879

يصادف شهر مايو (أيار) الجاري مرور 200 عام على ميلاد كارل ماركس، الفيلسوف والاقتصادي والمفكر الألماني، وقد نشر موقع «هافينغتون بوست» ( النسخة المكسيكية) تقريرًا يتناول أبرز المعلومات عن المفكر الألماني.

كارل ماركس صاحب اللحية الأكثر شهرة على وجه الكوكب – إذا ما سمح لنا بابا نويل – إنه الرجل الذي يكفي وضع صورته على القمصان والحقائب والصور والعملات المزيفة لتُباع بأعداد كبيرة. والمفكر الذي تؤطَّر ملايين العبارات – ومنها الكاذب أحيانًا – باسمه لتنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، ويليه في ذلك باولو كويليو.  

مصدر الصورة

ربما كنت من الجيل زد (مواليد النصف الثاني من عقد التسعينات الذين اُتيحت لهم التكنولوجيا في سن مبكرة)، وصادفتك بعض الجمل المأثورة عنه في كتاب المدرسة أو على شبكات التواصل، وفي 5 مايو الجاري مرت 200 عامًا على ميلاد كارل ماركس في مدينة ترتير بألمانيا، وهذا ربما يكون الوقت المناسب للتعرف على هذا المفكر الذي يُعتبر أكبر مفكري الألفية الماضية وفقًا لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)».

  • من أصول يهودية

كان كارل هانريك ماركس فيلسوفًا واقتصاديًا وصحافيًا واجتماعيًا وناشطًا معروفًا بأنه أبو الاشتراكية العلمية والشيوعية الحديثة والمادية التاريخية والماركسية التي قام بنفسه بتسميتها (ونشرحها في الفقرات القادمة). وُلد في أسرة من أصل يهودي، كانت تعتنق اللوثرية تجنبًا للاضطهاد. جذورها كانت ألمانية هولندية. كان في أجدادهم المباشرين حاخامات ومحامون وتجار خمور، ولدوا في طبقة متوسطة ميسورة.

  • درس الفلسفة على غير رغبة والده

درس القانون في الجامعات الألمانية في بون وبرلين، نزولًا على رغبة والده المحامي العام الذي لم يكن يرى كثير جدوى من حب ابنه للفلسفة. ومع ذلك لم يستطع منعه من الاهتمام الواضح بفكر جورج ويليام، فريدريش هيجل، ولودفيغ أندرياس فويرباخ، اللذين كان لهما أثر ملحوظ على الماركسية بالجدلية والمادية التاريخية. في عام 1841 نال درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ينا الألمانية عن تقديمه لنظرية حول الفرق بين الفلسفة الطبيعية لديموقريطس وأبيقور.

مُترجَم: ما أهمية الفلسفة؟

  • حكايتان من أيام الدراسة

من أيام دراسته تبرز حكايتان، الأولى أنه استطاع مواصلة الدراسة لأنه أفلت من الخدمة العسكرية بسبب «ضعف الصدر»، والثانية أنه حصل على أول منصب معروف كأحد رؤساء نادي حانة ترير وهي رابطة لشاربي الخمر كان قد انضم إليها.

  • زواج غير عادي

مع زوجته جيني – مصدر الصورة

في عام 1843 تزوج من صديقة طفولته جيني فون فيستفالن، ولم يكن اتحادًا عاديًا  فقد كانت بارونة تنتمي إلى الطبقة البروسية الحاكمة، وكان محاميًا يحمل ماضيًا يهوديًا. كان حموه أرستقراطيًا، لكنه ليبرالي، أيدّ الزوجين وتعاطف معهما. ولهذا أهدى إليه ماركس أطروحته، كانت لدى جيني أفكار واضحة: راهنت على ماركس وتخلت عن ملازم من عائلة نبيلة كانت مخطوبة له. كان لدى ماركس وجيني ستة أبناء، مات ثلاثة منهم، وكان لدى ماركس ابن آخر غير شرعي من  خادمته هيلينا.

  • نضاله في الصحافة

كارل ماركس وفريدريك أنجلز- مصدر الصورة

بدرجة الدكتوراه التي كان يحملها كان بإمكانه الاستمرار في الحقل الأكاديمي، لكنه قرر الخروج من هذا العالم، وكان عمله الأول بدلًا عن ذلك هو الصحافة.  بدأ العمل في صحف ذات توجه اشتراكي واضح، ذات مضامين تحريرية عميقة كانت تواجه ضغوطًا ثم تخضع للرقابة وينتهي الأمر بإغلاقها، لذا كان عليه ترك بروسيا والرحيل إلى باريس. وهناك تحول إلى ثوري وفي عام 1844 – وهو العام ذاته الذي نُشرت فيه رواية الفرسان الثلاثة – تعرف ماركس على الرجل الذي سيصبح صديقه ومساعده في كل حياته: فريدريك أنجلز.

  • تهم دفعت لطرده من فرنسا

انتهى به المطاف إلى الطرد من فرنسا بسبب نشاطه، وبدأ رحلة عبر بروكسل إلى كولونيا، ثم إلى باريس مرة أخرى، وفي النهاية إلى لندن حيث بقي حتى وفاته، وفي تلك السنوات التي قضاها في التنقل أضاف إلى سجلّه أنشطة أخرى في صحف ومجلات تناضل ضد الفوارق الاجتماعية، وطالته تهم مثل محاولة تسليح العمال البلجيكيين بالأموال التي ورثها عن والده، وتحريض مواطنيه الألمان على التمرد المسلح. في المملكة المتحدة بدأت مرحلة من الفقر المدقع تجاوزها من خلال عمله في مراسلة الصحافة الأمريكية وبمساعدة أنجلز الراعي الاقتصادي له.

  • أعمال أدبية لم تُنشر

الأعمال الأساسية التي ألفها ماركس في تلك السنوات والتي لا تزال تذكر هي «بيان الحزب الشيوعي»، و«رأس المال» واستطاع فيهما بمعرفة موسوعية – كانت ثمرة سنوات من العمل المكثف – أن يدمج بين الاقتصاد والتاريخ  كمحاور لصياغة نظريته. ورغم أنه معروف بمقالاته فقد كتب بين عامي 1837 و1840 رواية قصيرة هي «العقرب وفيليكس»، وعملًا للمسرح بعنوان: «دراما أولانيم»، وديوان شعر لم يُعرف اسمه، ولم يرقَ أي منها للنشر.

  • ما الذي قدمه ماركس؟

لكن دعنا ندخل في الأساس: ما الذي شرحه ماركس؟  بالعودة إلى أصول العالم، والفترات الأولى للإنسانية أدرك ماركس أن علينا أن ننتج ما يكفي ليغطي احتياجاتنا ويمكنّنا من الحياة. وبنمو القوى الإنتاجية، وتنوع الأنشطة صارت العلاقات الاجتماعية للبشر معقّدة. وفي لحظة محددة أنتجت هذه التعقيدات الطبقات الاجتماعية، بتفاوتات هرمية واضحة، مصحوبة بالاستيلاء على الثروة من جانب الطبقة المهيمنة على الطبقات الأخرى، من خلال استعباد العمالة.

  • انتقاده للرأسمالية

Embed from Getty Images
الماركسية إذًا هي التغلب على طريقة الإنتاج الرأسمالي: إنها الثورة والتغيير، وليس فقط انتقاد الرأسمالية،  إنها مواجهة التحدي المتعلق بثقافة السوق الرأسمالي الناشئ. وهي رسالة ألهمت الثورات في روسيا والصين وكوبا، والتي ناضلوا فيها من أجل أن تحصل البروليتاريا على القوة التي كانت البرجوازية تحتفظ بها منذ نشأة العالم.

  • الاقتصاد هو المحرك

توصّل ماركس إلى حقيقة جوهرية: وراء الظواهر السياسية والدينية والطبقية كان الاقتصاد هو المحرك، «إنه الاقتصاد يا غبي» كما لخصّ بيل كلينتون الأمر، وانطلاقًا من هذا المبدأ صاغ أطروحته غير المألوفة حتى الآن: «يجب البحث عن تشريح المجتمع المدني في الاقتصاد السياسي»؛ لأن «نمط الإنتاج في الحياة المادية يؤثر في الجوانب الاجتماعية والسياسية والروحية بشكل عام».

  • نظرياته لا تزال واقعية

Embed from Getty Images
إرثه لا يعدّ تاريخًا فقط، فهو يتصل بالواقع، بينما ألهم الفنانين وصناع السينما والأدباء والمعلمين خلال ما يزيد على قرن من الزمان، فلا تزال بعض الدول تدافع عن الماركسية باعتبارها أيديولوجية لها، كما أن تحليلاته حول الاقتصاد العالمي منطقية بشكل لافت. في الخطاب السياسي لا يزال صراع الطبقات قائمًا ( لا يزال هناك طبقات عليا وطبقات سفلى) ولا تزال الأزمات متكررة في الرأسمالية ( تقودنا كل أزمة إلى أخرى أسوأ منها، وتزداد مبيعات أعماله خاصة بعد أزمة عام 2008) ؛ فائض القيمة، أي القيمة التي يحققها العامل بما يزيد عن قيمة قوته العاملة، تبقى في أيدي أقلية، وتتركز في الأعمال المصرفية والتجارية، مع انعدام المنافسة ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض الأجور والبطالة. وقد حذر من المخاطر القاسية للعولمة والتوترات التي تولدها.

  • أصاب كثيرًا لكن أخطأ في أمر أساسي

بينما كان محقًا في أمور كثيرة، فقد أخطأ في أمر أساسي: حين قال إن الرأسمالية ستقضي على نفسها بنفسها، وستحفر قبرها البروليتاريا، فلا تزال الرأسمالية منتشرة منذ القرن التاسع عشر  وحتى اليوم في جميع أنحاء العالم.

  • وفاته مريضًا بلا جنسية

Embed from Getty Images
كارل ماركس مع ابنته الكبرى

توفي ماركس عام 1883 عن عمر يناهز 64 عامًا، وبالكاد حضر جنازته 11 شخصًا من المقربين له، وتُقرأ على قبره عبارة  «يا عمال العالم اتحدوا»، وقد دفن في مقابر مدينة هاي جيت في لندن، وكانت زخارف بسيطة تزين قبره حتى عام 1954 حين وُضع على القبر تمثالًا له. لقد مات ماركس دون جنسية، مريضًا بالحمى التي هاجمته بعد وفاة زوجته، وبعد مضي 15 شهرًا أصابه التهاب الشعب الهوائية، وأنهى حياته أثناء استلقائه على كرسيه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك