تنتشر ظاهرة الاتجار بالأطفال، وبأسعار متدنية، في شوارع العاصمة الإيرانية طهران، من قبل أمهات أصابهن اليأس والفقر والإحباط، وأدمن كثير منهن المخدرات، وسط مجهودات حكومية شبه معدومة من السطات الإيرانية لمواجهة الظاهرة.

وتُعرف منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، مصطلح الاتجار بالأطفال، وفقًا لبروتوكول منع قمع ومعاقبة الاتجار بالأطفال، على أنه «تجنيد الأطفال أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بغرض استغلالهم. وهو يعد انتهاكًا لحقوقهم، ورفاههم ويحرمهم من فرص تحقيق إمكاناتهم الكاملة».

وبحسب المنظمة الأممية، فإن المعروف عن الحجم الحقيقي للاتجار بالأطفال حول العالم «قليل»، معتبرةً تقدير منظمة العمل الدولية بوجود 1.2 مليون طفل يُتاجر بهم سنويًّا حول العالم؛ مرجعًا أساسيًّا في هذا الشأن.

سعر الطفل يبدأ من 30 دولارًا

«علينا الاعتراف بحقيقة أن بعض النساء المدمنات والمومسات ينجبن الأطفال للبيع، وأن الوسطاء في هذه التجارة يتفقون مع هؤلاء النسوة على السعر قبل الإنجاب»، هكذا يُقر بوضوح سياوش شهريور، مدير عام إدارة الشؤون الاجتماعية والثقافية في طهران، بالعمليات المنظمة للاتجار بالأطفال في طهران، مُلخصًا أهم جوانب تلك العملية ذات الانتشار المتصاعد في العاصمة الإيرانية، لافتًا إلى أن «بعض نساء الأحياء الفقيرة في طهران ينجبن عددًا كبيرًا من الأطفال بهدف بيعهم».

وتُقبل النساء الإيرانيات المدمنات للمخدرات اللاتي يعشن بلا مأوى، أو العاملات في تجارة الجنس، على بيع أطفالهن بعد الولادة بالقرب من المستشفيات، كما تحكي فاطمة دانيشوار، رئيسة اللجنة الاجتماعية بمجلس مدينة طهران، وبحسب فاطمة، فإن سعر الطفل يتراوح ما بين 30 إلى 60 دولارًا فقط، ويشتريه عصابات المتسولين وتجار المخدرات، في حين يفيد التقرير السنوي للخارجية الأمريكية للاتجار بالبشر لعام 2016 بأن سعر الطفل في إيران قد يصل إلى 150 دولارًا.

وتتقلص فرص الحياة الطويلة لهؤلاء الأطفال، إذ يدمن معظمهم المخدرات، أو يُصابون بمرض الإيدز. وفي هذا الصدد يقول شهريور، إن 80% من هؤلاء النساء وأطفالهن مصابون بمرض الإيدز، منتقدًا «عدم وجود أي نظام لتبني هؤلاء الأشخاص، وتخلي الحكومة عن دعمهم، على عكس باقي دول العالم».

للقصة أبعاد أُخرى

قبل الوصول لتلك النهاية المأساوية للقصة، هناك العديد من الأسباب والمقدمات التي تساعد على انتشار تلك الظاهرة، فتبدأ القصة عندما تنتقل بعض السيدات، ومعظمهن بلا عائلات أو أزواج إلى العاصمة طهران بحثًا عن فرصة عمل تمكنها من عيش حياة أفضل، ولكن لا يبدو الوضع مثاليًّا في طهران، تلك المدينة التي يتعدى عدد سكانها 14 مليون نسمة، تبلغ نسبة بطالة النساء فيها 70%.

لذلك فالذاهبات إلى طهران لا يجدن عملًا، وقد يضطررن إلى التسول، وقد يتطور الأمر إلى ما هو أبعد، ببيع أجسادهن والعمل في الدعارة وتجارة الجنس، أو الوقوع في دوامة إدمان المخدرات وتجارتها، ذلك القطاع الذي يشهد رواجًا في إيران بالرغم من عقوبة الإعدام التي قد تطال المتاجرين في المخدرات، فمن أصل 80 مليون نسمة يعيشون في إيران، يُقدر عدد مدمني المخدرات هناك بثلاثة ملايين شخص (9% منهم من النساء)، ويفيد تقرير لصحيفة دويتش فيلة الألمانية بأن نسبة المدمنات للمخدرات في إيران تضاعفت خلال العقد الماضي.

وفي نفس السياق، تقول شيفا أهاري، الناشطة في حقوق المرأة وأطفال الشوارع، إن «المواطنين اليائسين باتوا يبيعون أعضاء جسدهم، بل وأصبحوا يبيعون أطفالهم أيضًا». ويبدو أن الأمر لا يقتصر على النساء العازبات فقط، إذ يفيد حبيب الله فريد، نائب رئيس المنظمة الخيرية الحكومية، بازدياد الآباء والأمهات الذين يتاجرون بأطفالهم في جميع أنحاء البلاد، مرجعًا السبب وراء ذلك إلى زيادة نسبة الأمهات اللاتي تتعاطى المخدرات.

في المقابل، ينفي لطفي محمود، عضو منظمة «من أجل حقوق الأطفال» غير الحكومية العاملة في طهران، أن تكون كل أسرة أو أم تبيع طفلها مدمنة للمخدرات، موضحًا: «فالكثير من العائلات تعاني من الفقر المدقع. إن أفراد هذه الأُسر يائسون. فهم يبيعون أطفالهم على أمل أن يكون مستقبلهم أفضل. لكن الأطفال يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان لدى عصابات المتسولين، أو يصبحون أطفال الشوارع في نهاية المطاف».

تجارة جنسية دولية لفتيات إيران تصل الإمارات

في يونيو (حزيران) الماضي، أصدرت الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي للاتجار بالبشر لعام 2016، وأكد التقرير الأمريكي ما سلف ذكره في تقريرنا بزيادة حالات الاتجار بالبشر في إيران، وذهب أيضًا إلى تفاصيل أبعد من الاتجار بالأطفال حديثي الولادة فقط، ومن الاتجار بالمواطنين الإيرانيين، ومن النطاق المحلي لتلك التجارة.

واعتبر التقرير إيران بلدًا مصدرًا لتجارة الجنس، وناقلًا لها، ومقصدًا لها، ويخضع لتلك التجارة النساء والرجال والأطفال، وأشار التقرير إلى وجود جماعات منظمة تُخضع النساء والفتية والفتيات الإيرانيات إلى تجارة الجنس في إيران، وأفغانستان، وإقليم كردستان العراقي، وباكستان، والإمارات، وأوروبا.

وكشف التقرير استهداف تجار الجنس للفتيات الإيرانيات اللاتي تتراوح أعمارهن من 13 إلى 17 سنة لبيعهن في الخارج، لافتًا إلى أن الأطفال الأصغر سنًّا يُجبرن على العمل الشاق في الخدمة المنزلية، حتى يعتبرهن التجار أنهن كبرن بشكل كافٍ لإخضاعهن لتجارة الجنس، وأفاد التقرير بزيادة انتقال الفتيات من إيران وخلالها إلى دول خليجية للاستغلال الجنسي، في الفترة من عام 2009 إلى عام 2015.

وأشار التقرير الذي يتكون من 422 صفحة، ويشمل العديد من دول العالم، إلى أن شبكات التجارة بالجنس الإيرانيةـ أخضعوا فتيات إيرانيات للعمل في بيوت دعارة بإقليم كردستان العراقي، ولفت التقرير إلى أن وسائل إعلام قالت إن هناك مسؤولين بحكومة إقليم كردستان العراق كانوا من بين زبائن تلك البيوت، وأفاد التقرير باستمرار ارتفاع أرقام المراهقات الإيرانيات اللاتي يُتاجر بهن لأغراض جنسية في طهران وتبريز وأسترا.

اللاجئون والمهاجرون لإيران عرضة للاتجار بالبشر

ويبدو أن الاتجار بالبشر والأطفال لا يتوقف على الإيرانيين فقط، وإنما يمتد لمهاجرين ولاجئين ذهبوا إلى إيران بحثًا عن حياة أفضل، قبل أن يجدوا أنفسهم ضحايا للاتجار بالبشر، إذ أفاد التقرير بأن منظمة دولية قالت في يناير (كانون الثاني) الماضي، إن الحكومة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني أكرهوا لاجئين ومهاجرين أفغان، للقتال في سوريا، مهددين إياهم بالقبض عليهم وترحيلهم لأفغانستان.

وتجدر الإشارة إلى وجود لواء تابع للحرس الثوري الإيراني، يقاتل في سوريا، ويحمل اسم «لواء فاطميون» يتكون من لاجئين أفغان يعيشون بإيران، ويحاربون بسوريا تثبيتًا لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، في مقابل إغراءات مالية، وتحسين ظروف معيشتهم هم وذويهم بإيران، وقد قُتل علي رضا توسلي قائد هذا اللواء بمدينة درعا السورية في مارس (آذار) 2015 .

علي رضا توسلي قائد لواء فاطميون المقتول في سوريا (المصدر: موقع العربية)


وأفاد التقرير بأن الصبية الأفغان عُرضة للاعتداء الجنسي من مديرهم، كما أنهم عرضة أيضًا للتحرش والابتزاز من الأجهزة الأمنية الإيرانية ومسؤولين حكوميين آخرين، ولفت التقرير بأن المتاجرين بالبشر يستغلون المهاجرين الأفغان، بما فيهم الأطفال، للعمل قسريًّا في قطاعات البناء والزراعة الإيرانية.

جهود الحكومة الإيرانية لمواجهة الاتجار بالأطفال والبشر

«لا تأخذ الحكومة الإيرانية الحد الأدنى من الإجراءات لمكافحة الاتجار بالبشر»، هكذا أشار تقرير الخارجية الأمريكية عن جهود الحكومة الإيرانية لمواجهة الاتجار بالبشر، مصنفًا إياها لهذا السبب، من بين الدول ذات المستوى الأدنى للتقرير من حيث المواجهة الحكومية لتلك الظاهرة المتصاعدة في البلاد.

وتطالب الحكومة الإيرانية المواطنين بعدم إعطاء المتسولين نقودًا والإبلاغ عنهم، ولكن هذا الطلب لا يبدو مقنعًا لدى مواطنين، يرون العشرات من المتسولين منتشرين بالفعل في شوارع العاصمة دون أن تتخذ اللازم ضدهم. ولدى إيران قانون خاص بالاتجار بالبشر صدر في 2004، «يحظر التجارة في الأشخاص عبر التهديد أو استخدام القوة والإكراه وإساءة استخدام السلطة، أو استغلال ضعف الضحايا لإجبارهم على الدعارة أو العبودية أو العمالة القسرية. ويقرر عقوبة السجن حتى 10 سنوات لمن يتاجر في أشخاص بالغين، وعقوبة الإعدام للجرائم ضد الأطفال».

ولكن يبدو أن تلك القوانين ليست مفعلة كما يجب، وبالأخص بعد اتهام مسؤولين في الحكومة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني بالتورط في الاتجار بالبشر، بالأخص ضد اللاجئين الأفغان الأطفال، والبالغين واتهامهم بإكراههم على القتال في سوريا. وبحسب تقرير الخارجية الأمريكية، فالحكومة الإيرانية لم تعلن معلومات عن جهود مكافحة الاتجار بالبشر، كما أن المعلومات المعلنة من المنظمات غير الحكومية، والإعلام، والمنظمات الدولية، والحكومات الأخرى تفيد بأن السلطات الإيرانية لم تتخذ خطوات ملحوظة لمواجهة مشكلة الاتجار بالبشر لديها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد