قالت الكاتبة أليسا برنستاين في مقال لها على موقع مجلة «فورين بوليسي» إن السلطات المصرية تستخدم قانون مكافحة «الفجور» لقمع المثليين في مصر.

وأوضحت برنستاين أنه على الرغم من عدم وجود قانون يجرم المثلية في مصر، إلا أن السلطات تشن حملة شرسة عليهم. عاد الأمر إلى دائرة الضوء مجددًا في أعقاب اعتقال السلطات حوالي 60 رجلًا وامرأة رفعوا «راية قوس القزح» الخاصة بالمثليين في حفل لفرقة «مشروع ليلى» اللبنانية، التي يقودها المطرب المعروف بميوله المثلية حامد سنو.

ولم تكتفِ الشرطة بذلك، بل أجرت كشوفًا عليهم لمعرفة إن كانوا يمارسون الجنس الشرجي أم لا. وتقول سارة حجازي – وكانت إحدى الموقوفات – إنها تعرضت لمعاملة سيئة من السجانين وزميلاتها الجنائيات. وقد أدان القضاء 17 شخصًا منهم. ترافق ذلك مع حملة إعلامية شرسة على المثليين – تشدد برنستاين – وقد اشتد قمع السلطات للمثليين واتخذ عدة صور، كان من بينها إنشاء صفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي لجذبهم والإيقاع بهم.

اقرأ أيضًا: هل أوروبا وأمريكا هما جنة المثليين على الأرض حقًا؟

تستند الدولة في حملتها على القانون رقم 10 لعام 1961. يجرم القانون الدعارة والفجور، ويُعاقب مرتكبوها بالسجن حتى ثلاث سنوات، تتبعها ثلاث سنوات أخرى تحت المراقبة. كما استغلت الدولة نفس القانون لمعاقبة المدافعين عن حقوق المثليين.

تاريخ «مكافحة الفجور» في مصر

كما أشرنا سابقًا – تشير برنستاين – يجرم القانون الانخراط في أو تسهيل الفجور والدعارة. وقد أضيفت كلمة الفجور للإشارة إلى المثلية بين الرجال. ولأن المصطلح فضفاض، فقد استخدمته السلطات لشن حملة اضطهاد ضد المثليين والمتحولين جنسيًا والمدافعين عنهم.
إبان الاحتلال البريطاني لمصر كانت الدعارة مهنة معترفًا بها ولها قانون ينظمها – تضيف برنستاين. ولكن مع تدشين حملة عالمية ضد الدعارة، وظهور النزعة الدينية في مصر، أقرّ البرلمان القانون رقم 10 لعام 1951 الذي يجرم الفجور والدعارة. بعد ذلك امتد القانون ليشمل سوريا في عام 1961 بعد الوحدة مع مصر، فبات يعرف بالقانون 10 لعام 1961. وقد جاء إصدار القانون تماشيًا مع معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الإتجار في البشر التي انضمت مصر إليها في عام 1959.
وتنوه برنستاين أنه في ظل حكم الرئيس السابق حسني مبارك شنت السلطات حملة اعتقالات ضد المثليين. وكانت الحملة الأعنف في منتصف عام 2001، عندما اعتُقل 52 مثليًا على متن قارب في النيل. وحظيت محاكمتهم بتغطية إعلامية ضخمة، حيث حُكم على 21 منهم بالسجن ثلاث سنوات. وأشار المراقبون إلى أن نظام مبارك استغل الحادثة لصرف الأنظار عن الأزمتين السياسية والاقتصادية اللتين تعاني منهما البلاد. وفي عام 2008، اعتقلت قوات الأمن العشرات ممن يشتبه في إصابتهم بالإيدز وحكمت بالسجن على بعضهم.
عندما اشتعلت ثورة ميدان التحرير في عام 2011 – تواصل برنستاين حديثها – توقفت الحملة ضد مجتمع المثليين، على الرغم من أن بعض الاحتجاجات رفعت شعارات تدعو إلى الحرية الجنسية. وتحسنت أحوال المثليين، فبدأ المثليون يعلنون عن أنفسهم ويقيمون احتفالات جماعية وحملات ترويج لأفكارهم على وسائل التواصل الاجتماعي. واللافت للانتباه هنا هو أنه تحت حكم الرئيس المعزول محمد مرسي – المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين – لم تشن الحكومة حملة قمع ضد المثليين، وتعتقد برنستاين أن السبب في ذلك هو عدم سيطرة مرسي بالقدر الكافي على أجهزة الأمن.
بعد إطاحته بالرئيس المنتخب – تقول برنستاين – واستيلائه على السلطة، شن الرئيس عبد الفتاح السيسي حملة موسعة ضد المثليين. ففي أواخر عام 2013، اعتقلت قوات الأمن 10 رجال في حفل للمثليين بتهمة «خدش الحياء العام». وحُكم بالسجن على أكثر من 100 شخص بالسجن في عام 2015 بتهمة «الترويج للانحراف الجنسي».
وتشدد برنستاين على أن نظام السيسي لا يتورع عن استخدام كافة أشكال القمع مع معارضيه من الإسلاميين والعلمانيين. إذ تعج السجون المصرية بحوالي 60 ألف معتقل. وقد دفع هذا إلى انتقاد الولايات المتحدة أوضاع حقوق الإنسان في مصر ووقف جزء من المساعدات العسكرية التي تتلقاها القاهرة. كانت مصر قد أصدرت قوانين تقيد عمل منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان بمن فيهم المثليين.
لكن برنستاين ترى أن الحملة ضد المثليين التي يشنها نظام السيسي لا تدخل ضمن نطاق قمع المعارضة السياسية، إذ يحاول السيسي التظاهر بأنه حتى رغم انقلابه على رئيس ذي خلفية إسلامية، إلا أنه يقدر القيم الدينية المحافظة. وتحظى عمليات الدهم التي تقوم بها شرطة الآداب في مصر بتغطية إعلامية واسعة في محاولة لتحسين السمعة السيئة للشرطة المصرية. وهي محاولة من جانب السيسي للقول – حسب رأي أحد النشطاء – إنه ليس أقل اهتمامًا بالدين من الرئيس التابع لجماعة الإخوان المسلمين.
تتأهب مصر لإجراء انتخابات رئاسية في مطلع ربيع 2018، ومن المرجح أنه يفوز السيسي بها باكتساح، على الرغم من عدم قدرته على تعزيز الاقتصاد المتدهور. ولكن يجب على السيسي أن يواصل حملته من أجل تحقيق نصر محترم، وأن يحافظ على الدعم لنظامه. وترى برنستاين أن حماية القيم الاجتماعية المحافظة هي إحدى الوسائل لتعزيز شرعية حكومته، وحتى عندما يُكره على خطوات ليبرالية مثل تعيين المزيد من القيادات النسائية، يقول مازحًا «لا أريد أن يسيء الرجال فهمي، لا سيما مع اقتراب الانتخابات».

اقرأ أيضًا: مترجم: لماذا ترفض بعض الدول المثلية الجنسية؟ المال والديمقراطية والدين

يؤيد برلمان مصر بصرامة قمع الحكومة لمجتمع المثليين، ويأمل البعض أن تزداد وتيرته. وقد طرح البرلمان مشروعي قانونين جديدين لتغليظ عقوبة الفجور والدعارة، بما في ذلك مراقبة الرسائل الإلكترونية، وزيادة العقوبات إلى خمس سنوات. وقد أدانت الجماعات الدولية لحقوق الإنسان مشروع القانونين.

اضطهاد المدافعين عن حقوق المثليين

تقول برنستاين إن الحكومة تشن حملة ضد الشخصيات الإعلامية والمؤلفين الذين يتحدثون عن التحرر الاجتماعي. يسمح القانون المصري للأفراد برفع دعاوى قضائية بزعم تعرضهم لضرر بسبب الفحش. وقد جرى اقتباس هذا الإجراء من إجراء قانوني فرنسي موروث، ولكنه يعكس أيضًا الضغوط التي ينفذها الناشطون المحافظون الذين ضغطوا على الحكومة المصرية لتبني آليات إنفاذ الأخلاق الاجتماعية الإسلامية التقليدية.
عقب تقديم أحد المواطنين شكوى، حكم على المذيعة دعاء صلاح بالسجن ثلاث سنوات لتأييدها السماح للنساء العازبات بإنجاب أطفال، ودعمها الأمهات غير المتزوجات، وتأكيدها على أنها تؤيد استئجارهن بعض الرجال للتبرع بالحيوانات المنوية. ولا زالت القضية قائمة في المحكمة. كما يستخدم القانون رقم 10 لعام 1961 وغيره من القوانين لتضييق الخناق على الفنانين والمؤلفين مثل أحمد ناجي، الذي سجن بسبب «انتهاك الأخلاق العامة».

كما يحاكم خالد علي، محام يساري مدافع عن حقوق الإنسان ومنافس محتمل ضد السيسي في انتخابات الرئاسة، بتهمة إثارة الفوضى العامة ونشر الفاحشة. وبلغت الحملة ذروتها بمحاكمة المغنية شيرين عبد الوهاب بسبب نكتة عن تلوث مياه النيل، وطاردت قوات الأمن الباعة الجائلين لمصادرة لعبة اعتبرت إهانة للسيسي.

اقرأ أيضًا: هل تقبُّل المثليين يؤدي إلى دمار الحضارات؟ 3 حضارات عريقة تجيبك

بطبيعة الحال، ليست مصر البلد الوحيد الذي يوجد فيه محاكمات للمثليين وقمع لحرية التعبير. فقد أدانت الأمم المتحدة مؤخرًا عمليات القمع في إندونيسيا وأذربيجان، وكذلك في مصر. وحتى في لبنان، وهي ربما أكثر البلدان العربية تسامحًا مع المثليين، تستهدف الشرطة مجتمعاتهم.

أما في إيران والسعودية واليمن، فإن عقوبة المثلية هي الإعدام. كما أن قوانين مصر ضد الفجور مطبقة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وغيرها من البلدان. ومع ذلك، في الوقت الذي تحاول فيه مصر تقوية سجلها الدبلوماسي وتحسين سمعتها على الساحة الدولية، من المهم أن نلاحظ أن السيسي يقمع طيفًا كبيرًا من المعارضة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات