نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية تقريرًا لآنا أوهانيان، كاتبة وأستاذة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في كلية ستون هيل بولاية ماساتشوستس، تحدثت فيه عن أوجه التشابه بين الصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان ونموذج حرب أكتوبر بين مصر وإسرائيل. 

استهلت الكاتبة التقرير قائلة: يتضح تدريجيًّا أن اندلاع الحرب بين أذربيجان وأرمينيا الأسبوع الماضي كان نتيجة مناورة عسكرية منسقة بين تركيا وأذربيجان. وما يُروى عن تورط الجهاديين من سوريا وليبيا المدعومين من تركيا في معارك منطقة ناجورنو كاراباخ وغيرها، زاد على نحو هائل من مخاطر الصراع المستمر منذ عقود في منطقة القوقاز.

اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان على غرار كامب ديفيد

وألمحت الكاتبة إلى أن هذا الصراع المدفوع بمجموعة معقدة من الدوافع السياسية المحلية والتاريخ المشحون بين البلدين، يشبه الحرب العربية الإسرائيلية، حرب 6 أكتوبر أو العاشر من رمضان عام 1973، على نحوٍ لم يصل إليه أي صراع آخر في حدود الاتحاد السوفيتي السابق، بما في ذلك شبه جزيرة القرم وجمهورية أوسيتيا الجنوبية.

Embed from Getty Images

جندي إسرائيلي مصاب على الجبهة – الجولان – سوريا 1973 

ولا شك أن هذا مدعاة للقلق، إلا أن التاريخ يبيِّن الطريق نحو سلام دائم أيضًا، بحسب التقرير. وأضافت الكاتبة: ما نحتاجه اليوم بعد إسكات صوت المدافع ليس أقل من عملية سلام شاملة تقود إلى اتفاقية على غرار كامب ديفيد (الاتفاقية التي وقَّعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن) بين أذربيجان وأرمينيا. 

ويلفت التقرير إلى أنه بالنسبة للرئيس الأذري الأوتوقراطي، إلهام علييف، يُعد الرهان العسكري ضد أرمينيا بمثابة مقامرة هائلة، تمامًا مثل قرار مهاجمة مصر بقيادة أنور السادات وسوريا بقيادة حافظ الأسد لإسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973. وكان الانتصار العسكري على إسرائيل بالنسبة لكلٍ من السادات والأسد مَنْجَاة من السخط الشعبي والأزمة الاقتصادية، والدسائس والمؤامرات الداخلية، وكذلك المخاوف الإقليمية المتزايدة. وهي العوامل الأساسية المهمة في حسابات علييف اليوم. 

أذربيجان في موقف مصر وسوريا

تشرح الكاتبة التعقيد الذي يتميز به موقف أذربيجان قائلة: بصفتها واحدة من إرث دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، ومن أكثر المجتمعات المنغلقة في أوراسيا، ناضل علييف لترسيخ الشرعية في أذربيجان ذات البيئة الاستبدادية التي تشبه الحكم البيزنطي، والقاسية مثل تلك التي في مصر وسوريا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

انهار الاقتصاد الأذري المتسم بالانتعاش والكساد السريعين؛ إذ يُشكِّل قطاع النفط والغاز 90% من صادراته؛ ما أثار المخاوف الشعبية من انخفاض حاد في قيمة العملة، كما حدث بالفعل وأعاق الاقتصاد عام 2015 (وأنذر بهجمات عسكرية بعد بضعة أشهر، الأمر الذي يشبه إلى حد كبير ما حدث الأسبوع الماضي). وحدث أن اشتد النزاع على السلطة بين العشائر الحاكمة في العاصمة الأذربيجانية باكو هذا العام، وشنَّت الدولة حملة قمع واسعة ضد الصحافيين، والمنظمات المدنية، ونشطاء مكافحة الفساد، وجماعات المعارضة، والتي وصفها علييف على نحو يدعو للتشاؤم بأنها «أسوأ من الأرمن».

حروب في خدمة مصالح الزعماء

وتشير الكاتبة إلى وجه التشابه مع بيئة عام 1973 إبَّان حرب أكتوبر فتقول: في عام 1973، كان الرئيس المصري أنور السادات يأمل في أن يؤدي النجاح المحدود في ساحة المعركة إلى تغيير الوضع القائم، وتعويض الإهانات الناجمة عن هزيمة الجيوش العربية السابقة في حروبها مع إسرائيل، وتقوية موقفه في المفاوضات مع الإسرائيليين. وقد أعرب علييف في بعض الأوقات عن دوافع مماثلة تدفعه باتجاه الحرب؛ إذ تَبْرُز المظالم التي تسببت بها الخسائر العسكرية السابقة على يد الأرمن بوضوح في البروباجاندا التي قامت بها الدولة. 

Embed from Getty Images

وتذكِّرنا التصريحات الصادرة عن باكو كثيرًا بالمواقف المتشددة لسوريا الأسد قبل عام 1973، والتي أعادت استخدام مبادئ معاداة السامية الإقصائية لأغراض سياسية. وكما أشار الباحث والمختص في هذا الصراع، توماس دي وال، قائلًا: «أضاعت أذربيجان سنوات في إدانة عدوان الأرمن دون أن تقدم ضمانات موثقة لأرمن ناجورنو كاراباخ تضمن من خلالها حقوقهم وتعبِّر عن عدم رغبتها في تدميرهم».

وبالنسبة لإسرائيل، كان صراع 1973 حربًا من أجل البقاء القومي على نحو لم يكن يعني الأمر نفسه بالنسبة لمصر وسوريا. وقد اكتسبت حرب هذا الأسبوع في القوقاز بالفعل معنًى مشابهًا لأرمينيا، خاصة في ضوء تدخل تركيا الصريح في الصراع. وفي حين شهدت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 دعم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لحلفائهما، فإن الدعم كان بغرض المنفعة في كثير من الأحيان ومؤطرًا في سياق الحرب الباردة الأوسع. وفي المقابل، نجد أن دعم تركيا لأذربيجان ضد أرمينيا مشحونًا بعمق بالتجربة الجمعية للإبادة الجماعية ضد الأرمن.

تركيا والأرمن.. من الإنكار إلى الفخر

يشير التقرير إلى التغير في الخطاب التركي فيما يخص قضية الأرمن فيقول: عندما لجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء التحضير للتدريبات العسكرية التركية الأذربيجانية هذا العام إلى استخدام عبارة «كيليج أرتيجي» أو «بقايا السيف (يقصد النَّاجين من سيف العثمانيين)» لم تكن فقط إشارة من طرف خفي إلى القاعدة القومية المتطرفة أو إلى حلفاء أذربيجان.

عام

منذ سنتين
روبرت فيسك: من أرض المذابح.. محاولات للعثور على آخر الأرمن في تركيا

وكما حذرت منظمة مراقبة الإبادة الجماعية، عكس ذلك التصريح تطورًا في العقلية بشأن الإبادة الجماعية للأرمن من حالة إنكار فظة إلى «فخر صريح بارتكاب الجرائم». ويشبه هذا التصريح خطابًا لزعيم ألماني سخر من الإسرائيليين واصفًا إياهم بأنهم مخلفات معسكرات الإبادة النازية. إن القفزة في النظرة إلى أرمينيا الحديثة برمتها على أنها «بقايا سيف» ليست جيدة، بحسب التقرير. 

وعدم اعتراف تركيا بارتكاب إبادة جماعية في القرن العشرين وندمها على ذلك ما يزال حتى اليوم أهم عقبة أمام السلام. ناهيك عن أن هذا الخطاب لا يأخذ في الاعتبار أن عديدًا من رجال الدولة في أرمينيا الحديثة، بمن فيهم الرؤساء ووزراء الخارجية وأكثر من نصف السكان في أرمينيا، هم أبناء الناجين من تلك الإبادة الجماعية وأحفادهم. والعدسة الإدراكية للبقاء القومي التي يختبر بها قادة أرمينيا هذه الحرب هي نفسها التي حددت الإجراءات الإسرائيلية في حرب أكتوبر وما بعدها. والإبادة الجماعية للأرمن ليست على هامش النزاع الأرمني الأذري؛ بل في القلب منه. 

خطوط واضحة لحل الصراع

وكما هو الحال في الصراع العربي الإسرائيلي، باتت الخطوط العريضة للحل السياسي للنزاع بين أرمينيا وأذربيجان واضحة منذ سنوات: وقْف التلاعب في توزيع أراضي عهد ستالين، وعودة السكان النازحين، وتنسيق لاحق للحدود بين الدول. وكما هو الحال مع إسرائيل في الشرق الأوسط، فإن الأمن المادي والحدود التي يمكن الدفاع عنها لهما أهمية قصوى بالنسبة لأرمينيا، وسط التهديد الوجودي الدائم من تركيا غير النادمة على الإبادة الجماعية ضدها. 

Embed from Getty Images

ومهدت آثار الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 الطريق أمام خمس سنوات من الدبلوماسية المكثفة، التي وصلت بدورها إلى اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. وفي النهاية أعاد أنور السادات عبر الدبلوماسية الأراضي التي فشل في الحصول عليها عن طريق الحرب. وقد يكون من الصعب اليوم – ولكن ليس مستحيلًا – أن نرى الرئيس الأذري، إلهام علييف، وخصمه الأرمني يرتديان عباءة السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي، مناحيم بيجن، في المستقبل القريب. 

واختتمت الكاتبة تقريرها بالقول: كل ذلك يمثل فرصة استثنائية للتعاون العالمي في هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية. وكما لُوحظ مؤخرًا أن هناك تقاربًا نادرًا لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا في المصالح الجيوسياسية يجعلها تدفع مجددًا عجلة السلام الأرمني الأذري. ولا شك أن جيمي كارتر، صاحب رؤية اتفاقيات كامب ديفيد والسلام في الشرق الأوسط، سيوافق على ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد