«عزازيل» ليوسف زيدان، و«أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، و«موسم الهجرة إلى الشمال» و«عرس الزين» لطيب صالح، و«الأرواح المتمردة» لجبران خليل جبران، و«باب الشمس» لإلياس خوري، و«النمور في اليوم العاشر» للسوري زكريا تامر.

كل ذلك وأكثر: كمؤلفات السياسي الفلسطيني «عزمي بشارة»، وعدد كبير من مؤلفات عالم الدين الإسلامي «يوسف قرضاوي»، وليس انتهاءً بقصص الأطفال، رُصّت مترجمة باللغة العبرية على رفوف المكتبات الإسرائيلية. أيضًا ثمة طلب زائد من القارئ الإسرائيلي على أشعار «محمود درويش»، و«طه محمد علي».هذا القارئ الذي قد يكون يهوديًا شرقيًا، أو دارسًا لدراسات الشرق الأوسط، أو قارئًا لأدب متنوع.

الثراء السابق ناجم عن أن ترجمة الكتب العربية إلى العبرية تحدث على قدم وساق؛ فالإسرائيليون لا يعنيهم موافقة المؤلفين على ترجمة أعمالهم من عدمه؛ فأمام تهديد الروائي المصري «علاء الأسواني»، لدور النشر الإسرائيلية إذا ترجموا روايته «عمارة يعقوبيان»، عمدت دور النشر بالفعل إلى ترجمتها إلى العبرية قبل أيام؛ لأن «الكتاب يعرض للفساد السلطوي، ويتضمن كل ما ينذر بالتطورات التي انتهت إلى الإطاحة بالرئيس «حسني مبارك»، كما قالت سمادار بيري، محررة الشئون العربية في صحيفة «يديعوت»، وهو أمر يريد القارئ الإسرائيلي أن يحصل على مزيدٍ من التفاصيل بخصوصه.

يترجمون كل شيء

«الإسرائيليون عملوا فعلًا بمقولة «من تعلم لغة قوم أمن مكرهم»، بهذه العبارة يبدأ المترجم الفلسطيني عن اللغة العبرية «أحمد الفليت»، حديثه لـ«ساسة بوست»، قبل أن يُواصل «إنهم يتابعون كل ما ينشر عربيًا بمعنى الكلمة، يترجمون، حتى قصص أطفال، وكتب الأدب، فهم معنيون بمعرفة آلية تفكير الأدباء العرب، والوقوف على شعبية الكتاب، ومعرفة كل ما يدور في المجتمع العربي، ويترجمون الدراسات السياسية والعسكرية منذ النكبة الفلسطينية». يُضيف أخيرًا «بدون استثناء، يترجمون، حتى الإعلام الهابط، والمسلسلات، والأفلام العربية، بشكل يمكن للمتابع الاستغراب منه».

الترجمة من العربية

غلاف رواية عزازيل ليوسف زيدان مترجم بالعبرية

يُوضح الفليت، الذي يدير مركزًا لتعليم اللغة العبرية، أن أغلب الإصدارات العربية، موجودة بنسخها الأصلية، وترجماتها العبرية والإنجليزية والفرنسية والروسية، في الجامعات الإسرائيلية. «بل أبعد من ذلك»، يقول الفليت، مُوضحًا أن الاهتمام بالإنتاج المكتوب تخطى العرب إلى دولٍ إسلامية غير عربية، على رأسها تأتي إيران.

وفي قراءة للأسباب التي تجعل إسرائيل مهتمة بالترجمة من العربية، يرى أحمد الفليت، أنّ سببًا أوليًا يتمثّل في «البعد الاستراتيجي لضرورة فهم المجتمع العربي، والمحيط الموجود فيه العرب»، مُضيفًا «الإسرائيليون حريصون على معرفة كيف يفكر المجتمع العربي دون استثناء، بكافة أيدلوجيته وتوجهاته، سواءً مجتمعيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا، أو حتى دينيًا؛ وذلك بهدف فهم كل ما من شأنه الحفاظ على استمراريتهم ووجودهم ككيان مفروض».

اهتمام خاص بالأدب العربي

بينما يُشتهر كتابٌ أدبيٌّ أو رواية في الوسط العربي، بحيث يتحدث الجميع عنه، هناك أيضًا من غير العرب من هم معنيون بقراءة هذا الكتاب أو الرواية، بعد أن يُترجم، إنهم تحديدًا الإسرائيليون، المعنيون بالاطلاع على أفكار الأدباء العرب، والوقوف على شعبيتهم، ومعرفة كل ما يدور في المجتمع العربي عبر الكلمات.

يأتي ذلك بجهد مؤسساتي، كأن تقوم جامعة تل أبيب ضمن مشروعها لترجمة الأدب العربي الكلاسيكي، ببيع الترجمات في المكاتب، أو أن تتناول وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه الأعمال بالنقد. تقول المترجمة والخبيرة في الترجمة من العربية إلى العبرية،«عاميت كوخافي» إنّه «بعد سنة 1973 زاد الاهتمام بالأدب المصري، فيما تميزت سنة 1990، التي تلت التوقيع على اتفاقات أوسلو، باهتمام أكبر بترجمة الأدب الفلسطيني. أما اليوم، فهناك تنوع أكبر في ترجمة الأدب العربي من بلدان مختلفة«.
إن ترجمة الأدب العربي بهدف إحياء العلاقة بينه وبين القارئ الإسرائيلي، حظيت باهتمام المجتمع الإسرائيلي؛ إذ قامت دور النشر الإسرائيلية بترجمة كل أعمال «نجيب محفوظ» للعربية، كما ترجمت روايات إحسان عبد القدوس، وكان للأدباء ذوي الشعبية فرصة مستمرة لترجمة أعمالهم إلى العبرية.

أخيرًا: الأهدف أمنية

«وسيلة للتعرف على العالم العربي وتحطيم الخرافات»، هذا ما يعتبره رئيس قسم الأدب واللغة العربية في كلية «بيت بيرل»، البروفسور «عامي إلعاد بوسقيلة»، سببًا رئيسًا لإقدام الإسرائيليين على الترجمة من العربية. بوسقيلة يقول إن «إجادة العربية جزء لا مفر منه من معرفة المنطقة. أحيانًا أتبادل الحديث مع مثقفين ومفكرين يؤيدون التعايش بين اليهود والعرب، لأكتشف أنهم بكل بساطة لا يعرفون شيئًا عن الثقافة العربية، مع أنهم يحرصون دائمًا على الاعتذار عن الأمر. إن هذا الحاجز له طبيعة ثقافية أيضًا».

البغدادي

ما قال بوسقيلة يمثل الهدف الأول الذي كان يدفع إسرائيل، إلى العناية بالترجمة من العربية إلى العبرية، بالإضافة إلى الربح المادي، فضلًا عمّا أسماه إنطوان شحلت، مدير وحدة المشهد الإسرائيلي ووحدة الترجمة في «مدار»، بـ«البعد الاستشراقي».

إنه من باب معرفة الآخر، كما وصفه أنطوان في تعليقه لـ«ساسة بوست»، مُدللًا على ذلك بإنشاء دار النّشر «أندلس»، بجهود الناشطة الإسرائيلية اليسارية، «ياعيل ليرر». دار النشر هذه، وقبل إغلاقها لأزمة مالية، كما صرحت صاحبتها، كانت معنية بترجمة عناوين عربية إلى العبرية، كترجمة أعمال شعرية مختلفة لمحمود درويش، وكذا روايات فلسطينية مُختلفة، وغير ذلك.

بمرور الوقت، تغير هذا الهدف الإسرائيلي، ليصبح كما وصفته «ليرر»، بقولها إن «الشعب الإسرائيلي لا يريد التعرف على الآخر»، لتصبح الآن أغلب الترجمات هدفها خدمة غايات أمنية واستخباراتية. يقول شحلت «قلت الترجمات، التي تتم لأهداف أدبية، وأصبحت محصورة على بعض المعاهد المختصة بالأدب العربي في الجامعات والكليات الأكاديمية الإسرائيلية، والآن أغلب الترجمات التي تقوم بها دور النشر الإسرائيلية تخضع لغايات أمنية، وبعضها لغايات تجارية، مثل رواية «عمارة يعقوبيان»، التي حازت على جوائز عديدة، وفيها موضوعات تهم القارئ الإسرائيلي، ولذلك فإن دار النشر هي التي تولت ترجمتها؛ لأنها تتطلع لأن تصبح من الكتب الأكثر انتشارًا».

نعود مع «أنطوان شلحت»، وهو أيضًا ناقد أدبي ومترجم عن العبرية، إلى الترجمات التي لها أهداف أمنية، ليؤكد الرجل، أنها «خاصة بمراكز الأبحاث الإسرائيلية الرسمية، التي تترجم حسب تخصصاتها، فهناك معاهد خاصة لدارسات الشرق الأوسط وأفريقيا، وهناك معاهد خاصة بدراسات إيران». ويضيف شلحت «للأسف نحن العرب نترجم دون منهجية وإستراتيجية، الإسرائيليون يعملون حسب إستراتيجية ومنهجية».

يتفق المدون والمترجم «محمد علام»، مع شلحت في أنّ الإسرائيليين لا يخطون خطوة نحو الترجمة «بشكل عرضي؛ فهناك هدف ما لتحقيقه جراء هذه الترجمة، كأن يكون ما يترجم شهادة إيجابية في حق إسرائيل، أو أن يقوموا بنقل بعض الردود، أو النصوص التي يحتاجونها ليقولوا للمجتمع الإسرائيلي، إن معاداة السامية ظاهرة منتشرة في الوطن العربي».

ترجمات غير متاحة للجمهور

القراءة في الأدب الإسلامي، أو التاريخ العربي، أو في الكتب الدينية، تلقى اهتمامًا عند الإسرائيليين كما أسلفنا، لكن هناك اهتمامات خاصة، نجمت عن تشعب التخصصات التي توليها الحكومة الإسرائيلية اهتمامًا في مجال الترجمة من العربية، فبينما يهتم المستشرق اليهودي بترجمة كتب التاريخ العربية، يهتم المحقق الإسرائيلي بترجمة ما يصدر حديثًا من كتب تهم القارئ العربي، وليس الإسرائيلي.

لذا، فإن مستشرقين يهودًا كبارًا، قاموا بترجمة آلاف المخطوطات. في الجامعة العبرية، هناك نحو 13 ألف مخطوطة، قُسّمت على أبواب، وتم العمل على ترجمتها. وبحسب المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي، «علاء الريماوي»، فإن هذه الجامعة الأكثر اهتمامًا بما ينتج عن المصادر العربية المختلفة، إلا أن ما يُترجم لديها، لا يُتاح للجمهور.

ويوضح الريماوي لـ«ساسة بوست»،أن هناك جهات بحثية محسوبة على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، تتابع ما يُكتب من أجل قراءة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الوطن العربي، وهناك مراكز أبحاث مخصصة لمنظومة الأمن الإسرائيلي. يستشهد الريماوي، بما قاله رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، السابق، «يعقوب بيري»، وغيره من القيادات الإسرائيلية، مُؤكدين على هذا النوع من الاهتمامات. بيري أقر بالجهد المبذول في متابعة الأوضاع العربية، عبر الترجمة.

ومن جُملة أسباب اهتمام الإسرائيليين بالترجمة من العربية، ما لفت إليه الريماوي، وهو ما يتعلق بالدبلوماسية الخاصة بإسرائيل. بات ذلك واضحًا بوجود ناطقين باسم الحكومة الإسرائيلية، بالعربية. كما أن هناك قناة إسرائيلية بالعربية، ومواقع إليكترونية بالعربية أيضًا.

التحايل لتجاوز التطبيع

رغم رفض الغالبية العظمى من الكتاب والمؤلفين العرب، ترجمة أعمالهم إلى العبرية، إلا أن الإسرائيليين لن تعنيهم الموافقة الأدبية أو القانونية للترجمة؛ إذ أخذوا يترجمون من العربية إلى العبرية، دون أي اعتبارات.

الترجمة إلى العربية

غلاف «عمارة يعقوبيان» الترجمة العبرية

ما حدث مع ترجمة رواية عمارة يعقوبيان، مغاير لحد ما؛ فبعد رفض المؤلف المصري علاء الأسواني، رفضًا قاطعًا، أن تترجم رواياته إلى العبرية، وتهديده برفع دعاوى قضائية دولية ضد دور نشر إسرائيلية، تحايلت دار نشر إسرائيلية على أمر قانونية الترجمة، وقامت تفاديًا لتجاوز العلاقة بين الكاتب العربي، ودار النشر، بالاستعانة بدار النشر الأمريكية «توبي بريس Toby Press»، وأقرت مترجمة الرواية أنها «حصلت على موافقة المؤلف؛ باعتبارها دار نشر أمريكية وليست إسرائيلية، فيما تقوم دار النّشر الإسرائيلية «زمورا دفير» بتسويقها في المكتبات الإسرائيلية».

تقول مترجمة الرواية باللغة العبرية، «تامي تشابنيك» إن «الأسواني يرفض أن تصدر ترجمات كتبه عن دور نشر إسرائيليّة، لذا أُصدرت الترجمة العبرية، عبر دار نشر أمريكية، بعد أن حصلت على حقوق الترجمة والنشر بالعبرية من المؤلف». وتعرف دار نشر «توبي بريس»، أنها متخصصة في إصدار الكتب الدينية اليهودية، وتتبع لدار النشر «كورين يروشلايم»، المتخصّصة في الإصدارات الدينية اليهودية، والمقامة في القدس المحتلة منذ 50 عامًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد