تعتبر التدريبات طويلة المدى -Internships – إحدى أهم الوسائل التي يلجأ إليها الطلاب والخريجون حديثًا في إحدى المؤسسات تميهدًا لبداية سلك الطريق المهني، إذ تعد خطوة التنقل من الحياة التعليمية إلى الحياة العملية في سن الشباب أمرًا ليس من السهل، ويتطلب بذل مجهود إضافي للتمكن من المنافسة في سوق العمل.

شكلت التدريبات غير مدفوعة الأجر أزمة في أنحاء العالم حول مدى جدواها على المتدربين الطلاب والخريجين ودورها في توظيف إمكانيات الشباب وجهدهم في تلك المرحلة العمرية الهامة، وكانت الأمم المتحدة بكافة وكالاتها إحدى أهم المؤسسات التي تجذب عددًا هائلًا من المتدربين سنويًا بمقتضى عقود رسمية تبدأ من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، تشمل العمل بانتظام دون تلقي أي مقابل مادي، على أثر تلك العقود التي يراها البعض غير عادلة وتشكل إحدى وسائل البطالة، شكل بعض المتدربين في بعض الدول حركات احتجاجية محلية ودولية كان مهدها الأساسي مدينة نيويورك بالولايات المتحدة حيث المقر الدائم للأمم المتحدة ومدينة جنيف بسويسرا التي تستضيف المقر الأوروبي للأمم المتحدة.

فالحديث حول الأمم المتحدة يرتبط بشكل جوهري بالسياسات التي تحكم وكالاتها المختلفة كمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، ومنظمة الأغذية العالمية، وكذلك منظمة الصحة العالمية، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وغيرها والتي تعتمد على تشغيل المتدرب عاملًا أساسيًا، تستطيع الهيئة من خلاله الاستفادة بكل طاقاته وإمكاناته وإعطاءه مهام كالموظفين الرسميين بالوكالات المختلفة وتمثل تلك الاستفادة أيضًا سد فراغ الموظف الذي يعمل لقاء أجر شهري دائم، فضلًا عن ميزانية الأمم المتحدة باعتبارها من أكبر الهيئات الدبلوماسية العالمية التي لربما لا يصعب معها دفع مبالغ للمتدربين نظير العمل الذين يقومون به ولا سيما حاجتهم للمال عقب فترة التخرج التي يمضونها في التدريب بدلًا من الحصول على وظيفة بمقابل.

ما هي مبادرة التدريب العادل وكيف تأسست؟

كانت رابطة متدربي جنيف – Geneva Interns Association – في سويسرا من أوائل المدافعين – وما زالت – عن أحقية حصول المتدربين على مقابل مادي نظير فترة التدريب من قبل الأمم المتحدة وهيئاتها قبل سنوات عدة، وقامت الرابطة بالتعاون مع بعض ممثلي الروابط الطلابية المختلفة مثل معهد جنيف للدراسات الدولية ومتدربين ممثلين عن هيئات الأمم المتحدة المختلفة في شهر أبريل 2015 بتأسيس مبادرة «ادفعوا لمتدربيكم» – ‘Pay Your Interns Initiative’ – للمطالبة بدفع الحد الأدنى للمتدرب على أقل تقدير لتغطية المتطلبات الأساسية «تكاليف السكن – الطعام – المواصلات» والتي تساعد المتدرب على الالتحاق بالتدريب، إذ يشكل التدريب غير المدفوع عائقًا للمتدربين لا سيما للقادمين من مناطق جغرافية مختلفة لا يتيح التدريب المدفوع معها فرصة التحاقهم بالتدريب بالأمم المتحدة والقول بمركزية الفرص هو ضد المبادئ التي تنادي بها الأمم المتحدة بالأساس.

صورة رفعها أحد المتدربين المشاركين تُظهر الاحتياجات الأساسية «مواصلات – سكن – غذاء» ومدى ارتفاع تكلفتها.

عقب ذلك، حاولت الحركات والروابط الطلابية التعاون نحو تأسيس كيان قوي يكون الصوت الرئيسي المطالب بأحقية التدريب العادل للمتدربين، فقررت مبادرة «ادفعوا لمتدربيكم» بالتعاون مع الروابط الأخرى الاندماج وتغيير اسمها نحو الاسم الموحد «مبادرة التدريب العادل – Fair Internship Initiative – وتم ذلك في نيويورك صيف 2015 أثناء تدريب للأمم المتحدة اجتمع فيه المتدربون آنذاك وقرروا إطلاق المبادرة، وقام من خلالها طلبة ومتدربو جنيف بسويسرا بتأسيس نفس المبادرة في يناير 2016.

وفي مقابلة لساسة بوست مع أحد طلبة الماجستير بمعهد جنيف للدراسات الدولية، يرى المصري أحمد ممدوح، أنه في وجه اشتداد المنافسة الوظيفية بين خريجي الدراسات العليا يكون التدريب في أي من المؤسسات التي يحلم المرء بالعمل فيها فرصة ممتازة للالتحاق بالسلم الوظيفي لتلك المؤسسة، وعلى الرغم من ذلك فإن فكرة عدم دفع الكثير من تلك المؤسسات لأجور مقابل التدريب هو معوق أساسي أمام الالتحاق بها وذلك لمصلحة القيام بأي عمل آخر يدر مالًا يساعد على تحمل نفقات الدراسة والمعيشة، خاصة للطلبة بدوام كامل ولأولئك الذين يعتمدون على منح دراسية. وعبر ممدوح عن معاناته التي يعيشها الكثير من الطلبة الذين يودون الالتحاق بالفرص التدريبية بالأمم المتحدة؛ «بوصفي طالبًا أدرس في جنيف حيث ترتفع تكاليف المعيشة بشكل كبير فإنني غير قادر على التدرب بدوام كامل في المؤسسات التي لا تعطي مقابلًا ماديًا على الإطلاق رغم أنها مؤسسات كبيرة وذات ميزانيات ليست بالقليلة، مما يعطي آخرين ميزة أكبر مني لا لشيء إلا لقدرتهم على تحمل نفقات المعيشة بدون راتب، مما قد يعمق من الفجوة الاجتماعية على المدى البعيد».

كيف تُدار الحملة؟

تعتمد المبادرة في حملتها على التواجد الحاضر على وسائل التواصل الاجتماعي من جهة، ومن جهة أخرى أداة «اللوبي» أو مجموعات الضغط داخل الأمم المتحدة من خلال الاتصالات المعتادة وعقد لقاءات مع ممثلي الدول الأعضاء بالأمم المتحدة ومختلف إداراتها.

إحصاءات المتدربين

يصعب عمل إحصائية لعدد المتدربين سنويًا في مختلف وكالات الأمم المتحدة، ولكن وفقًا لبعض الإحصائيات يتبين الآتي: تشير إحصائية للاتحاد الأوروبي أن عدد المتدربين في أوروبا (في جميع المجالات) يتراوح بين أربعة إلى خمسة ملايين متدرب سنويًا، ووفق آخر إحصائية أصدرتها الأمم المتحدة أقرت بأن عدد المتدربين الذين تلقوا تدريبًا في الأمانة العامة فقط 4 آلاف متدرب خلال العامين 2012/2013، وحسب إحصائية أخرى أعدّتها مبادرة التدريب العادل، وجدت المبادرة أن 74% من متدربي الأمم المتحدة يأتون من بلدان ذات دخل مرتفع، وأن 78% من المتدربين لم يكونوا على مقدرة على الالتحاق بالتدريب لولا الدعم المادي من قبل أسرهم، وهذا يُكرس لفكرة أن الالتحاق بتدريبات الأمم المتحدة يُخصَّص بطبيعة الظروف الحاكمة لطبقة ما على حساب الأخرى.

بعض المتدربين بجنيف في أحد احتجاجاتهم الميدانية

تركُّزُ الحديث حول نيويورك وجنيف يكمن في التمكين الإستراتيجي الذي يستطيع من خلاله المتدربون التفاوض مع إدارة الأمم المتحدة لتواجد مقرات المنظمة الرئيسية هنالك، ولكن الأزمة تمتد إلى جميع مكاتب الأمم المتحدة بالعالم التي تقبل متدربين؛ ففي مصر، تتواجد مقرات الأمم المتحدة في القاهرة والإسكندرية فقط، مما يصعب معه التحاق أحد سكان المحافظات الأخرى بالتدريب نظرًا لعدم تغطية الأمم المتحدة تكاليف النفقات البدائية للمتدرب على أقل تقدير.

وتختلف الرؤى حول مدى الفائدة التي تعود على المتدرب، فبينما ترى إدارة الأمم المتحدة أن مجرد انخراط المتدرب في إحدى هيئات الأمم المتحدة هو مكسب كبير للمتدرب من حيث جني الخبرة من خلال التواجد في هيكل تلك المنظمة المرموقة، يرى ديفيد هايد – أحد المتدربين بمكتب الأمم المتحدة بجنيف – أنه وغيره من المتدربين بمجرد أدائهم التدريب فهو في حد ذاته عمل، وتشغيل المتدربين يرفع نسب البطالة ويرمي إلى عكس ما يدعو إليه ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إذ لا يجب أن يتم استغلال طاقات الشباب اقتصاديًا، وفق تصريحات سابقة له.

الاحتجاجات تتجه صوب الشارع

كانت مبادرة «التدريب العادل» قد نظمت احتجاجًا أمام مقر الأمم المتحدة بجنيف أعقبها اعتصام ونصب خيام أمام مقر المنظمة بوصفها إحدى أدوات الضغط على الإدارة، وتستمر في كافة أشكال الضغوط للوصول إلى الهدف المرجو من الحملة.

صورة لاعتصام بعض المتدربين أمام مقر الأمم المتحدة بجنيف

تطورات جديدة

كان أحمد الهنداوي مبعوث الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للشباب قد حضر جلسة شارك فيها بعض المتدربين وأعضاء المبادرة بنيويورك، أثنى فيها على مطالب الحملة ولتسهيل إمكانية فرص الشباب من الطبقات المتوسطة من الالتحاق بالمنظمة.

لقاء أحمد مبعوث الأمين العام للشباب بالمتدربين بنيويورك

وفي حديث لساسة بوست مع أحد ممثلي المبادرة بجنيف، أشار الممثل إلى أن آخر ما انتهت إليه المفاوضات مع إدارة الأمم المتحدة أن الأخيرة قالت إنها لن تستطيع أن تدفع للمتدربين دون الحصول على موافقة الدول الأعضاء، وهذا في حقيقة الأمر صحيح، ولكن على الإدارة أن تصدر تقريرًا ومسودة مشروع قرار أولًا لعرضها باعتبارها خطوةً حسنة النية.

أضاف أيضًا ممثل المبادرة أنهم يتوقعون أن تأخذ الأمانة العامة خطوة نحو هذه القضية، كما تم ترتيب لقاء مع ميشيل مولر المدير العام لمكتب الأمم المتحدة لجنيف في غضون الأسابيع القادمة في محاولة للتوصل إلى حل.

وتستمر الضغوط من قبل المبادرة التي وسعت من جغرافيتها لتشمل روابط متدربين حليفة في فرنسا، وبلجيكا، وأستراليا، وكندا، وغيرهم، من أجل تحقيق المطالب على الرغم من مرور شهور دون الوصول إلى الهدف الرئيسي ولكن المبادرة ما زالت تتخذ كل السُبل الممكنة لتحقيق مطالبها ونشر سياسة التدريب العادل لكل المتدربين.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!