إن العلوم مؤسسة بشرية، لذلك هناك قدر من الغيرة والتنافس وعدم الاستعداد لقبول الأخطاء، لكن الميزة الكبيرة هي أن ثقافة العلم تعارض هذا القصور، والمشروع الجماعي للعلوم يلغيها.

قال آدم روجرز في مقال له على موقع «Wired» إنه قد اتصل قبل 20 عامًا بكارل ساجان؛ كي يسأله عن السبب الذي يجعل الناس يؤمنون بأشياء مجنونة.

وأوضح روجرز أن عالم الفلك ساجان – صاحب رسائل «التسجيل الذهبي» إلى أي كائنات خارجية قد تجد مسبار الفضاء «Voyager»، ومؤسس ومقدم برنامج «كوزموس»، والروائي – هو أحد أفضل العلماء المعروفين في القرن الـ20، وأنه لو كان معنا اليوم فسيكون في الـ83 من العمر.

يقول روجرز إنه كان يعمل مدقق حقائق بقسم العلوم في مجلة «نيوزويك»، فكان في الغالب ينقل قصص الآخرين. وفي منتصف عام 1996، نشرت المجلة عن الظواهر الخارقة، وكان هو من ضمن الفريق الذي عمل على الموضوع.

ألّف ساجان كتابًا يسمى «عالم تسكنه الشياطين» تحدث فيه عن توظيف العلم في فهم الكون وتحرير الناس من مخاوفهم من الظواهر غير الطبيعية. وهو صاحب المقولة الشهيرة «إن الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية». لذا بعد أن قرأ الكتاب – يشير روجرز – اتصل بساجان بحماس بالغ.

اقرأ أيضًا: دراسة: الإلحاد أكثر انتشارًا.. لكنّ ذلك لا ينطبق على الشرق الأوسط

يقول روجرز إن ساجان تحلى بالكرم الزائد، وأجاب على أسئلته الغبية بالقول «عندما أصبحت الأطباق الطائرة موضوعًا رائجًا في سنوات مراهقتي، بدا لي أن الحدث جلل. كنا قد خرجنا إلى الفضاء للتو، فما الذي يمنع تواصل حضارة خارجية معنا؟ يبدو ذلك مبشرًا للغاية، ولكن عندما علمتُ عن المواقف المتشككة المنطقية للعلم، وكيف أننا اعتدنا على أن نخدع أنفسنا، بدأت النظر في هذا الأمر بالكثير من التشكك».

يعتقد ساجان – الملحد – أن فكرة الأطباق الطائرة خرافية مثل فكرة الدين. أثناء الحرب الباردة – كما قال ساجان – «كان الناس في قمة الهلع من هلاك الجنس البشري. لذا كانوا يواسون أنفسهم بفكرة تدخل دخلاء من العالم الخارجي لإنقاذهم».

ولكن ليس لكون فكرة ما مريحة يعني أنه يجب تصديقها – يشدد روجرز – يضيف ساجان «إن قضية حساسة كهذه يجب دعمها بأدلة قطعية، وهو ما لا يتوفر حتى الآن. لماذا نؤمن بشيء عندما تكون الأدلة عليه هزيلة جدًا؟» يؤكد روجرز أن كلام ساجان لا يزال عالقًا في ذهنه – ففكرة أن الاعتقاد هو عمل قوي جدًا يلتزم الإنسان به، تتطلب جذورًا راسخة للحقيقة.

بيت القصيد هنا – يواصل روجرز كلامه – هو أن البشر لديهم القدرة على القيام بذلك. يمكننا أن نعرف الأشياء غير المعروفة. يقول روجرز:

من بإمكانه وضع حدود لما سنعرفه؟ إن عدم المعرفة هو فشل عميق للمخيلة. ومن يمكنه أن يشك في أن هناك عددًا هائلًا من الأشياء غير المعروفة؟

الوقت الراهن يمثل لحظة صعبة للعلوم – يستدرك روجرز – فالتدابير التصحيحية الداخلية – مثل الدفع نحو زيادة القدرة على التكاثر والقوة الإحصائية في المجالات الممتدة من علم النفس إلى العلوم البيولوجية – يجب أن تعرض نقاط الضعف قبل أن تتمكن من إعادة بناء القوة. ويؤدي النقص في تمثيل النساء وذوي البشرة الملونة في البحث العلمي إلى تقليل النتائج وبناء ديناميات القوة التي تسمح بالمضايقة والمعاملة السيئة.

وعلى الصعيد الخارجي، لا يجد المرشحون السياسيون، في مواقع صنع السياسات في مجال العلم، مشكلة في رفض الإجماع العلمي على أن البشر هم سبب الاحتباس الحراري. وتستخدم جماعات المصالح السياسية أهدافًا دينية للتأثير في القرارات المتعلقة بالسياسات بشأن كل شيء، بدءًا من الرعاية الصحية، وحتى لافتات الحمام.

قال ساجان «إن العلوم مؤسسة بشرية، لذلك هناك قدر من الغيرة، والتنافس، وعدم الاستعداد لقبول الأخطاء. لكن الميزة الكبيرة هي أن ثقافة العلم تعارض هذا القصور، والمشروع الجماعي للعلوم يلغيها. نحن نقدم أعلى المكافآت لمن يرفضون نظريات علمائنا الأكثر تبجيلًا».

وهذا يعني – كما قال – إن العلم كممارسة يستحق الدفاع. يواصل ساجان القول «يجب أن نقنع أكثر المشككين، حتى لو كان هناك من يخشون السلطة. وحتى لو كان هناك أولئك الذين يعتقدون بغياب الأدلة على النظريات العلمية».

لم يكن ساجان مثل فولكان، إذ لم يأمل أن تُستبدل بالشياطين جداول البيانات. وأضاف «إن النصف الآخر من العلم هو شعور عجيب، وهو الارتقاء والروحانية. ولكن لا يجب أن نؤمن بما ترتاح له أنفسنا، لأن كل أنواع الخداع تبدأ من هذا المنطلق. يجب أن نؤمن بما هو حقيقي، والطريقة الوحيدة التي عرفها البشر لمعرفة ما هو صحيح هي العلم».

يقول روجرز إنه قد تحدث إلى ساجان مرة أخرى في ذلك العام، عندما بدا أن العلماء قد وجدوا أدلة على حياة قديمة على سطح المريخ، لكن ساجان كان متشككًا. قال «من المهم أن نكون حذرين؛ لأننا يمكن أن ننخدع». وبعد أربعة أشهر، توفي في ديسمبر (كانون الأول) 1996. وقد كان على حق في حذره – يشدد روجرز – إذ تبين أن وجود الحياة على المريخ نظرية خاطئة.

هذه الحقائق ليست بديهية، وهذا ما يجعلها صعبة. وقد يكون من الصعب فهمها، أو أنها تتعارض مع الحدس أو معتقدات الأجداد، لكن ساجان أدرك أن ذلك لا يجعلها أقل صحة، بل يجعلها أكثر أهمية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد