بعد فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتّحدة، أعرب الكثيرون عن خوفهم من المسار الذي ستتخذه الولايات المتّحدة في سياساتها الخارجية، خاصة بعد تصريحاته المثيرة للجدل ضد المسلمين، والمكسيكيين، وعددٍ من الدول منها كوريا الجنوبية، وتقاربه مع عددٍ من حكّام الديكتاتوريات وأشباه الديمقراطيات، أبرزهم الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين».

لكن «ستيفن م. والت»، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، يلفت النظر إلى أن تأثير ترامب على الساحة الداخلية الأمريكية ربّما يحدث دمارًا أكثر بكثيرٍ من الساحة الخارجية. صحيحٌ أن ترامب يفتقر إلى الخبرة، وربّما تكون كفاءته على الصعيد الخارجي شبه معدومة وحتى وإن اتّبع إستراتيجية أكثر حساسية، لكنه ربما لا يكون أسوأ من المحافظين الجدد في عهد جورج بوش الابن، ممّن تمتّعوا بالكثير من الخبرة وأساؤوا استخدامها بالرغم من ذلك.

أمّا في الداخل، فإنّ النظام الديمقراطي الأمريكي صار مهددًا. يُشير تاريخ ترامب في مجال الأعمال إلى كونه محبًا للانتقام، مُخلِفًا للوعود، وكذّابًا. لم يتورّع ترامب عن اتّهام الأنظمة السياسية والانتخابية بكونها مزوّرة، وأنّه لن يقبل النتيجة في حال خسارته أمام «هيلاري كلينتون». من المُقلق إزاء هذه المعطيات توقّع رد فعل ترامب في حال فشله في الوفاء بوعوده للشعب، أو انخفاض نسب المؤيدين له في استطلاعات الرأي، أو انهيار البورصة.

ومع أن المحاسبة السياسية متأصلة في الدستور الأمريكي، فإن هذا لا يعني أن ترامب لن يحاول الهرب منها وتفاديها بعدّة وسائل. صديق ترامب، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استطاع البقاء في السلطة عن طريق سحق معارضيه وتخويفهم وتهميشهم، بالإضافة إلى تغذية الشعب بالبروباجاندا المؤيدة للكرملين باستمرار. ورجب طيب أردوغان، الرئيس التركي لجأ إلى ممارساتٍ مشابهة من حيث التنكيل بالمعارضين وتضييق الخناق على الصحافة. وهناك بعض الممارسات المماثلة في أوروبا، ربّما أبرزها سياسات رجل الأعمال سيلفيو برلسكوني، والذي استطاع البقاء في منصب رئيس الوزراء فترة طويلة على الرغم من تاريخه المشين.

والكثير من أعضاء معسكر ترامب، وفقًا لـ«والت»، يؤمنون بأن الولايات المتّحدة تتعرض لحصار من تحالفٍ شرير يضمّ النخب الليبرالية والملونين والمهاجرين والقوى الخارجية. ويفهمون أن خسارة الحزب الجمهوري لغالبية الأصوات الشعبية في ستة انتخابات من سبعة تعني أن أرضية المؤيدين لهم تتناقص سريعًا؛ ما قد يغريهم باستخدام كل الوسائل للتشبّث بالسلطة «إنقاذًا» للولايات المتّحدة من براثن أعدائها.

لذا فإن المراقبة المستمرّة للرئيس وبطانته أمرٌ بالغ الأهمية للتصدي لأي محاولاتٍ تسعى إلى ترسيخ السلطوية. هذه 10 علاماتٍ يقدّمها «ستيفن» تُنذر بأن الرئيس يسلك مسلكًا دكتاتوريًا، وأن الديمقراطية في خطر داهم.

1. ترهيب الإعلام المُعارض

بقاء الدكتاتور يعتمد على التحكّم في المعلومات؛ حقيقة تمحورت حولها رواية 1984 لجورج أورويل. عندما يفتقر المجتمع إلى صحافة يقظة حرة واعية، فإن الشعب لن يُتاح له المعلومات اللازمة لتقييم أداء السياسيين. سيكون أمرًا مقلقًا بشدة إن بدأت إدارة ترامب في تبنّي سياسات تنتقص من حرية الصحافة، مثل أن يفتح الباب أمام مقاضاة الصحف، ليدخل الناشرون والمحررون في نفق القضاء المظلم والذي يكلفهم الكثير من المال وحتى وإن ربحوا في النهاية؛ أمرٌ قد يؤثر بشدّة على تغطيتها الصحفية.

ربّما يستخدم ترامب كذلك القوة التنظيمية للجنة الاتصالات الفيدرالية من أجل مضايقة المنظّمات الإعلامية التي تنتقده بشكلٍ مبالغٍ فيه. وربّما يسير على نهج أوباما في ملاحقة التسريبات الحكومية ومقاضاة الصحفيين الذين يستخدمون مصادر سرية. ينبّه «ستيفن» إلى أن التعديل الأول يضمن حرية التعبير لكنه لا يعني أن وسائل الإعلام بمأمن من الضغوطات السياسية.

2. بناء الإعلام المؤيد

الوجه الآخر من العملة: بناء آلة إعلامية باستخدام السلطة التنفيذية، تدعم القائد الملهم في كل الظروف. وإن كان فلاديمير بوتين يحظى بشبكة روسيا اليوم، كما يقول إيان بريمر من مجموعة إيوراسيا، فماذا لا يُفكّر ترامب في شيءٍ مماثل؟ تركيبة إعلامية من «بريتبارت نيوز»، و«فوكس نيوز»، وحساب الرئيس على موقع تويتر ستكون مثالية بالنسبة له.

3. تسييس الوكالات العسكرية والمدنية

من المهمّ للغاية أن يكون الأعضاء الدائمون في الأجهزة الحكومية بمنأى عن الضغط السياسي ليتمكّنوا من أداء وظائفهم. إن كان الموظّف الحكومي مهددًا دائمًا بالفصل التعسّفي من منصبه، فإن هذا سيخلق خوفًا يدفع به إلى خفض رأسه والانصياع لأوامر القيادة. لكن ترامب ربّما يطلب من الكونجرس إزالة بعض الحواجز البيروقراطية أمام إقالة الموظفين الحكوميين، ليحقّق ضربته ضد الأجهزة الحكومية التي طالما اتهمها بالفشل، ويحسّن من كفاءة الحكومة. وبالنظر إلى أن ترامب بدأ اختياراته بالفعل على أساس الولاء وليس الكفاءة، فإن هذا الاحتمال يصير مخيفًا أكثر وأكثر.

وإن افترضت أن الجيش، ووكالات الاستخبارات، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، والحرس الوطني؛ بمأمن عن هذه التدخّلات، يذكّر «ستيفن» بعدة سوابق تشير إلى أن هذا ممكن، منها إقالة رئيس أركان الحرب إيريك شينسكي على يد دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي في عهد جورج بوش، على خلفية تصريحه للجنة بالكونجرس بأن احتلال العراق سيحتاج عددًا من الجنود أكبر بكثير من العدد الذي يزعمه رامسفيلد. بعدها فهِم الآخرون الرسالة، وابتعدوا عن طريق رامسفيلد.

4. وضع الخصوم السياسيين الداخليين تحت المراقبة

فعلها الرئيس السابق ريتشارد نيكسون من قبل، عندما استخدم وكالة الاستخبارات الأمريكية في اختراق المنظمات المناهضة لحرب فييتنام. لكن ما كشفه لنا «إدوارد سنودن» قبل أعوام يُشير إلى أن القدرات الحكومية على مراقبة كل وسائل الاتصال والأنشطة على شبكة الإنترنت تطوّرت كثيرًا عن زمن نيكسون.

لكن وقوع هذه الوسائل الرقابية الواسعة في يد رئيس مثل ترامب ربما يعني استخدامه لها لخدمة مصالحه، والتنكيل بمعارضيه. ربّما يواجه مقاومة داخلية كبيرة، وسيضطر بالتأكيد إلى إقناع كبار المسؤولين والكثير من الموظفين بمراقبة المعارضين والتنقيب في حيوات الخصوم بحثًا عن وسائل للضغط عليهم. لكن «ستيفن» يذكّر بأن هذا لن يكون صعبًا إذا ما قارنّاه بقدرة البيت الأبيض في عهد جورج بوش ونائبه ديك تشيني على إقناع موظفين حكوميين بتعذيب وانتهاك حقوق بشر آخرين.

5. مكافأة رجال الأعمال المطيعين والتضييق على المعارضين

هذا النوع من الفساد ليس جديدًا في «أرض الأحرار»، وفقًا لستيفن. لكن ما يميّز ترامب هو أنّه يؤمن بأنّها الطريقة الصحيحة؛ أن تكافيء أصدقاءك وتضرّ أعداءك متى سنحت لك الفرصة. على سبيل المثال، رجل الأعمال «جيف بيزوس» هو مالك شركة «أمازون»، وهو أيضًا مالك صحيفة واشنطن بوست. إن عارضت واشنطن بوست حكم ترامب وحكومته أكثر من اللازم، يُمكن دائمًا تضييق الخناق على أعماله الرئيسية في أمازون باستخدام القرارات التنفيذية أو تمرير القوانين.

هي سمة مميّزة لكل أشباه الديمقراطيات الفاسدة. هكذا يتحكّم بوتين بالنخبة الحاكمة في روسيا، وهكذا يفعل أردوغان جزئيًا من أجل أن يحكم قبضته على الحكم، وهكذا فعل برلسكوني في إيطاليا، وفقًا لتقريرٍ بموقع فوكس (Vox)، مساهمًا في تدمير الاقتصاد الإيطالي.

6. المحكمة العليا

اختيارات ترامب لقضاة المحكمة العليا ستكشف عن نواياه. الفرصة التي سيحظى بها ترامب ستمكّنه من اختيار قضاة يدينون له بالولاء الشخصي، ويحملون مواقف تتماشى مع مواقف حزبه، وربما يختار قضاة يؤمنون بإعطاء صلاحيات واسعة للجهاز التنفيذي، مما يجعلهم على استعداد لغض الطرف عن الكثير من ممارساته.

7. فرض القانون على جانب دون الآخر

لا يوجد مجتمع يطبّق القانون بحيادٍ سياسي مثالي، والنظام القضائي في الولايات المتّحدة يعاني من الكثير من أوجه القصور في هذه المنطقة. لكن ترامب جاء إلى الحكم في خضم انقسامات واسعة بين العديد من الأطياف السياسية والمجتمعية. يعبّر «ستيفن» عن قلقه من ترشيح «جيف سيشنز»، الجمهوري المعروف بمواقفه اليمينية، لمنصب المحامي العام، ما يهدّد بميل كفة القضاء. إن اعتدى متظاهرون معارضون لترامب على مجموعة من مؤيديه، هل يعاملهم الجهاز القضائي بطريقة أقسى مما لو كانت الأدوار معكوسة؟ هل تنشط الوكالات القضائية المحلية والفيدرالية في مراقبة الخطابات اليمينية المتطرفة والتهديدات بالعنف كما سيراقب اليسار؟

8. التزوير

زعم ترامب قبل الانتخابات بأن النظام كله «مزور». اتَّضح أن النظام مزوّر، ولكن لصالحه، إذ انتفع من مجهودات عدّة لقمع التصويت في مناطق كانت تحظى فيها هيلاري كلينتون بشعبية واسعة. الآن، لدى ترامب والجمهوريين فرصة لقلب المشهد الانتخابي لصالحهم، عن طريق محاولات لإعادة رسم الدوائر الانتخابية بما يضمن مزيدًا من المقاعد الآمنة، ومنع المصوتين الديمقراطيين من الاقتراع في انتخابات 2018 و2020. هذه الممارسات لتقويض القاعدة الانتخابية للخصم تحمل تعارضًا أساسيًا مع الديمقراطية الحقّة.

9. التخويف

يلجأ الشعب المرتعد إلى القائد الهمام عندما يشعر بتهديدٍ لأمانه ورخائه؛ تكتيكٌ أوتوقراطي كلاسيكي، وفقًا لـ«سيتفن». في حملته، لعب ترامب ببراعة على وتر التخويف، سواءٌ من «المغتصبين المكسيكيين»، أو من الحكومات الأجنبية التي «تسرق الوظائف»، أو من المهاجرين الذين يحملون الإرهاب إلى أرض الوطن. وعندما تتعارض الحريات الأساسية مع أمنها الخاص، فإنّ الشعوب تنحاز على الأرجح إلى الأمن، متجاهلة استحواذ الرئيس على السلطة.

أسوأ السيناريوهات، كما يقول «ستيفن»، هو أن يستخدم ترامب حدثًا تراجيديًا أو هجمة إرهابية في إعلان «حالة طوارئ»، مثلما فعل بوش وتشيني مع أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ومثلما استغلّ أردوغان محاولة الانقلاب في اعتقال وفصل الآلاف من معارضيه المحتملين.

10. شيطنة المعارضة

التشكيك في وطنية المعارضين، وضعهم في سلة واحدة مع أعداء الوطن، اتّهامهم بالتآمر في الظلام مع الديمقراطيين والمسلمين والدولة الإسلامية، مُطالبة الأمريكيين القادمين من أجزاء معينة (المسلمين) بالتسجيل في الحكومة الفيدرالية؛ تكتيكات لطالما استخدمها أردوغان في تركيا وبوتين في روسيا بهدف ترسيخ أقدامهما في السلطة.

يحدث الأمر هكذا: أنت تزرع الشكوك بين أطراف المجتمع، ثم يعتدي المتطرفون  من جماعة ما على العدو الداخلي (كما يرونه)، أملًا في استثارة رد فعل عنيف. ورد الفعل هذا لا يُسهم إلا في ترسيخ مخاوف الجماعة الأولى، وهكذا دواليك. يستمرّ المتطرفون في اتّخاذ مواقف يحاولون بها إظهار أنّهم المدافع الأشرس والأكفأ عن جماعتهم. حدث هذا في حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وفي العراق في 2003، ولكن بصورة أشرس بكثير قادت في النهاية إلى الحرب الأهلية.

لجأ ترامب إلى هذه الوسائل بالفعل في حملته الانتخابية، ولا سبب للاعتقاد بأنه لن يلجأ إليها مرة أخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد