نشرت مجلة «​هيستوري إكسترا» التابعة لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» تقريرًا عن حقبة وصفتها بأنها من أكثر حِقَب التاريخ روعة وسحرًا، اشتهرت بين الناس بــ«الماجنا كارتا» (أول وثيقة دستورية في التاريخ)، والموت الأسود (وباء الطاعون الذي اجتاح أنحاء أوروبا)، وحرب المائة عام.

لكن ما الذي تعرفه بالفعل عن العصور الوسطى؟

يستعرض جون إتش أرنولد، أستاذ تاريخ العصور الوسطى في كلية بيركبيك بجامعة لندن، في هذه القائمة 10 أشياء ربما لا يعرفها القارئ عن تلك الحقبة، مؤكدًا أنها قد تُصيبك بالدهشة.

1- لم يكن جميعهم ​​فرسانًا أو رقيقًا أو رجال دين

يستهل الكاتب تقريره بالقول: على الرغم من أن بعض كُتَّاب العصور الوسطى صنَّفوا مجتمعهم في ذلك الوقت إلى «ثلاث طبقات»: طبقة رجال الدين، وطبقة الفرسان المقاتلين، وطبقة العُمَّال والعبيد، فإن الصورة التي وصلت إلينا بعد مرور نحو 1100 عام لم تكن دقيقة تمامًا.

تاريخ

منذ 6 شهور
ابن زهر.. أبو الجراحة التجريبية الذي أنار باكتشافاته ظلام العصور الوسطى في أوروبا

يُلفت الكاتب إلى أن عدد سكان أوروبا شهد زيادة كبيرة خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، بالتزامن مع تضاعف عدد المدن والقرى وزيادة مساحتها. فعلى سبيل المثال تضاعفت مساحة مدينة باريس خلال تلك الحقبة حوالي 10 أضعاف، (وتضاعفت مدينة لندن بالقدر نفسه تقريبًا). وكان الناس في هذه المدن وقتئذ يمتهنون جميع المهن على اختلاف أنواعها: فكان من بينهم التاجر، والبائع، والنجَّار، والجزَّار، والخيَّاط، وبائع الطعام، بالإضافة إلى المهندسين المعماريين، والرسامين، والمشعوذين.

أما في الريف فلم يكن الأمر على الإطلاق كما هو متصور أن جميع سكانه كانوا «عبيدًا» فقراء. وإنما كان العديد من الفلاحين، سواء الرجال والنساء، أحرارًا ويملكون أراضيهم، بينما كان «غير الأحرار» الآخرون، مثلهم مثل غيرهم من الأحرار، يشترون الأراضي والسلع ويبيعونها. ومن المؤكد أنه كان هناك عبيد فقراء ومضطهدون، لكن هذا لم يكن الوضع السائد.

2- كان الناس يتمتعون بحق التصويت

يُشير الكاتب إلى أن بعض الناس على الأقل كانوا يتمتعون بحق التصويت في العصور الوسطى، ولم يكن تصويتًا من أجل تشكيل حكومة تمثيلية وطنية؛ لأن ذلك لم يكن موجودًا في العصور الوسطى، ولكنه كان تصويتًا على السياسات المحلية. إذ كانت تدار العديد من البلدات والقرى في فرنسا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر وما تلاهما على المستوى المحلي بوصفها مجالس بلدية، وكانت تُجرى غالبًا انتخابات سنوية لاختيار «ممثلي السلطة التنفيذية»، و«مستشارين»، يتسنى لمعظم السكان من الذكور التصويت فيها.

Embed from Getty Images

كان يُطبَّق نوع أكثر تعقيدًا من الانتخابات والحكم في ولايات المدن الواقعة شمالي إيطاليا، مع اختيار عدد أكبر من فئات المسؤولين المنتخبين. وجرت العادة وقتئذ أن النساء في العصور الوسطى لم يكن باستطاعتهن الترشح بصفتهن مسؤولات أو المشاركة في التصويت، إلا أن عددًا من مواثيق «الحريات» المتفق عليها، التي تفخر مدن فرنسا بوضعها، أبرزت دور بعضهن.

3- الكنيسة لم تطارد الساحرات في العصور الوسطى

يُؤكد الكاتب أن ما انتشر بين الناس عن مطاردة الساحرات على نطاق واسع في العصور الوسطى، والاستجابة الجماعية المدفوعة بالفزع من القالب النمطي للساحرة الشريرة، لم تكن من الظواهر التي سادت في العصور الوسطى، بل هي ظاهرة حديثة انتشرت خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر على الأغلب. وكان بعض الساحرات قد خضعن في العصور الوسطى للمحاكمات، التي انتشرت أكثر في القرن الخامس عشر في الأراضي الناطقة بالألمانية، إلا أن المنوط بهم إجراء المحاكمة كانوا دائمًا من السلطات المدنية، وليست الكنائسية.

يتابع الكاتب موضحًا أن خطاب رجال الكنيسة الأساسي الموجه لأغلب الناس في العصور الوسطى بشأن السحر كان يتمثل في وصف السحر بأنه مجرد سفاسف وترهات حمقاء. وعندما ألَّف هاينريش كرامر، أحد رجال الدين الكاثوليك الألمان، كتاب «مطرقة الساحرات» سيئ السمعة في أواخر القرن الخامس عشر، كان دافعه الأول محاولة إقناع الناس بحقيقة وجود السحرة. في الواقع سبق أن أدانت الكنيسة هذا الكتاب، وحتى في أوائل القرن السادس عشر، حُذِّر المحققون من تصديق كل ما ذكره مؤلف الكتاب عن السحر والسحرة.

4- كانت لديهم نهضة.. واستحدثوا بعض العلوم التجريبية

يُنوِّه الكاتب إلى أنه عندما يتحدث الناس عن «عصر النهضة»، فإنهم يقصدون في الغالب الاحتضان شديد الوعي للنماذج الكلاسيكية في الأدب، والفن، والعمارة، والمعرفة، التي ظهرت في أواخر العصور الوسطى. ويُنظر إلى ذلك عادة على أنه إحدى الوسائل التي تحولنا بها من وسائل التفكير بـ«عقلية قروسطية» إلى التفكير بعقلية «حديثة».

بيد أن مفكري العصور الوسطى كان لديهم في الواقع أيضًا «نهضة» في المعرفة والبلاغة الكلاسيكيتين. كانت هذه النهضة في القرن الثاني عشر، واعتمدت اعتمادًا كبيرًا على ما نقله الفلاسفة والمترجمين العرب من أعمال أرسطو وغيره من الكُتَّاب الكلاسيكيين.

Embed from Getty Images

وكانت إحدى ثمار هذا النقل: الحث على نهج التأمل والاستفسار عن العالم المادي، ما دفع الفيلسوف روجر بايكون (1214 -1292) وغيره إلى التفكير في كيفية مراقبة العالم المادي وإجراء تجارب عليه للتعرف عليه أكثر.

5- كانوا يسافرون ويتاجرون في بلدان بعيدة

يتابع الكاتب: يبدو أن غالبية الناس في العصور الوسطى، خاصةً من كانوا يعيشون في الريف، نادرًا ما كانوا يسافرون لأماكن بعيدة جدًا عن المكان الذي كانوا يعيشون فيه. وينطبق الحال نفسه على كثير من الناس في العصور اللاحقة. ومع ذلك، فإن معلومة أن الناس في العصور الوسطى لم يكونوا يسافرون ليست سليمة على الإطلاق؛ إذ شارك كثيرٌ منهم في رحلات الحج، وكان بعضهم يقطع آلاف الأميال في بعض الأحيان في هذه الرحلات. وبالتأكيد كان المنخرطون في التجارة وقتئذٍ يسافرون، ويربطون بين بقاع العالم النائية ببضائعهم التي ينقلونها لمسافات بعيدة جدًا.

حتى في أوائل العصور الوسطى، كانت جميع أنواع البضائع تنقل بكميات كبيرة من شواطئ بعيدة جدًا إلى مختلف الأراضي الأوروبية: الحرير من الصين، والتوابل من آسيا، والتي جلبتها أوروبا عبر الشرق الأوسط، بالإضافة إلى العنبر والفراء من بحر البلطيق. بل كتبت حفنة من الرحالة البواسل مذكرات تصور ما شاهدوه خلال رحلاتهم، ومنهم ويليام أوف روبروك، المبشر والمستكشف، الذي يصف رحلته في كتابه «رحلة إلى الأجزاء الشرقية من العالم»، التي استمرت ثلاث سنوات وبدأت في عام 1253، عبر الأراضي التي نعرفها في الوقت الراهن باسم أوكرانيا وروسيا.

يُضيف الكاتب أنه كانت هناك أيضًا هجرة في العصور الوسطى، على الرغم من أن سكان إنجلترا في العصور الوسطى لم يكونوا مرحبين بهجرة الويلزيين، والأسكتلنديين، والأيرلنديين إليهم.

6- كانت لديهم بعض العادات الشعبية الرائعة

ألمح الكاتب إلى أن الديانة المسيحية شكَّلت قدرًا كبيرًا من الثقافة العامة في العصور الوسطى، أو على أقل تقدير استأنست بها. لكن العصور الوسطى شهدت أيضًا بعض العادات غير المألوفة تمامًا، والتي تسامحت معها الكنيسة في أغلب الأحوال، وقد كان لهذه العادات والممارسات جذور تضرب في أعماق التاريخ. ومن بينها، ممارسة وُجدت في بعض أجزاء أوروبا، وهي دحرجة البراميل المحترقة لأسفل التلال عشية منتصف فصل الصيف.

Embed from Getty Images

وكانت هناك طقوس أخرى منها: نثر حبوب القمح على رأس المتزوجين حديثًا. وانتشر أيضًا في ذلك الوقت جمع الأموال للأعمال الخيرية من خلال عقد مناسبة اجتماعية تحت مسمى «جمع المساعدات في احتفالية البيرة»: وفيها تُجهز كميات من البيرة وتنظم حفلة كبيرة لشربها وجمع التبرعات.

دون أدنى شك كان هناك عدد من الأمور التي تبدو لنا مثل «الخرافات»، غالبًا ما تتعلق باستدعاء القدرات الخارقة للطبيعة للاستنجاد بها للحماية من الأمراض أو لإنقاذهم عند فشل الحصاد. إلا أن مهرجانات منتصف الصيف واحتفاليات شراب الجعة كانت أيضًا تثير الضحك على ما يبدو.

7- لم يكن الزواج في الكنيسة إلزاميًا

يردف الكاتب: من يرغبون في أن تكون مراسم زواجهم «رسمية»؛ يتزوجون عادة في رحاب الكنيسة. لكن على أية حال لم يكن الأزواج في العصور الوسطى بحاجة إلى كنيسة أو كاهن، أو مضطرين لإعلان الزواج في الكنيسة، أو غيرها من الوسائل الدينية.

صحيحٌ أن الكنيسة أرادت بالتأكيد في ذلك الوقت أن يفعل الناس ذلك. إذ إنها بدأت منذ حوالي القرن الثاني عشر تجادل بأن الزواج كان يتطلب طقوسًا دينية رسمية. لكن الناس كانوا في التطبيق العملي وبموجب القانون يتزوجون بمجرد إعلان أنهم يريدون الاقتران من بعضهم البعض. صحيح أنه كان يتعين وجود موافقة من الطرفين، وإذا أرادوا أن يكون الزواج مثاليًا فينبغي أن يكون هناك شهود (تحسبًا لتغير رأي أي من الطرفين لاحقًا)، لكن بوجه عام كان يمكنهم الزواج بكل بساطة.

8- المؤلفون العظماء في العصور الوسطى

يقول الكاتب إننا نميل إلى الاعتقاد بأن الإلمام بالقراءة والكتابة أمر واحد، لكنها في الواقع مجموعة مهارات مختلفة، إحداها: الكتابة. كان يشيع في العصور الوسطى النظر إلى امتهان الكتابة أو التأليف على أنه نوع من الأعمال التي لا تتطلب ذكاء فائقًا، لذلك كان بعض الأشخاص المهمين، مثل اللاهوتيين والمفكرين، ينزعجون من الكتابة بأنفسهم. وبدلًا عن ذلك كانوا يُوظفون كاتبًا يكتب ما يُمليه المؤلف.

9- لم يكن بعض الناس متدينين جدًا

يشير الكاتب إلى أن العصور الوسطى تميزت بنماذج من التدين المتطرف – الحديث هنا عن المسيحية بشكل أساسي – مثل الرهبان والممارسين لجلد الذات (باستخدام أداة مؤذية مثل السوط أو السلاسل الحديدية)، والحج بأعداد غفيرة وغيرها من الممارسات الدينية المشابهة. لكن من الخطأ افتراض أن الناس كانوا دائمًا منغمسين في الدين والرب، ونخطئ لا ريب إذا اعتقدنا أن الناس في العصور الوسطى كانوا غير قادرين على التفكير المتشكك في المعتقدات الدينية.

Embed from Getty Images

توجد أدلة قوية على أن بعض العوام في العصور الوسطى كانوا ينظرون بريبة إلى بعض المعتقدات الدينية، ومنها المعجزات التي يظهرها القديسون، أو طبيعة القربان المقدس، أو ما يقال عما سيحدث للبشر بعد موتهم. وقرر عدد من العوام أن الروح «ليست سوى دم»، تختفي ببساطة عند الموت. بينما اعتقد البعض الآخر أنه لا يوجد داعٍ للاعتقاد بأن الرب هو الذي وهب النباتات والمحاصيل القدرة على النمو والازدهار، لكن السبب في ذلك هي الخصائص الطبيعية لزراعة النباتات وتغذية التربة.

كما توجد وفرة من الأدلة على أن الناس في العصور الوسطى لم يكونوا يهتمون كثيرًا بالدين، والأهم من ذلك كله أنهم لم يكونوا يذهبون إلى الكنيسة أيام الآحاد.

تاريخ

منذ 3 شهور
الابن المنسي لرمسيس الثاني.. قصة «خعمواس» أول عالم مصريات في التاريخ

إذ أبلغ كاهن إسباني، في أوائل القرن الرابع عشر، أسقفه بأن الكنيسة نادرًا ما يأتي إليها أي شخص يوم الأحد، بل كان يعبثون في الشوارع ويلهون. بينما تمنحك المحفوظات الأخرى إحساسًا بأن أقلية كبيرة على أقل تقدير كانت تستمتع بحياتها في مكان آخر غير الكنيسة صباح يوم الأحد.

10- لم يكونوا يُصدِّقون أن الأرض مسطحة

يختتم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن معظم الناس على الأرجح يعرفون هذا بالفعل، إلى جانب علمهم بحقيقة أن خوذات الفايكنج لم يكن لها قرون، فكلا هذين الأمرين كان جزءًا من الأساطير الفيكتورية التي نُسجت من الخيال بشأن هذه الحقبة، بالإضافة إلى فكرة أن السيد كان من حقه النوم مع أي امرأة متزوجة حديثًا لليلة واحدة.

ما يجعل دراسة تاريخ العصور الوسطى رائعة هو أنه ينبغي عليك أن تتعامل مع أحجية استخلاص المعلومات من أرشيف السجلات والمحفوظات الباقية من العصور الوسطى، والتي يصعب العثور عليها، وغالبًا ما تكون مهترئة وممزقة، بالإضافة إلى التحدي المتمثل في التحقق المستمر من اعتقادك بشأن الافتراضات والصور النمطية الموروثة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد