسميًّا، أن أكثر من 85% من جميع مرضى الكورونا في الصين – حوالي 60 ألف شخص – تلقوا علاجات عشبية إلى جانب الأدوية المضادة للفيروسات السائدة، ومخاطبة سلطات الدول الأخرى بالسماح لمزيد من البلدان بالتعرف إلى الطب الصيني، وفهم الطب الصيني واستخداماته الغائبة عنهم.

أسباب أخرى حولت شرق آسيا لحاضنة للأوبئة والفيروسات

التفسير العلمي والدراسات الصادرة من كُبرى الجامعات الأمريكية التي ربطت بين استخدام هذه المنتجات الطبية التقليدية وانتشار الكورونا، ذكرت عوامل أخرى لتحول شرق آسيا لمناطق حاضنة للأوبئة والفيروسات على مدار العقود الماضية.

على رأس هذه العوامل، التي تقف وراء انطلاق الأوبئة في العقود الماضية من أفريقيا وآسيا، هو التحول غير المسبوق في عدد السكان، وهجرة أعداد كبيرة من المناطق الحدودية بهذه البلدان إلى المدن الرئيسية، وما يصاحب عملية الهجرة من انتقال الحيوانات البرية، التي تُجبر على الاقتراب من المدن والبلدات. وعند انتقال الحيوانات البرية، تواجه، لا محالة، الحيوانات الأليفة والسكان البشريين، وتنقل لهم الفيروسات التي عادة ما تحملها، كفيروسات الخفافيش وغيرها.

سبب آخر يقف وراء ذلك هو الانخفاض الحاد للحيوانات المفترسة في أفريقيا، مقابل زيادة أعداد القوارض التي ترفع احتمالية نقلها لأمراض حيوانية للإنسان. كما يلعب الانتشار الكبير لأسواق الحيوانات الحية الشائعة في جميع أنحاء آسيا وأفريقيا، التي تتميز عادة بالتكدس، دورًا رئيسيًّا في كيفية ظهور مسببات الأمراض القاتلة وانتشارها بين الأنواع.

المصادر

تحميل المزيد