بعد انتهاء رأس السنة الميلادية وموسم العطلات، يشهد لبنان ارتفاعًا غير مسبوق في حالات الإصابات والوفيات من جراء فيروس كورونا المستجد، ويحذِّر الخبراء من كارثةٍ صحية يتوقع تفاقمها مع استمرار اتخاذ الحكومة اللبنانية لسلسلةٍ من القرارات التي يتجلى بها انعدام الكفاءة، وفقًا لتقريرٍ الصحافي آدم شمس الدين، المنشور في موقع «ميدل إيست آي».

Embed from Getty Images

«السيناريو اللبناني»

قد تُفاجئ البعض الإشادة التي تلقاها لبنان على قدرته في السيطرة على انتشار كوفيد-19  – وهو البلد المحاصر في شرك الحكومات الفاسدة وعديمة الكفاءة – في شهر أبريل (نيسان) 2020 حين كانت دول العالم بأغلبها تكافح لاحتوائه. يعود التقرير إلى مقالٍ نشر في صحيفة «واشنطن بوست» في شهر أبريل الماضي يمدح «قصة نجاح لبنان» في احتواء الفيروس ويقتبس منه: «بطريقة ما، هذا البلد المتخبط المترنِّح على شفا الانهيار الاقتصادي والفوضى السياسية، استطاع فعل شيء صائب ما فيما يخص فيروس كورونا».

لكن بعد ثمانية أشهر من نشر ذلك المقال، طرأ انقلاب جذريٌّ على الحال في لبنان؛ إذ يتصاعد معدل الإصابات الآن في تسارع يجعله يواكب مسار بعض البلدان الأشد تضررًا من التي يزيد تعداد سكانها على تعداد سكان لبنان بفارقٍ كبير. يقدر عدد سكان لبنان بنحو 6 ملايين نسمة، وقد سجل حتى الآن أكثر من 252800 حالة إصابة بفيروس كورونا و1906 حالات وفاة منذ تفشي الوباء، مع استمرار وصول الأرقام اليومية إلى مستويات قياسية في الأسابيع الأخيرة.

Embed from Getty Images

أظهرت مشاهد مصورة من مستشفيات مختلفة الحالة الكارثية للقطاع الطبي، لدرجة قارنها بعض الخبراء بالسيناريو الإيطالي حين كانت المستشفيات في الأشهر الأولى من تفشي الجائحة تغصُّ بمرضى كوفيد-19 وبالكاد تلبِّي احتياجات تلك المرحلة.  يعالج المرضى الآن في باحات ركن السيارات التابعة للمستشفيات اللبنانية، ويتحدث الأطباء عن إجبارهم على توفير الأكسجين وإجراء فحوصات الدم والمسحات خارج المشافي التي لم تعد تتمكن من استقبال المرضى إلا على أساس العمر وخطورة الحالة.

اعتبر رئيس اللجنة الصحية النيابية، النائب عاصم الأعرجي، الأسبوع الماضي أن تشبيه الضغط الذي يرزح تحته النظام الطبي اللبناني بالسيناريو الإيطالي قد يكون فيه تبخيسًا للواقع، مصرِّحًا في مقابلة معه بالقول: «ربما نكون في طريقنا إلى ما سيُعرف لاحقًا بـ«السيناريو اللبناني»، حيث يتنازع المصابون على أسرِّة المشافي ومعدات الأكسجين»، ومضيفًا: «لقد تجاوزنا السيناريو الإيطالي». إذن كيف ينتقل بلدٌ من الثناء على إجراءاته والاحتفاء به إلى مرحلةٍ بات بها القطاع الطبي على شفا الانهيار؟

Embed from Getty Images

الرقص ممنوع

قررت الحكومة اللبنانية في 17 ديسمبر (كانون الأول) – أي قبل 4 أيام من انتهاء الإغلاق العام الذي دام لأسبوعين – تخفيف القيود الإلزامية المتعلقة بالوقاية من فيروس كورونا من أجل إنعاش الاقتصاد في فترة العطلة، وحثت المواطنين على الالتزام بإجراءات السلامة بما في ذلك ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي. وقد اتخذ هذا القرار عقب ضغوط هائلة من قطاعي السياحة والخدمات وفقًا للتقرير، لا سيما مع حرص هذين القطاعين على كسب أكبر قدر ممكن من العمل خلال موسم العطلات؛ إذ تعاني البلاد من الحالة الاقتصادية التعيسة المتأثرة بالجائحة، وذلك في خضمِّ أسوأ أزمة تشهدها البلاد في تاريخه الحديث.

رافق تخفيف القيود فرض إجراءاتٍ وصفت بالأضحوكة، ومن ذلك توصية لجنة متابعة التدابير والإجراءات الوقائية بأن تعمل الحانات بمفهوم المطاعم، وتلتزم مؤسسات السهر على أنواعها بإجراءات وقائية وتدابير السلامة من ضمنها منع الرقص منعًا باتًّا، ومنع وضع الشموع وقوالب الحلوى لأعياد الميلاد أو أي مناسبة أخرى، مع السماح بإقامة المناسبات الاجتماعية والاحتفالية في الأماكن المفتوحة، وفي الأماكن المغلقة على أن يجري التقييد بنسبة 50% من الإشغال، وألا يتجاوز عدد الحضور المائة.

بالطبع أثارت نقطة منع الرقص وقوالب الحلوى سخريةً واسعة في الأوساط اللبنانية، حتى إن نقيب أصحاب المطاعم والملاهي، طوني الرامي، دعا في مؤتمر صحفي المغتربين والسياح للقدوم إلى لبنان في عطلة رأس السنة، مضيفًا: «إنشالله بيكون في رقص، مش عالبيست. عالطاولات كمان».

Embed from Getty Images

يرى التقرير أن الحكومة اللبنانية، ضمن محاولاتها المتقلبة ما بين السعي لتخفيف الضغط الاقتصادي والتصدي لفيروس كوفيد-19، تسببت بإحداث كابوسٍ طبيٍّ كالح. لم تلتزم المؤسسات بقانون السعة القصوى، ولم تمنع الناس من الرقص فوق الطاولات أو حولها. اكتظَّت المطاعم والحانات بالزبائن، وبدت الحفلات الخاصة وحفلات المطاعم وكأنَّ الجائحة لم تمس لبنان.

تحدثت تقارير عن بداية تفشي الكورونا في الوسط الفني اللبناني، وقد أعلن أحد المغنيين اللبنانيين إصابته بكوفيد-19  بعد يومين من مشاركته في إحياء حفلة ليلة رأس السنة في أحد فنادق بيروت المحجوز بالكامل. من جانبها، لم تقم الحكومة بأيِّ حملةٍ ضد مخالفي إجراءات السلامة الخاصة برأس السنة، ولا أغلقت أيًّا من الحفلات الخاصة.

صحة

منذ شهرين
مترجم: كل ما تريد معرفته عن استعدادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للقاح كورونا

وينقل التقرير تصريح أحد العمال في مطعم في وسط بيروت، طلب عدم الكشف عن هويته، بأن المالك أمر جميع الموظفين بالحضور للعمل لارتفاع عدد الزبائن المترددين على مطعمه خلال تلك الفترة، وتحدث عن اشتباه العديد من زملائه بإصابته بالفيروس، وكيف استجاب المالك لهذا الأمر بالقول «تحمل الأمر واحضر للعمل، وإلا فابق في المنزل للأبد».

تعكس هذه الحوادث عقلية الاهتمام الأرعن بالربح التي تبناها أصحاب الأعمال خلال موسم عطلة رأس السنة – والذي استمر لأسبوعين – وغياب سيطرة الحكومة. تداولت وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات وصور بدا بها الازدحام الشديد في الحفلات والتجمعات، وهو ما أعطى لمحةً عما ينتظر البلاد في الأسابيع التالية. تفاقمت حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 بعد العطلة، وشرع لبنان في تسجيل أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الإصابات اليومية المسجل قبل قرار تخفيف القيود الحكومي. سجل لبنان يوم الجمعة رقمًا قياسيًّا بلغ 6154 إصابة و44 حالة وفاة.

إجراء فردي- زوجي

أدى الارتفاع الحاد في سجل الإصابات إلى إجبار الحكومة على مواجهة تداعيات قراراتها غير المدروسة، ما دفعها إلى بدء إغلاق ثالث وكامل لمدة 24 ساعة بأقصى مستوى من الإجراءات حتى تاريخه، يشمل ذلك الإجراءات غير العملية والإجراءات التي أثبتت بطلان جدواها سابقًا. خلال الإغلاق الثاني الذي انتهى في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2020، أقرَّ وزير الصحة اللبناني بأن إجراء «فردي- زوجي» تحديدًا كان له تبعات وخيمة، وتكمن فكرة هذا الإجراء بالسماح للمركبات بالسير وفقًا للأرقام التي تنتهي بها لوحاتها، إذ يسمح بسير المركبات التي تنتهي أرقامها برقم مفرد أيام الاثنين والأربعاء والجمعة، أما اللوحات التي تنتهي بأرقام مزدوجة، فأيام الثلاثاء والخميس والسبت، على أن يُمنع السير أيام الآحاد بالمطلق.

أعلن وزير الصحة اللبناني، حمد حسن، في تصريح صحفي أن أثر هذا الإجراء كان سلبيًّا وخطيرًا على صحة اللبنانيين والمصلحة العامة؛ إذ تسبب بمضاعفة أعداد الإصابات بفيروس كورونا بسبب لجوء اللبنانيين إلى النقل العام المشترك، أو زيادة الاختلاط عبر تقاسم السيارات الخاصة للتنقل. إلا أن الحكومة غضت البصر عن مختلف الانتقادات الشديدة التي تلقتها بسبب هذا القرار خاصة من عامة الناس، وأدرجت الإجراء نفسه ضمن قرارات الإغلاق الحالي الأخير. يورد التقرير تنويه بعض الخبراء بأن السبب وراء هذا القرار غالبًا ما يتعلق بتقليل استهلاك الوقود؛ إذ ترزح البلاد تحت ضغوط مالية متعاظمة للمزيد من الاستيراد.

Embed from Getty Images

نفذ إجراء وقائي جديد لأول مرة في لبنان، يقتضي بمنع التسوق الشخصي في محلات السوبر ماركت والمتاجر، ويسمح فقط بالتوصيل، وهو ما تلقى انتقادات واسعة بدوره؛ إذ سُرِّبت أنباء تفاصيل الإغلاق الجديدة قبل تطبيقها رسميًّا، واندفع على إثر ذلك مئات الأشخاص على المحلات والمتاجر لتخزين المواد الضرورية قبل نفادها من الأسواق.

يقابل التقرير أحد المديرين الذي يفضل إبقاء هويته مجهولة، ويتحدث للموقع كيف نفدت العديد من المنتجات من السوبر ماركت الذي يديره فور تسريب أخبار الإجراءات، وتعرضهم لضغوط كبيرة لتلبية احتياجات الزبائن الهائلة، حتى بعد تجديد مخزونهم من البضائع. وينقل التقرير عن صاحب السوبر ماركت قوله: «تمكنا من إحضار المزيد من البضاعة بعد بدء الإغلاق، لكن المشكلة التي نواجهها الآن هي الافتقار للموظفين القادرين على توصيل الطلبات»، مضيفًا أن المشكلة الرئيسية تكمن في الالتزام بإطارٍ زمني: «كان وقت التسليم المعتاد لدينا بين نصف ساعة وساعتين، أما الآن ومع الضغط المتزايد الذي نواجهه أصبح يتطلب زمن التسليم يومًا على أقل تقدير».

«انظر حولك»

وصف وزير الصحة اللبناني السابق الدكتور، كرم كرم، سلوك الحكومة في إدارة أزمة فيروس كوفيد-19 بالسلوك الإجرامي. وصرَّح كرم لموقع «ميدل إيست آي» بتوقع ارتفاع عدد الوفيات ارتفاعًا كبيرًا في الأسابيع القليلة المقبلة، مردفًا: «سنشهد قريبًا ارتفاع حصيلة الوفيات اليومية إلى 100 على الأقل، وربما أكثر من ذلك»، ومضيفًا أن مستوى عدم الكفاءة الذي يتسم به المسؤولون اللبنانيون سيؤدي إلى كارثة.

وينقل التقرير عن الدكتور كرم قوله أيضًا: «كان لبنان يُعد يومًا الوجهة الطبية الأولى في الشرق الأوسط، ولكن، انظر حولك الآن، بدأت العديد من الدول العربية بإعطاء اللقاحات بالفعل، بينما اكتشف المسؤولون اللبنانيون للتوِّ حاجتهم لتعديل قانون معين من أجل تلقي اللقاح».

Embed from Getty Images

أقرَّ البرلمان اللبناني يوم الجمعة الفائت قانونًا يمهد الطريق أمام الحكومة لتوقيع اتفاقات لاستيراد لقاحات للوقاية من فيروس كورونا، ويتضمن القانون مادة تشير إلى وزارة الصحة اللبنانية بصفتها الجهة الوحيدة المسؤولة عن أي تعويضات، ويأتي هذا بعد تأخر موعد وصول لقاح فايزر المفترض إلى منتصف شهر فبراير (شباط) المقبل بسبب تأخر توقيع العقد مع الشركة للإشكاليات القانونية المذكورة، ورفض الشركة التخلِّي عن حقها في رفع المسؤولية عنها بخصوص الأعراض الجانبية غير المحسوبة للقاح، وقد تلقت الحكومة اللبنانية انتقادات موسعة لعدم استعداديتها لهذا الاحتمال وتأخرها الملحوظ في هذا المجال.

تلقى وزير الصحة اللبناني، حمد حسن، الحصة الأكبر من الانتقادات بسبب إدارة وزارته للأزمة، علمًا بأنه أُدخل إلى وحدة العناية المركزة في مستشفى سان جورج يوم الخميس بعد إصابته بالفيروس. انتشرت تصريحات مختلفة للوزير سابقًا يطالب فيها اللبنانيين بالالتزام بإجراءات السلامة، معتبرًا أن مسؤولية سلامتهم تقع على عاتقهم من حيث تدابير الوقاية وما إلى ذلك، لكن هذه التصريحات نفسها تعارضت مع الصور والفيديوهات التي ظهر بها وهو يحضر وليمة غداء كبيرة خلال الإغلاق الثاني، وغير ذلك من خروقات للإجراءات الوقائية المعتادة.

اعتذر حسن لاحقًا عن «خطأه» قائلًا بأنه كان عليه أن لا يشارك بمثل هذه المناسبة. علمًا بأن المجلس الأعلى للدفاع اللبناني أعلن يوم الاثنين فرض حالة طوارئ صحية لمواجهة تفشي فيروس كورونا، وهو قرار متأخر وفقًا للتقرير وعدَّه العديد من خبراء الصحة خطوةً لن تنقذ البلاد من الأزمة الصحية التي تبدو في الأفق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد