default-avatar
زهراء مجدي 11
default-avatarزهراء مجدي 11

3,033

في يوم ممطر في خريف سبتمبر (أيلول) تقابل 12 شخصًا لا يعرفون بعضهم البعض، جلسوا على مقهى في باريس، ودار بينهم نقاشٌ حول أصعب حدث يمكن للمرء المرور به: الموت. استمرّ الحديث لساعتين، ولكن بدا الأمر لهم مريحًا، فحكت واحدةٌ عن والديها المصابَين بمرض ألزهايمر، وكيف تتمنَّى لهما الموت أحيانًا، وتفوهت امرأة أربعينية بجملةٍ واحدة: «أنا مصابة بالسرطان، وأطفالي الثلاثة يعدونني ميتة بالفعل».

والموقف الأصعب كان من حظ القس أنطوان لويس؛ عندما وصف وقت أن اتصلت به أمه وهي تقول إنها قتلت والده، وكيف هرع للبيت؛ ليجدها جاثية على ركبتيها مشلولة تمامًا وسط بركة من الدم وبجانبها جثة والده، وتبين بعد ذلك أن الوالد أطلق الرصاص على نفسه أثناء نقاش حاد دار بينه وبين الأم.

في كتابه «الانهمام بالذات: جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة»، يسرد ميشيل فوكو موقف الأبيقوريين والرواقيين، وهما مذهبان فلسفيان في عصر ما قبل الميلاد من الموت، ويشرح أقوى التمارين في ذلك الوقت، والتي تجعل الموت أمرًا راهنًا في الحياة، حيث يكون المرء مشرفًا على مراسم موته ومحاكمًا لنفسه على أفعالها، وربما يوفر هذا فرصة لإلقاء نظرة ارتدادية على الحياة، وهو الهدف الذي يتشارك فيه أجدادنا مع مستحدثي هذه الفكرة في يومنا الحاضر.

4 نساء يجعلن من الموت حدثًا أفضل

تأسّست مجموعة «ميتٌ على قيد الحياة»، وتم تطويرها على يد أربع نساء، كنّ على استعداد للتعامل مع المسنين، وأنسنة تجربة الموت، بعد عقود من الخبرة في التعامل مع الفقيد وأسرته، وقد قدمن تدريبات وورش عمل للممرضات والأسر في جميع أنحاء أمريكا الشمالية. وللتأكد من صلاحيتهن لتلك المهمة، إليك بعض المعلومات الهامة عنهن:

1- كوني جورسفيك: استشارية في أمراض النساء والتوليد، وعملت 25 عامًا في قسم الحالات الحرجة وعالية الخطورة للأم والطفل وجراحات القلب. وساعدت كوني أكثر من 100 مريض في استعدادهم للموت، ومساعدتهم على تحقيق هدف أخير، وهو نهاية سعيدة لحياتهم.

Embed from Getty Images

2- أولغا نيكولاجيف: وهي طبيبة تخدير، وتحاضر في تهيئة البشر للموت، وتحمل الفقدان والمصائب، وما يميز أولغا هو اعترافها بأننا جميعًا نمتلك حكمة وثباتًا داخليًا عندما نتعرض لفاجعة الموت والخسارة، وهو ما تحاول إيقاظه في المتدربين.

3- مينيا دوبيتز: هي ممرضة مسجلة، عملت مع الحالات الحرجة من مرضى الأورام السرطانية لأكثر من 30 عامًا، وتوازن الآن العمل بين التمريض والعلاج بالتنويم المغناطيسي.

4- آيفون هيث: هي أم لثلاثة أطفال، وممرضة منذ عام 1988، وعملت في مستشفيات مختلفة في تكساس، وأونتاريو، ونيويورك.

وتكرس حياتها الآن لمساعدة الآخرين في العيش بحال جيدة والموت بحال جيدة، وخلق دوائر اجتماعية رحيمة لمرضاها.

تعرَّف على التدريب قبل رفض فكرته

لا يضع المدربون وصفًا للجمهور الذي يستهدفونه، ولكنه مناسب للبالغين من عمر 18- 100 عام. والغرض من تقديم هذه التدريبات هو مساعدة الآخر في تغيير علاقته الحالية مع الموت، والقائمة على الخوف والحرمان، إلى علاقة أساسها التقبُّل وحسن التصرُّف؛ كي يمكننا الموت بشكلٍ أفضل، ومساعدة أحبائنا على الاستمرار في الحياة بدون ندوب في القلب.

Embed from Getty Images

ويقوم التدريب على تلقِّي التبرعات من المهتمين بموضوع التدريب؛ من الأطباء، والممرضين، وأسر عصف بهم الحزن، أو مجرد مقتنعين بأهداف التدريب، وتستخدم هذه التبرعات لتدريب المزيد على تقبل الموت، ويشمل التبرع تطوع الأفراد لمساعدة غيرهم من المتدربين.

لا يعد التدريب طبيًا أو مهنيًا، لكنه يركز على النظريات الفلسفية حول الموت والحزن، وطرح الأسئلة على المتدربين وتشجيعهم على التعامل مع المواقف الصعبة، مع إمدادهم بمعلوماتٍ وأساليب ناجحة لتطبيقها في الأوقات الصعبة، والتعرُّف على الأسلوب المناسب للحديث عن الموت مع الآخرين، ودور وتأثير التعبيرات المستخدمة، وإعطاء رؤية حول كيفية تغير مراسم الجنازة والدفن على مر التاريخ. ويمكن للمتدرب الاشتراك في نقاشات أوسع حول الموت، والتعليق على مشاركات الآخرين، ويمكنه أيضًا الاستماع دون الانضمام للمناقشات.

9 مراحل للتدريب على جعل الموت حدثًا أفضل

1- مساعدة ذواتنا أولًا

النظر لحزننا الشخصي، وألمنا الذاتي عند فقدان شخص عزيز علينا أخذه الموت، والتعامل مع مشاعرنا بشكل طبيعي، ونتيجة مفهومة، وكيفية التعامل مع حزننا، والخطوات الأولى التي يجب علينا اتباعها كي لا يدمر الحدث ذواتنا.

2- ثقافتنا والموت.. وثقافة الآخر

التعرف إلى نظرة الحضارات للموت، وحضارتنا بشكل خاص، وكيف تعامل الأجداد مع الحزن على موتاهم، وكيف يختلفون عن باقي الحضارات، والتي ربما تكون أفضل، وطقوسها صحية أكثر، كثقافات لا تتعامل مع الموت على أنه عدو يجب محاربته، واختلاف مراسم الدفن أو الحرق أو أية طريقة للتخلص من جثة المتوفى. كما ستشرح بروفيسور «ديبورا باركر» مديرة أبحاث قسم التمريض التطبيقي في جامعة ويسترن سيدني تدريبًا على كيفية التعبير عن الموت في الفن والموسيقى والإعلام.

3- مواجهة المرض يوميًا

التعامل اليومي مع الموت أمر شاق، قد لا تكون قد تعاملت من قبل مع شخص مصاب بمرض مميت – وهي تجربة صعبة على مستويات متعددة – ووقتئذ نشعر بأننا في حاجة إلى من يساعدنا على القيام بمهامنا اليومية، بما فيها احتمالية استقبال خبر الموت في أية لحظة، وهذا الجزء عن تنظيم مواعيد الأدوية، وكيفية نقل الشخص المعتل من مكان لآخر، وطريقة حساب الأموال، والإجراءات القانونية بعد ذلك.

4- كيف نموت؟

يموت كل عام 85% من مرضى المستشفيات بلا نهاية سعيدة كختام لحياتهم أو تعزية لأسرهم، أما 15% فقط منهم فيلقون رعاية جيدة، وتخفيفًا من رهبة الموت، ويتم مساعدة أسرهم على التعامل مع الأمر بشكل أفضل. وسيشرح استشاري الطب المسكن في مركز «كالفاري للعناية الصحية» دكتور «كريستين ساندرسون» كيف يمكننا تجنب الموت، والتحكم بالنفس في الأوقات الصعبة، وشرح طريقة غير عادية لحفظ الأجساد عبر التجميد في النيتروجين السائل؛ على أمل حدوث معجزة العودة مرة أخرى للحياة، لأولئك الذين يأسنا من شفائهم.

5- خوض تلك المناقشات الحرجة

بعد اجتياز المراحل السابقة، والتعرف على كيفية التعامل مع فقدان عزيز، واختلاف التعامل مع الموت بين الثقافات، سيكون لديك القدرة على خوض نقاشات مع الأسرة والأصدقاء أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وقد تكون المحادثات أصعب في لحظة الوفاة أو خلال الاحتضار، لذا اضمن لنفسك الوقت الكافي للعب هذا الدور.

6- التعايش مع مرضٍ مميت

إذا كنت مصابًا بمرض يهدِّد حياتك، فهناك أمور يجب عليك مراعاتها، سواء كانت لنفسك أو لمن حولك، ربما ترغب في التفكير مليًا في طبيعة حياتك، ما المهم الآن؟ هل سأستمر في عملي فترة مرضي؟ وكيف يمكن للأمور أن تتغير؟ أو الاستعداد لها إن لم تتغير؟ لذا يقدم التدريب معلومات يمكن أن تساعد الشخص المحتضر لاتخاذ قرارات أكثر صوابًا. فالعيش مع مرض لا شفاء منه يتعلق بالتربص والاستعداد للتغيير، ففي سن صغير يمكن أن تشمل الاعتبارات الذهاب في رحلة بعيدة، وضبط الأمور المالية، وستساعدك هذه المواجهة على تحديد أولوياتك.

7- الموت بهدوء ووداع كاف

عند وقوع القدر وحدوث الوفاة، كيف سيمكننا التعامل بحكمة وإبقاء عقلنا يقظًا لتطبيق ما تعلمناه مقابل حزننا وعواطفنا التي عصف بها الحدث؟ بما أن لديك مهمة عليك القيام بها تجاه الأقرباء، فلا يمكنك الاستسلام لمشاعرك في هذه اللحظات الصعبة، لذا ستتعلم كيف تكون مهنيًا كطبيب أو ممرض أو أحد أفراد الأسرة، وأن تكون إنسانًا في نفس الوقت.

Embed from Getty Images

8- الموت المفاجئ

التعامل مع حوادث الموت غير المخطط لها، وهي من أصعب الحالات التي يمكن التعامل فيها مع الأهل، مثل القتل والانتحار وحوادث الطرق والإجهاض، ويتطلب التعامل معها قدرات فريدة لدعم الأسرة، وكيف تساعد نفسك لتخطي هذا الوقت الأليم.

9- معتقداتنا الخاصة وتجاربنا

لابد من الحديث عن المعتقدات الخاصة والتجارب السابقة مع الموت لشخص قريب وتعاملك مع الحزن والفقد والخسارة، أو أفكارك عن ما بعد الموت، وهذا لاستكمال حزن في الماضي لم ننته منه في داخلنا، وتنقية أرواحنا من خبرات مؤلمة مع الموت.

كافيتيريا الموت.. تعال لنحتسي الشاي ونتحدث عن الموت!

في عالم لا تتَّفق ثقافته والحديث عن الموت، تقدم «مقاهي الموت» فرصة للقيام بذلك في مكان آمن وداعم ومفتوح، انضم إليهم، وتناول بعض الشاي، وقطعة من الكعك، وابدأ في التحدث لأصدقاء جدد، أو أصدقائك القدامى، أو جيرانك. لا تحقق هذه الفكرة ربحًا كما يريد أصحابها، لكنهم فقط يرغبون في حيّزٍ يضمن لك احترام مشاعرك وسريتها، دون وجود نية لإيصال الزبائن إلى استنتاج أو فعل أو الإعلان عن منتج من خلال الحديث، ولن يسير النقاش وفقًا لجدول أو ترتيب أو الدخول في مجادلات؛ إذ سيتحدث كل شخص عما يريد التحدث عنه.

انتشرت فكرة «مقهى الموت» بسرعة شديدة في أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا؛ حتى وصل عددها اليوم إلى 5756 مقهى عبر 52 دولة، منذ بداية الفكرة في سبتمبر 2011. واستند المشروع إلى أفكار برنارد كريتاز، وطورها جون أندروود وسو بارسكي، ولا يتبع المشروع أي موظفين، ويتم العمل فيه على أساس طوعي.

الهدف من «مقاهي الموت» هو مساعدتنا جميعًا للاستفادة القصوى من حياتنا المحدودة، قبل أن نواجه أكبر صدمات الحياة وحشية، والتي واجهتها القائمة على تطوير فكرة المقهى حاليًا، «دونا مولي»، بعد وفاة زوجها «جون وندروود»، وسجلتها في رسالة من أجله، ومن أجل كل المكلومين:

قد يكون من الصعب على أسرة فقدت عائلها أن تشعر ثانية بالراحة، ولكنهم قد يشعرون بالبعض منها من خلال عملهم في مساعدة الآخرين للتعامل مع فكرة الموت والعيش بعد الصدمة. العيش كل يوم بوعي شديد بحقيقة أن أيًا منا لا يعرف كم من الوقت يتبقى لنا، والتركيز على حاضرنا، واليوم الذي نعيشه بالفعل، والاستفادة القصوى من كل دقيقة.

توفي جون وندروود فجأة في 27 يونيو (حزيران) 2017 بعد يومين من اكتشاف مرضه بسرطان الدم، وكان جون أنشط الداعمين لفكرة «مقهى الموت»، ولذا خططت أمه وأخته مواصلة عمله لتنفيذ «مقهى الموت» كما طلب جون.

خمسة مواقع إليكترونية  ستساعدك في التأقلم على فكرة الموت

1- مأدبة الموت

لقد حان وقت البدء في أهم حديث يمكن أن يجري على مائدة العشاء، الموت، وسيساعدك الموقع في اختيار الضيوف، والتجهيز للمأدبة، واختيار ما تشاهدونه أو تسمعونه أو تقرأونه، ودعمك أنت وضيوفك للحديث عن أمنياتكم لآخر أيام حياتكم.

يمكن لك البدء من هنا.

2-الموت بشكل مختلف

قبل البدء ستجيب على أسئلة مثل: هل خططت لموتك قبل ذلك؟ ألا تزعجك أمور مثل السماع عن وفاة، أو احتضار، أحدهم؟ هل ترغب في تغيير نظرة المجتمع للموت في ثقافتنا؟ يساعد هذا التدريب على تعلم وتبادل مهارات التعامل مع الموت، وموت من نحبهم، عبر وسائط متعددة، مثل الأنشطة اليومية، وقراءة كتب إليكترونية، والتدوين لنقل التجارب، وفي النهاية التطوع لنقل ما تعلمته من أفكار لأفراد مجتمعك.

يمكنك البدء من هنا.

Embed from Getty Images

3- الشبكة المعرفية للعناية التلطيفية

ويهتم هذا التدريب بتغيير نظرتنا للموت في القرن الـ 21، وكيف يمكننا هذا، واللغة التي نستخدمها ونحن نتحدث عن الموت، والتعرف على أسباب وكيفية الوفاة للأشخاص في عصرنا الحاضر، وكيف يتناول الفن موضوعًا مثل الموت، وماذا يحدث لحساباتنا الإلكترونية بعد الموت.

يمكنك البدء من هنا.

4- التعايش مع الموت

يستهدف هذا التدريب الشباب، من الأطباء والممرضين والفاعلين في مجتمعهم للنظر إلى الموت بشكل مختلف من خلالهم، وتخفيف ألم الوحدة والفقد لأسر فقدت عوائلها.

يمكنك البدء من هنا.

5- أنسنة الموت

يستهدف التدريب كل من يخجل من الحديث عن الموت مع أقربائه، وقد بدأ بخبراء في الموت والعناية التلطيفية لتدريب الممرضين في أمريكا، لكنه اليوم يستهدف كل شخص حزين لا يجد من يشاركه الحديث عن مدى تألمه.

يمكنك البدء من هنا.