نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا أعدَّه كين موريتسوجو لوكالة «أسوشيتد برس» يسلط الضوء فيه على سعي الحزب الشيوعي الصيني لترسيخ مستقبله بعد مرور 100 عام على تأسيسه.

يشير الكاتب في مطلع تقريره إلى أن احتفال الحزب الشيوعي الصيني بالذكرى المائة لتأسيسه أمس الخميس الموافق الأول من شهر يوليو (تموز) لا يعني تمجيد ماضيه فحسب، بل يتعلق كذلك بتعزيز مستقبله ومستقبل زعيمه الرئيس الصيني شي جين بينج.

وفي التحضير للذكرى السنوية حثَّ الرئيس شي – والحزب – أعضاءه والأمة الصينية على تذكر الأيام الأولى للنضال في تلال مدينة يانان الداخلية؛ حيث نصَّب ماو تسي تونج نفسه زعيمًا للحزب في ثلاثينات القرن الماضي.

استخدام الماضي لضمان المستقبل

ولفت الكاتب إلى أن المنازل البدائية التي حُفرت في المنحدرات الأرضية – حيث كان يعيش ماو وأتباعه – باتت الآن مواقع سياحية للمؤمنين بالحزب، والمعلمين الذين يشجعهم الحزب على إيصال رسالته للناس. وتبدو الغرف الشبيهة بالكهوف مختلفةً تمام الاختلاف عن بكين – العاصمة الحديثة – حيث تقام الاحتفالات الوطنية، وناطحات السحاب في مدينة شنتشن، وغيرها من مراكز التكنولوجيا الفائقة على الساحل التي ترتبط بالصين الحديثة.

ومع ذلك يستخدم الحزب الشيوعي – في الاحتفال بمرور 100 عام على تأسيسه – هذا الماضي استخدامًا انتقائيًّا في محاولة لضمان مستقبله ومستقبل شي، الذي قد يتطلع إلى الحكم مدى الحياة كما فعل ماو.

العالم والاقتصاد

منذ 4 سنوات
«بلومبرج»: لماذا تريد الصين التحول من الشيوعية إلى الرأسمالية؟ ولماذا تفشل؟

ونقل الكاتب عن إليزابيث إيكونومي، الباحثة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، قولها: «يحاول شي تعزيز الدعم لرؤيته وحقه في قيادة الحزب، وحق الحزب في حكم البلاد، وذلك من خلال ربط الحزب بكل الإنجازات التي حققتها الصين في القرن الماضي، وليس بأي من إخفاقاتها».

ونوَّه الكاتب إلى أن احتفالات هذا الأسبوع تركز على حقبتين متميزتين، وهما كفاح الحزب المبكر عند تأسيسه، والإنجازات الأخيرة، مع تجاهل الحديث عن مدة تقارب ثلاثة عقود، من الخمسينات إلى السبعينات تحت حكم ماو، حين خلَّفت السياسات الاجتماعية والاقتصادية المأساوية في أغلبها ملايين من القتلى، وأوقعت البلاد في براثن الفقر.

وتحقيقًا لهذه الغاية أقيمت احتفالية رائعة في الهواء الطلق، حضرها الرئيس شي في بكين ليلة الاثنين لإحياء ذكرى المسيرة الطويلة للحزب في ثلاثينات القرن الماضي. وعرَّجت الاحتفالية على مدينة يانان (مدينة ثورية مقدسة بالصين، حيث يوجد بها كثير من الآثار الثورية ذات المغزى السياسي والتاريخي المهم) التي أصبحت من تقاليد الحزب، قبل الانتقال إلى مغنين يحملون مفاتيح عملاقة، ونساء يحملن سنابل القمح. ومع ذلك ركَّزت الاحتفالية أيضًا على الحاضر، وذلك من خلال عروض تمثيلية لقوات خاصة تتسلق الجبال، وعاملين في المجال الطبي يكافحون جائحة كوفيد–19 وهم يرتدون ملابس واقية.

قال جوزيف فيوسميث، أستاذ السياسة الصينية في جامعة بوسطن: إن الحزب لطالما تذرع بتاريخه لتبرير حقه في الحكم. وأوضح الكاتب أن تعزيز شرعية الحزب أمر بالغ الأهمية؛ ذلك أن الحزب يدير الصين بمفرده منذ أكثر من 70 عامًا، خلال سنوات الفوضى في ظل حكم ماو، ومرورًا بانهيار الاتحاد السوفيتي، ووصولًا إلى تبني إصلاحات غير متوقعة على نمط السوق، والتي شكَّلت مع مرور الوقت مراكز نفوذ اقتصادية، رغم أن الملايين ما زالوا في حالة فقر.

ضد الديمقراطية

ويعتقد عدد من صناع القرار السياسي والمحللين الغربيين أن الرأسمالية من شأنها أن تحول الصين إلى ديمقراطية مع ازدهار شعبها، على غرار الدكتاتوريات السابقة، مثل: كوريا الجنوبية، وتايوان.

Embed from Getty Images

لكن هذا التفكير يزعج الحزب الشيوعي؛ الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ منعطف حاسم ضد الديمقراطية عندما قمع الاحتجاجات الواسعة النطاق في ميدان تيانانمين ببكين عام 1989، وسحق أي تحديات لحكم الحزب الواحد في العقود التي تلَت ذلك. وكان آخرها القضاء على المعارضة في هونج كونج، بعد احتجاجات مناهضة للحكومة هزت المدينة عام 2019.

وقال تشانج شيي من معهد تاريخ الحزب وآدابه: «إن قادة الحزب تعلموا الدرس من سقوط الاتحاد السوفيتي، حيث فقد الشيوعيون سلطتهم بعد فتح الباب أمام التعددية».

وبدلًا عن ذلك منحت ثروةُ الصين التي تكوَّنت مؤخرًا الحزبَ الوسائل المساعدة لبناء شبكة سكك حديدية عالية السرعة، وبنية تحتية أخرى للتحديث في الداخل، واستعراض القوة في الخارج، مع وجود عسكري قوي، وبرنامج فضائي أوصل الصين إلى سطح القمر والمريخ. ولم تزل الصين دولة متوسطة الدخل، ولكن حجمها يجعلها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ويضعها على مسار تنافسي مع الولايات المتحدة بوصفها قوة عظمى.

وفي الوقت نفسه ضاعفت الصين من أساليبها القمعية من خلال القضاء على المعارضين من منتقدي سياساتها، والضغط لاستيعاب الأقليات العِرقية التي تسعى للحفاظ على عاداتها ولغتها في مناطق مثل التبت، ومنطقة شينجيانج ذات الأغلبية المسلمة. وفي حين أنه من الصعب قياس الدعم الشعبي للحزب، إلا أنه من المحتمل أن يكون قد تعزز هذا الدعم على الأقل في بعض الأوساط من خلال النجاح النسبي للصين في السيطرة على جائحة كوفيد–19، ومواجهة انتقادات الولايات المتحدة وغيرها.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هوا تشون ينج للصحافيين خلال رحلة قامت بها مؤخرًا إلى المواقع التاريخية للحزب في مدينة يانان: «لم نكن أبدًا واثقين جدًّا من مستقبلنا».

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى أن ميدان تيانانمن، حيث أعلن ماو تأسيس الصين الشيوعية عام 1949، لم يعد موطنًا للطلاب المحتجِّين الذين يحلمون بالديمقراطية. وفي يوم الخميس ستستضيف الساحة وسط بكين الاحتفال الرئيس الذي تقيمه الدولة احتفاءً بحكم الحزب الشيوعي. وفي حين لم تزل معظم التفاصيل طيَّ الكتمان، قالت السلطات: إن الرئيس شي سيلقي خطابًا مهمًا.

وتُحيي الذكرى السنوية اجتماعًا ضم حوالي 12 شخصًا في شنجهاي عام 1921، والذي يُعد أول مؤتمر للحزب الشيوعي الصيني، رغم أنه بدأ بالفعل أواخر يوليو. ومن المرجح أن تنقل الاحتفالات رسالة مفادها أن الحزب هو ما أوصل الصين إلى هذه المرحلة، وأنه وحده مَا يستطيع تحقيق المجد لبلاده، مُعللًا ضرورة بقائه في السلطة.

ويبدو أن الرئيس شي يفكر أيضًا في مدة ثالثة مدتها خمس سنوات تبدأ عام 2022، بعد أن ألغى الحزب حدود مدة الرئاسة.

التحدي الأكبر

ونقل الكاتب عن ألكسندر هوانج، الأستاذ في جامعة تامكانج في تايوان، قوله: إن الذكرى المئوية تشكل في آن واحد معيارًا لقياس المدى الذي قطعته البلاد، ولحظة تحوَّل فيها الرئيس شي والحزب نحو تحقيق أهدافهما لعام 2049، والتي تصادف العام 100 للحكم الشيوعي، وبحلول ذلك الوقت قال شي: «إن الهدف يتلخص في تحقيق الازدهار الأساسي لجميع السكان، وأن تصبح الصين زعيمة عالمية تتمتع بالقوة والنفوذ الدوليين».

وقال: «يتمثل التحدي الأكبر للقيادة الصينية اليوم في إمكانية تحقيق هذا الهدف»، مشيرًا إلى تزايد التوترات مع بلدان أخرى، وإلى وجود شيخوخة سكانية وجيل من الشباب يرفض – كما هو الحال في أماكن أخرى – السباق اليومي المحموم من أجل علامات النجاح التقليدية.

العالم والاقتصاد

منذ 6 سنوات
مترجم: انهيار الصين الوشيك: 5 أسباب قد تُعلن نهاية الحُكم الشيوعي

ومع ذلك تشير قدرة الحزب على التطور والحكم لمدة طويلة – وإن كان ذلك جزئيًّا من خلال قمع المعارضة – إلى أنه قد يظل مسيطرًا سيطرة جيدة خلال قرنه الثاني. ويصر الحزب على أنه لا ينوي تصدير نموذجه إلى دول أخرى، ولكن في حال استمرت الصين في الصعود فقد تتحدى النموذج الديمقراطي الغربي الذي انتصر في الحرب الباردة وسيطر على حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وقالت هوا الموظفة بوزارة الخارجية: «في الولايات المتحدة، أنتم تتحدثون وتتحدثون فقط، وتحاولون الفوز بالأصوات في الانتخابات. لكن بعد أربع سنوات يمكن للآخرين قلب سياساتكم. فكيف يمكنكم ضمان مستويات معيشة الناس، بحيث يمكن تلبية مطالبهم؟»، بحسب ما يختم به الكاتب تقريره.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد