اقتربنا من نهاية عام 2021 بكل ما حمله من أحداث، سواءً كانت سلبية أم إيجابية، ويحاول البشر في كل أنحاء العالم استقبال العام الجديد بروح متفائلة، لعله يكون أفضل من العام الذي سبقه، ويقضي البعض ليلة رأس السنة كأي ليلة أخرى، بينما يقضيها البعض في الحفلات الغنائية والموسيقية، بينما يخطط العديدون لحضور الاحتفالات الكبرى التي تقيمها المؤسسات الحكومية، مثل التي تقام في سيدني بأستراليا، لكونها من أوائل الدول التي تعبر إلى العام الجديد، علاوةً على دفء المناخ الذي يساعد على الاحتفال، أو حضور احتفالات المؤسسات الأهلية مثل إسقاط الكرة بأعلى سطح مبنى «تايم سكوير» في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، والذي أصبح تقليدًا ينتظره عدة ملايين في نيويورك وسائر الولايات الأخرى.

على جانبٍ آخر، ينتمي ملايين الأشخاص حول العالم لثقافاتٍ مختلفةٍ، ولكلٍّ منهم طقوسه الخاصة للاحتفال بليلة رأس السنة الجديدة، والتي غالبًا ما تكون نابعة من الثقافة التي ينتمون إليها، وربما تكون غريبة أو غير متعارف عليها عند باقي شعوب العالم، فمنهم من يعبِّر عن احتفاله بتناول الطعام، ومنهم من يرتدي أزياء متفقًا عليها للاحتفال بهذه المناسبة السنوية، وآخرون يقومون بأفعال لا يقوم بها غيرهم.

العجين المسكَّر في هولندا وكعكة النقود في اليونان

لا احتفالات بدون طعام، يعد هذا أمرًا مسلَّمًا به في كل العالم؛ لكن هناك بعض البلاد التي تلتزم بتقليد معيَّن للاحتفال بالطعام في المناسبات، ففي هولندا يفضلون بدء السنة بتناول طعام حلو المذاق، وهو ما يتمثل في حلوى الكرات الزيتية الخاصة بهم أو «oliebollen»، وهي تشبه الدوناتس وتتكون من عجين على شكل كرات تقلى في الزيت، وهي إما أن تحتوي على الزبيب أو يرش على وجهها السكر البودرة، ومن الممكن أيضًا إضافة بعض المكونات الخاصة مثل القرفة أو قطع التفاح. 

Embed from Getty Images

لا أحد يعلم بشكلٍ قاطعٍ لماذا يأكل الهولنديون هذه الحلوى في ليلة رأس السنة، أو ما أصل هذه الحلوى، هناك نظريات تشير إلى أصلها الإسباني أو البرتغالي، فيما تفيد نظريات أخرى بأن هذه الحلوى كانت ما يكسر به البعض صيامهم في عيد الميلاد، وكانوا يخبزونها بكميات كبيرة، فيفيض منها الكثير ليجري توزيعه لاحقًا على الفقراء الذين يجوبون المنازل عشية رأس السنة طلبًا لأي شيء يمكن إعطاؤه لهم، ولكن تظل هذه كلها نظريات غير مؤكدة وغير مهمة في نظر المواطنين في هولندا.

في اليونان، وخاصةً في بيوت المسيحيين الأرثوذوكس، تعد ليلة رأس السنة أيضًا ليلة الاحتفال بالقديس «باسيليوس» الكبير، فيخبز الناس كعكة يُطلق عليها اسم «فاسيلوبيتا»، وما يميِّز هذه الكعكة هو وضع قطعة معدنية بداخلها قبل وضعها في الفرن لجلب الحظ والسعادة للعام الجديد، ومن يحصل على قطعة الكعك التي تحتوي على العملة المعدنية، يكون هو الأوفر حظًّا في العام الجديد.

12 حبة عنب في إسبانيا و12 وجبة في إستونيا

بينما يتناول الناس في النمسا الآيس كريم بالنعناع في ليلة رأس السنة، فإنهم في إسبانيا والبرتغال والبرازيل يتناولون 12 حبة عنب عندما تبدأ الساعة في الدق إيذانًا بالوصول للساعة الثانية عشرة، وبداية أولى ساعات العام الجديد، بمعدَّل حبة عنب مع كل دقة للساعة، وتمثِّل كل حبة عنب الحظ الجيد المنتظر في كل شهر من شهور العام الجديد، ومن لا يستطيع ابتلاع كل حبات العنب الخاصة به قبل انتهاء الدقة الأخيرة في الساعة الثانية عشر يعد أقل حظًّا من الآخرين، وغير معروف بشكلٍ أكيدٍ ما هو أصل هذه العادة، لكن يُرجع البعض انتشارها الواسع إلى مزارعي العنب الذين وجدوا في هذه العادة ربحًا أكيدًا.

Embed from Getty Images

أما في إستونيا فالوضع مختلف تمامًا، فهناك الأمر لا يتعلق بنوعية الطعام وإنما بكميته، فالاحتفال يتم طوال اليوم الأخير من العام، لأنه مَن أراد أن يكون حظه جيدًا في العام الجديد؛ عليه أن يتناول عدد وجبات بالأرقام الجالبة للحظ في إستونيا، وهي 7 أو 9 أو 12، وهو ما يعني أنه على المحتفلين تناول هذا العدد من الوجبات في آخر أيام العام المنتهي وعليهم أن ينتهوا من الوجبات قبل أن تدق الساعة الثانية عشرة، وكلما زاد عدد الوجبات الموازية لأرقام الحظ، زاد الحظ الذي ينتظر الإستوني المحتفل.

اللون الأبيض مفضَّل في البرازيل ومكروه في فيتنام

وكما يُحتفل بطقوس معينة تخص الطعام، فإن للملابس نصيبها أيضًا من الطقوس؛ ففي البرازيل يرتدي الناس اللون الأبيض في محاولة لاجتذاب الصفاء الروحاني والسلام، ورغم أن من يرتدون هذا اللون عشية رأس السنة ينتمون لديانات مختلفة، فإن هذا التقليد مأخوذ عن الديانة الكاندومبلية التي يعتنقها الكثير من البرازيليين؛ إذ يرتدي المنتمون لهذه الديانة اللون الأبيض أثناء تأدية طقوسهم.

وعلى العكس تمامًا في فيتنام، فإن صادفك الحظ وحضرت هناك احتفالات ليلة رأس السنة، فلا ترتدي اللونين الأسود والأبيض، فهي ألوان العزاء والحزن هناك، لذلك فكلما أكثرت من الألوان المبهجة في ملابسك تماشيت مع عاداتهم بشكل أكبر، ويُفضِّل المواطنون أيضًا ارتداء ملابس جديدة من التراث الفيتنامي والابتعاد عن الملابس الغربية.

واللون الأحمر «مَلِك» ملابس الاحتفال في ليلة رأس السنة

في إيطاليا يحرصون أيضًا على شراء قطعة ملابس جديدة لارتدائها ليلة رأس السنة، ولكنها ليست أي قطعة ملابس، بل قطعة ملابس داخلية، وقبل ليلة رأس السنة الجديدة تمتلئ واجهات المحلات بالملابس الداخلية الحمراء بوصفها تجذب الحظ الجيد، أما عن سبب اضطرارهم لشراء قطعة جديدة كل سنة، فهذا يعود لالتزامهم بعادة أخرى، وهي عادة إلقاء مقتنياتهم من النافذة عندما تدق الساعة الثانية عشرة معلنة انتهاء سنة وبداية أخرى، حتى إنهم قد يلقون بأثاث المنزل نفسه، لذا قد ينتهز الكثيرون هذه الفرصة للتخلص من قطعة الملابس الداخلية الحمراء التي قد لا تكون مناسبة لهم بأي حال واشتروها فقط من أجل عادات الاحتفال.

تركيا أيضًا تحب الاحتفال باللون الأحمر، فمع اقتراب ليلة رأس السنة تزدحم واجهات المتاجر باللون الأحمر، ابتداءً من العباءات وصولًا إلى الملابس الداخلية، على أمل أن يجلب اللون الأحمر الحظ لحياة الأتراك العاطفية. 

وفي المكسيك يعبِّر المواطنون أيضًا عن احتفالهم عن طريق ارتداء ملابس داخلية بألوان محددة، فيرتدي الأحمر كل من يتمنى إثراء حياته العاطفية في العام الجديد، ومن يتمنى الثراء والسعادة يرتدي الأصفر، أما اللون الأخضر فهو لمن يتمنى الصحة والعافية، والأبيض للأمل والسلام، وأخيرًا اللون الوردي للصداقة الحقيقية.

أما في الفلبين فالأمر لا يتعلق بالألوان وإنما بالأشكال، فهم يحبون كل ما هو متعلق بالشكل الدائري ليلة رأس السنة، فيخرجون ملابسهم التي تحمل أشكال دوائر، وخاصة نمط نقاط البولكا، معتقدين أن الشكل الدائري يجذب الحظ المالي السعيد.

Embed from Getty Images

كريمة مخفوقة على الأرض وعرائس محترقة

لا تتوقف تقاليد الشعوب في الاحتفال بليلة رأس السنة عند الطعام والملابس، بل تمتد لممارسات أخرى، فعلى سبيل المثال في الإكوادور يحتفلون بالحرق، رغم أنه عند التفكير في عملية الإحراق بأنها عملية نابعة من مشاعر غضب وكراهية، فإن عملية الحرق في الإكوادور هي المظهر الأهم في الاحتفال، وفيه تحرق كل أسرة عروسًا كبيرة محشوة، وهي ترمز للتخلص من كل حدث سيئ وقع خلال العام الماضي، لاستقبال العام الجديد بسعادة.

أما في سويسرا فإذا وجدتهم عند انتصاف ليل آخر يومٍ في العام يوقعون كميات من الكريمة المخفوقة والآيس كريم على الأرض، فهم لم يصابوا بالجنون، وإنما يأملون بهذا الفعل أن يصبح عامهم الجديد مليئًا بالخيرات والغنى، والمنطق وراء هذا السلوك غير معلوم.

سانتا كلوز ممنوع في روسيا.. والضوضاء عنوان الاحتفال في الفلبين

وإذا انتقلنا إلى كوريا الجنوبية سنجدهم يحتفلون بالعام الجديد بفكرة شاعرية وغير تقليدية، فنظرًا إلى اعتدال الجو هناك في هذه الفترة من العام، يتجمع المحتفلون على الشواطئ والجبال لمشاهدة آخر غروب في العام المنصرم، وأول شروق شمسٍ لأول يومٍ في العام الجديد، هذا التقليد مستمر منذ زمن طويل ومشهور للغاية حتى إنه مع اقتراب نهاية كل عام، تبدأ الشواطئ في الإعلان عن نفسها بوصفها مكانًا سياحيًّا يمكن مشاهدة الغروب والشروق منه.

لكن في الفلبين، فإنهم لا ينظرون إلى الأمر بهذه الشاعرية، بل على العكس يصنعون ضوضاء من أي غرض حولهم، فيدق الأطفال على لعبهم وتدق النساء على أواني الطهي، وكلما زادت الضوضاء كان أفضل، لأنهم يعتقدون أنهم بذلك يبعدون الأرواح الشريرة عن العام الجديد.

منوعات

منذ 3 أسابيع
من قديس مبارك إلى عجوز مرح.. تاريخ «سانتا كلوز» الذي قد لا تعرفه

أما في روسيا فالأمر أكثر تعقيدًا؛ إذ منع النظام الشيوعي في العهد السوفيتي الاحتفال بسانتا كلوز أو نظيره الروسي الأب فروست أو ديد موروز «Ded Moroz» من أجل تخفيف تعلُّق الأطفال به، والذي بلغ درجة نعته بـ«رب الأطفال»، ومن ثم كان وجود سانتا كلوز أو مثيله الروسي، ممنوعًا في الأعياد الدينية التي منعها الحكم السوفيتي كذلك، وللتحايل على هذا الأمر ظهر الأب فروست، ولكن للاحتفال بليلة رأس السنة بعيدًا عن المناسبات الدينية، ويفعل ما يفعله سانتا كلوز من إعطاء الهدايا للجميع وخاصةً الأطفال، ورغم انهيار الاتحاد السوفيتي منذ 30 عامًا، فإن الاحتفال بليلة رأس السنة بهذه الطريقة لا يزال قائمًا ولم يغيِّره أحد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد