النتيجة الحتمية المأساوية: عندما تحضر الفئران المتعطشة، الجميع قادرون على حب الأخ الأكبر

في رواية «1984» التي كتبها جورج أورويل متنبئًا بمستقبلٍ أسوأ باسم الدفاع عن الوطن، حكمت مجموعة طاغية بلدًا حكمًا شموليًا، تُراقب فيه الدولة مواطنيها عن كثب، ويراقب فيها الناس بعضهم بعضًا بشكل لا إرادي، قد يتشابه مسار تطور الأحداث في الرواية مع واقع بعض الدول الآن، وكما في الرواية مع تطور الأحداث، قد يراود البعض توهمًا هاجس أن هناك أملًا في التغيير. تصف «سادي ترومبيتا» في مقالها المنشور على موقع «Bustle» أخر جملة نطق بها وينستون في الرواية بأنها العبارة الأكثر بعثًا على الحزن والفجع في الأعمال الأدبية، لماذا؟

عصر «الحقائق البديلة»

تقول «سادي»: إن على الرغم من أننا صرنا في عام 2018، لم يسع الكثير من الناس إلا أن يلاحظوا مدى تشابه رواية جورج أورويل «1984» مع واقعنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، وتقارب بين ذلك و رواية «مارجريت آتوود» الكلاسيكية من أدب «الديستوبيا» – أدب المدينة الفاسدة حيث الظلم والقهر، وهو العكس من أدب المدينة الفاضلة – «قصة الخادمة» (The Handmaid’s Tale) التي عادت للحياة مجددًا، وأُنتجت في مسلسل في عهد ترامب، العصر الذي صارت فيه الكلمات المزدوجة هي اللغة الرسمية للبيت الأبيض، على سبيل المثال: بالعام الماضي وفي أعقاب تعليق «كيليان كونواي» مستشارة ترامب في أحد المؤتمرات الصحافية على الفترة التي تمر بها أمريكا، وأنها فترة «الحقائق البديلة»، والتي عقب عليها المقدم التليفزيوني «تشاك تود» أن الحقائق البديلة ليس حقائق بالمرة، إنما «أخبار مزيفة».

ارتفعت معدلات مبيعات رواية «1984»، حتى أنها في مرحلة ما تصدرت قائمة أكثر الكتب مبيعًا على موقع «أمازون»، ويبدو – حسب رأي الكاتبة – أن القراء في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية بدوا ملتفتين إلى مكتباتهم؛ يلتمسون التوجيه والإرشاد خلال تلك الفترة غير المسبوقة من تاريخهم، وسرعان ما صارت رواية «1984» مصدرهم الأول.

صمود وينستون أمل

تذكر الكاتبة أن ديستوبيا جورج أورويل «1984» كتبت في عام 1949، تروي قصة عالم من المراقبة الحكومية الشاملة، والدعاية المكثفة وحرب دائمة مزعومة، تتبع الرواية حياة «وينستون سميث» أحد سكان أوشينيا، وعضو الحزب الخارجي في دولة الاستبداد العظمى، من الطبقة الوسطى، وهو أحد موظفي وزارة الحقيقة، وتتلخص مهمته الأساسية في إعادة كتابة التاريخ من خلال إعادة تحرير مقالات قديمة في صحيفة فتعكس أجندة الحزب بطريقة أفضل.

بعدما أصابه الحزب وزعيمه الغامض – الأخ الأكبر – بخيبة أمل كبيرة أسرَّها، يشرع في خوض رحلةٍ نحو التمرد، بداية انخرط في علاقة جنسية مع إحدى زميلاته في الوزارة، وتدعى جوليا، ثم تطور الأمر ليقع في شباك حبها، من ناحيتها تشاركه جوليا أحلامه في الحرية، لاحقًا أعطاه أحد أعضاء الحزب الداخلي، ويدعى أوبراين، كتابًا يعدُ بالتحرير، وكشف عن حقيقته لوينستون بأنه أحد المتمردين المنشقين، ولم يلبث وينستون حتى بدأ يكرس وقته للتفكير في التحرير والتمرد.

بالطبع لا يعد أوبراين حليفًا للمقاومة أو حتى صديقًا لوينستون، فعندما ألقت شرطة الفكر القبض على وينستون وجوليا بسبب تمردهما، يظهر أوبراين كموظف مخلص في وزارة الحب، وهو أحد فروع الحكومة المكرسة لمعاقبة من يجرؤون على محاولة التمرد على الحزب، وفي الغرفة 101 يتعرض وينستون للتعذيب بلا هوادة بأسوأ مخاوفه: الفئران، حتى يتخلى في النهاية عن حبه لجوليا، ويقسم بالولاء للأخ الأكبر.

كان بإمكان أورويل إنهاء الرواية بهذا القسم، أو حتى باعترافه حينما توسل وينستون لأعدائه في غرفة التعذيب أنه مستعد لتعذيب حبيبته من أجل أن ينقذ نفسه، كان من الممكن أن يكون فصلًا ختاميًا مأسوي مُدمرًا في نهاية الرواية، إلا أن أورويل لم ينهيها هنا، بل تقدم للأمام، وسرد لنا كيف سارت حياة وينستون بعد إفراج وزارة الحب عنه، ففي واقعه الجديد يرى وينستون (المتمرد سابقًا) حبيبته مرة أخرى، يعترف كلاهما بخيانة الآخر أثناء التعذيب، ثم يجلس في أحد المقاهي يستمع إلى احتفالات النصر في الشوارع، بينما ينظر إلى صورة الأخ الأكبر:

«حدق وينستون في الوجه الضخم، استغرق الأمر 40 سنة حتى يفهم معنى الابتسامة التي يخفيها الأخ الأكبر تحت شاربه الأسود، ليحدث نفسه قائلًا: «يالها من غشاوة قاسية رانت على فهمي بلا داع، علام كان العناد، ونَفي نفسي من ضمة هذا الصدر الحنون. وسالت دمعتان معبأتان برائحة اليأس والسُكر على جانبي أنفه، يقول لسان حاله: لكن لا بأس، كل شيء على ما يرام، لا بأس؛ فقد انتهى النضال، فقد انتصرت على نفسي..» ومن ثم تبع أورويل هذا المشهد بجملة واحدة بسيطة، لكنها أكثر العبارات المحزنة والمؤلمة في تاريخ الأدب، يقول وينستون لنفسه «لقد صرت أحب الأخ الأكبر».

فكيف كُللت كل خيبات الأمل؟

يحرر أورويل القارئ من أي أوهام للمقاومة أو التغير أو الثورة، ويصفعهم مجددًا بالواقع والوضع الراهن الذي لا مفر منه.

في الفصل الأخير من الكتاب، تقع العديد من اللحظات في منطقة بين خيبة الأمل وبين التدمير السحيق، على سبيل المثال عندما تبين أن السيد تشارينغتون صاحب المتجر الذي استأجر كوخ حب وينستون وجوليا عضو في شرطة الفكر، أو عندما أبلغ أبناء بارسونز عنه للحزب، أو عندما صرخ وينستون «أفعل ذلك لجوليا» وأنه مستعد لتعذيبها حتى ينجو بنفسه من الفئران، لكن ليس هناك ما هو أكثر مأسوية من هذا السطر الأخير الذي يغتال الروح، ففي تلك الكلمات الأربع يحرر أورويل القارئ من أي أوهام للمقاومة أو التغير أو الثورة، ويصفعهم مجددًا بالواقع، والوضع الراهن الذي لا مفر منه.

تعتقد الكاتبة أن رواية 1984 – في نهاية المطاف – تعد من أدب المدينة الفاسدة (ديستوبيا)، وبالتالي فإن النهاية الحزينة ليست أمرًا يدعو للدهشة، لكن ما يصيب القارئ بالصدمة الحقيقية هو الطريقة التي هيأ أورويل بها القارئ مرورًا بأحداث الرواية من البداية، وبث فيهم الأمل – ولو لوهلة واحدة – للاعتقاد باحتمالية تغيير الوضع، منذ الصفحة الأولى في الرواية ومرورًا بالـ300 صفحة التالية، شاهدنا وينستون يبدأ تدريجيًا وببطء يعتقد في وجود بدائل أخرى لحياته في أوشينيا، حياة حيث يمكنه وجوليا أن يحبا بعض بحرية، نشاهدهما يخاطران بكل ما لديهما كي يكونا معًا، يكتبان رسائل حب لبعضهما بسرية، يمارسان علاقة جنسية محرمة في نظر الدولة، بل يتعاهدان ألا ينفصلا أبدًا، حتى وإن اضطُرا لترك أوشينيا، وعندما يلقى القبض عليهما، فإن حب وينسون لجوليا وكراهيته للأخ الأكبر يمنعانه من الاستسلام أمام أساليب التعذيب.

تقول الكاتبة: إن من خلال علاقة حب وينستون وجوليا، يقنع أورويل القارئ بأن هناك فرصة، مهما كانت احتمالاتها ضعيفة وضيقة، لكن ما تزال هناك فرصة للانتصار في تلك المدينة الفاسدة، ربما لن يتمكن الحبيبان من الإطاحة بالأخ الأكبر، ففي نهاية المطاف هو نظام حكم استبدادي شمولي مع مراقبة حكومية مستمرة، لكن بدا أن هناك احتمالًا ولو ضئيلًا بأن وينستون وجوليا سيهربان من قبضة النظام الحديدية، حتى إن كان الملاذ هو الموت، حتى في أحلك لحظات التعذيب ظلمة، بدا مستحيلًا أن يتخلى وينستون عن حب جوليا لتجنب التعذيب، كما بدا مستحيلًا أنه قد يتخلى عن كرهه للأخ الأكبر لتلافي التعذيب، لكنه يفعل في النهاية.

تعتقد الكاتبة أن أورويل أراد أن يدرك القارئ أنه حتى الحب الرومانسي لا أمل له في أوشينيا؛ حتى الحب يفشل في أوشينيا، حيث لا ولاء يعلو الولاء للحزب، ولا دافع ومحرك يفوق محرك الخوف، أراد أورويل أن يدرك القارئ أنه حتى تلك الأشياء التي ظن وينستون أنها ستنقذه، كحبه لجوليا وكراهيته للأخ الاكبر، في أوشينيا يمكن أن تنقلب ضده، وتصبح وبالًا على رأسه، فالحب الذي كان من المفترض أن يحميه ويخلصه، صار الأداة نفسها التي فرضت عليه الاستسلام. فكان سرد أورويل من الصفحة الأولى حتى النهاية يدفع القارئ نحو النتيجة الحتمية المأسوية: عندما تحضر الفئران المتعطشة، الجميع قادرون على حب الأخ الأكبر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!