نشر موقع ستراتفور الأمريكي تحليلًا حول احتمال تصعيد التوتر في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج وتطوره إلى صراع شامل، على خلفية تخلي إيران تدريجيًّا عن التزاماتها بموجب الاتفاق النووي الذي أبرمته مع القوى العالمية؛ ردًّا على انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة وفرض عقوبات اقتصادية جديدة، في إطار حملة واشنطن «للضغوط القصوى» على طهران.   

خلص التحليل إلى ثلاثة استنتاجات رئيسية:

– يمكن للحوار بين الرياض وطهران أن يساعد في تقليص بعض المخاطر المادية التي تمثلها إيران على المملكة العربية السعودية.

– ومع ذلك، فإن احتمال أن تعلن إيران قريبًا عن المزيد من الخروقات للاتفاقية النووية الموقعة عام 2015، ربما يشعل التوترات الإقليمية.

– في أكثر السيناريوهات تطرفًا، فإن تطوير إيران لبرنامجها النووي، وأنشطتها من خلال وكلائها في العراق وأماكن أخرى؛ يمكن أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية خلال العام المقبل.

يستهل التحليل بالإشارة إلى تراجع استفزازات إيران ووكلائها ضد السعودية وضد عمليات الشحن البحري الإقليمي، بعد الهجمات الدرامية بصواريخ كروز والطائرات بدون طيار على منشآت النفط السعودية، في بقيق وخريص في 14 سبتمبر (أيلول). ومع اختيار إدارة ترامب تجنب الانتقام العسكري المباشر ضد إيران – حتى بعد توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى طهران في هجمات سبتمبر – تراجع السعوديون عن موقف المواجهة الحادة تجاه إيران لصالح السعي إلى إجراء حوار لتخفيف التوتر.

دولي

منذ 10 شهور
حربٌ محتملة تلوح في الأفق.. هذه خيارات إيران في حال أعلنت أمريكا الحرب عليها

أمريكا وإيران تسعيان لتجنب التصعيد

في سياق المنافسة الأكبر، ترغب إيران والولايات المتحدة بنهاية المطاف في تجنب الوصول إلى تصعيد قد يشعل صراعًا عسكريًّا، ومع ذلك فإن طهران لديها كل الأسباب لمواصلة الضغط على واشنطن للتخلي عن حملة «الضغط الأقصى» من العقوبات، مما يعني أن الطرفين سيبقيان على مسار تصادمي. 

على سبيل المثال، فإن إعلان إيران في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) أنها ستتخذ خطوات إضافية للتراجع عن بعض التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) – المعروفة بالصفقة النووية الإيرانية – وضعها على الطريق نحو إعادة تنشيط أجهزة الطرد المركزي الأكثر تقدمًا لديها، وتخزين اليورانيوم المخصب الخفيف بوتيرة أسرع، والتراجع عن تحويل منشأة فوردو Fordow لأغراض غير تخصيب اليورانيوم. 

ونتيجةً لذلك، فإن المخاوف المتعلقة بتخفيض المدة المتبقية أمام إيران لتجاوز العتبة النووية (الوقت اللازم لتخصيب اليورانيوم إلى مادة انشطارية لإنتاج رأس حربي نووي واحد) يمكن أن تعود إلى الظهور بحلول الربيع، وتتسبب في حدوث أزمة بحلول الصيف بسهولة. 

إضافة إلى ذلك، فإن تثبيت إيران صواريخ باليستية في العراق وسوريا ولبنان، لاستهداف إسرائيل، فضلًا عن زيادة تكرار الهجمات التي تشنها الميليشيات العراقية المدعومة من إيران ضد القوات الأمريكية في العراق، يمكن أن يثير انتقامًا من الولايات المتحدة أو إسرائيل قد يضع المنطقة بسهولة على الطريق نحو الحرب.

 هل نقول وداعًا للاتفاق النووي الإيراني؟

من بين دول الخليج العربية، حافظت السعودية، والبحرين، والإمارات منذ فترة طويلة على مواقفهم الأكثر تصادمية تجاه إيران، وما زالت تشعر بقلق عميق إزاء الهيمنة الإيرانية في الشرق الأوسط والخليج العربي. 

ولكن بالنظر إلى خطورة هجوم بقيق، ووجود العديد من براميل البارود التي يمكن أن تشعل حريقًا إقليميًّا، وعجز الرياض وأبو ظبي عن التحكم في كيفية تعامل إسرائيل وواشنطن مع إيران، فمن المنطقي أن تسعى هذه القوى الخليجية الحذرة لإجراء حوار مع طهران يمكن أن يؤدي إلى تهدئة التوترات عبر الخليج العربي. 

يأتي هذا في حين تركز السعودية على جذب استثمارات أجنبية خلال العام المقبل، مما يعني أنها ترغب بشدة في استقرار منطقة الخليج العربي. وبالنسبة لإيران أيضًا، يمكن أن تساعد متابعة الحوار في تعطيل العلاقات الوليدة بين إسرائيل ودول الخليج العربية.

ويستدرك الكاتب: غير أن التوترات السعودية- الإيرانية ليست هي السبب الوحيد المحتمل للتصعيد في الشرق الأوسط؛ لأن طهران ما زالت تأمل في الضغط على الولايات المتحدة لتخفيف بعض العقوبات، من خلال تخليها ببطء عن التزاماتها بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة.

وحتى وقت قريب، كانت إيران تخطو بحذر، واتخذت خطوات متواضعة لتجنب إعطاء الولايات المتحدة وإسرائيل ذريعة لاتخاذ إجراءات ردًّا على تسريع الجدول الزمني لتجاوز العتبة النووية، أو إعطاء أوروبا ذريعة للاحتجاج بآلية حل النزاع التابعة لخطة العمل المشتركة الشاملة، أو الانسحاب من المعاهدة.

إيران تتبع سياسة حافة الهاوية مع أمريكا

ويتابع الكاتب أنه في الفترة ما بين 4 و6 نوفمبر، أشارت إيران إلى أنها ستواصل المزيد من إجراءات سياسة حافة الهاوية مع الولايات المتحدة، من خلال زيادة الوتيرة التي تنتج بها اليورانيوم المخصب وتجديد العمل على أجهزة طرد مركزي للتخصيب أكثر تقدمًا. ونتيجة لذلك، يمكن أن تعجل إيران إلى حد كبير زيادة التوتر بحلول الصيف المقبل، وهو أمر لن يتسامح معه الصقور المناوئون لإيران في الولايات المتحدة.

على وجه التحديد، بدأت إيران في تخزين اليورانيوم المخصب من أجهزة الطرد المركزي من نوع  IR-2 وIR-4 وIR-6 الأكثر تقدمًا في منشأة نطنز. علاوة على ذلك، أبلغت طهران الوكالة الدولية للطاقة الذرية عزمها على استئناف اختبار وتطوير أجهزة الطرد المركزي من نوع IR-7 وIR-8 وIR-9 الأكثر تقدمًا.  

ووفقًا لخطة العمل المشتركة الشاملة، لا يمكن لإيران أن تجرى أبحاثًا على تصميمات جديدة على هذا النوع من أجهزة الطرد المركزي إلا باستخدام نماذج الكمبيوتر. وإذا أثبتت الاختبارات نجاحها، فإن أجهزة الطرد المركزي الأحدث هذه يمكنها أن تقلل بشكل كبير وقت إنتاج المواد الانشطارية، إذا بدأت معالجة غاز سداسي فلوريد اليورانيوم. أيضًا أقدمت الجمهورية الإسلامية على تنشيط أجهزة الطرد المركزي الأقدم من نوع IR-1 في فوردو، بينما لا تسمح خطة العمل المشتركة الشاملة لإيران بمعالجة اليورانيوم.

اجتياز العتبة النووية

ووفقًا لما ذكره علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، فإن هذه الانتهاكات الجديدة للاتفاق النووي رفعت إنتاج إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب من 450 جرامًا يوميًّا إلى 5 كجم يوميًّا. 

كما لاحظ العديد من الخبراء النوويين، فإن هذا المعدل من الإنتاج يمكن أن يزيد مخزون إيران الحالي البالغ 372 كيلوجرامًا إلى ما يقرب من 1050 كيلوجرامًا، وهو القدر المطلوب لتجاوز العتبة النووية لإنتاج المواد الانشطارية بحلول أبريل (نيسان) 2020. 

وفي نهاية المطاف، ستعتمد المدة المطلوبة لتجاوز العتبة النووية على معدل الإنتاج الإجمالي لمجمع التخصيب لدى إيران، والذي يمكن أن توسعه أكثر إذا ما نشرت أجهزة طرد مركزي متقدمة إضافية.

ويشير الكاتب إلى أن كثيرين من صناع القرار في الولايات المتحدة، بمن فيهم الديمقراطيون الذين كانوا ينتقدون انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي، سيعتبرون تقليل الفترة التي تحتاجها إيران لتجاوز العتبة النووية بمثابة أزمة، وهذا حتى بدون انتقال إيران لتخصيب اليورانيوم إلى الدرجة المستخدمة في تصنيع الأسلحة، أو وقف أعمال المراقبة التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 علاوة على ذلك، قال صالحي إن إيران تنوي الإعلان عن جولة أخرى من التخلي عن التزاماتها بموجب الاتفاق النووي في 5 يناير (كانون الثاني)، بما في ذلك التحركات التي يمكن أن تقلل المدة المطلوبة لتجاوز العتبة النووية عن طريق رفع الحد الأقصى لمستوى التخصيب من 4.5% حاليًا أو نشر المزيد من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة أو كليهما.

تجارب إيران

أصفهان – إيران

كيف سترد الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي؟

يتابع الكاتب أن الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) لم تحتجّ حتى الآن بآلية حل النزاعات الخاصة بالاتفاق، إلا أنها من المحتمل أن تفعل ذلك في النصف الأول من عام 2020، وربما في وقت مبكر من الشهر المقبل إذا اتخذت إيران خطوات جوهرية. 

ويحذر الكاتب من أنه بدون مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن هذا الإجراء يمكن أن يقضي رسميًّا على الاتفاق النووي، مما يعني أن الآلية الوحيدة التي ستقيد التطوير النووي لطهران هي معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، التي تسمح للدول بتقليل المدة المطلوبة لتجاوز العتبة النووية إلى الحد الأدنى دون انتهاك المعاهدة.

ويشير الكاتب إلى أن جهود الوساطة التي بذلها كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي استمرت وراء الكواليس خلال الأشهر الأخيرة، لكن لا توجد أي إشارات على تحرك من واشنطن أو طهران نحو حل وسط (أو استسلام) من شأنه تسهيل المفاوضات المباشرة. 

وبما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه إقالة محتملة في مجلس الشيوخ الأمريكي، ومع اقتراب حملة إعادة انتخابه، فربما يكون من الصعب على البيت الأبيض التركيز على إيجاد مخرج من مسار قد يؤدي إلى أزمة بحلول الصيف، في ظل رغبة الرئيس تجنب اشتعال صراع حاد.

العامل الإسرائيلي

وبالمثل، فإن حشد إيران للوكلاء والصواريخ في العراق، وسوريا، ولبنان يمكن أن يضع المنطقة على شفير الحرب، خاصة وأن إسرائيل سوف تتحرك منفردة لكبح النفوذ الإيراني عندما يتصادم مع مصالحها. 

يأتي هذا في حين تشن إسرائيل بالفعل ضربات جوية شرسة على سوريا، ومنذ الصيف الماضي شنت حملات مشابهة في العراق ولبنان. يأتي ذلك في إطار سعي الجيش الإسرائيلي لتقليص قدرة إيران على استخدام صواريخ بعيدة المدى لتهديد إسرائيل، وفرض تكلفة عالية على إيران لحشدها العسكري في هذه البلدان.

ويشير الكاتب إلى أن كل دولة لديها نمط تصعيد مختلف. فلبنان، على سبيل المثال، هو واحد من أكثر المناطق الحساسة بالنسبة للحشد الإيراني. وهذا يرجع جزئيًّا إلى أن وكيل إيران اللبناني، حزب الله، هو وكيل طهران الأكثر قدرة، لذلك تشعر إسرائيل بالقلق إزاء تداعيات اندلاع صراع واسع النطاق. 

ووفقًا لذلك، تتصدى إسرائيل للمصالح الإيرانية في لبنان بضبط نفس أكبر مما هو في سوريا أو العراق. ففي سوريا المجاورة، يمثل الحشد الإيراني استفزازًا لإسرائيل، ولكن يستبعد أن يتصاعد إلى حرب إقليمية، إذ أصبحت الضربات الإسرائيلية الموجهة للقوات الإيرانية جزءًا من نمط مواجهتهما المستمرة، وقررت طهران تحمل هذه الحملة بدلًا من إشعال حرب إقليمية.

علاوة على ذلك، ما تزال الحكومة السورية ضعيفة نتيجة للحرب الأهلية، وعطلت حملة القصف الإسرائيلية المستمرة منذ سنوات الحشد الإيراني، مما يجعل من المستبعد أن ترد دمشق وطهران بضرب إسرائيل بالقدر ذاته من الفعالية.

بعد ضرب سوريا.. تعرف إلى أبرز  الضربات العسكرية الأمريكية ضد 6 دول عربية 

تجاوز الخط الأحمر الأمريكي في العراق

أخيرًا، في العراق، دفع التوسع العسكري الإيراني إلى شن إسرائيل بعض الغارات الجوية على صواريخ طهران الباليستية في البلاد، مما حدا بوحدات الحشد الشعبي في العراق، والتي يرتبط العديد منها بصلات مع إيران، إلى البحث عن طرق للانتقام من إسرائيل أو حليفتها أمريكا. 

وربما تؤدي مثل هذه الأعمال الانتقامية إلى وقوع إصابات أو قتلى في صفوف القوات الأمريكية، مما قد يؤدي إلى تصعيد متبادل، خاصة بعد أن أخبر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الزعماء العراقيين في يونيو (حزيران) أن قتل الأمريكيين سيعد تجاوزًا للخط الأحمر لدى واشنطن. 

وفي الحقيقة، تعرضت القواعد الأمريكية لمضايقات من قِبل قوات لم يجر التحقق منها بعد، مما أدى إلى حدوث حالة واحدة على الأقل من الانتقام الأمريكي الذي سجلته التقارير ضد وحدات الحشد الشعبي. 

على سبيل المثال، بعد هجوم الثالث من ديسمبر (كانون الأول) على قاعدة عين الأسد في العراق، قيل إن القوات الأمريكية ساعدت يوم 19 ديسمبر في إلقاء القبض على قائد في وحدات الحشد الشعبي الذي يُزعم أنه على صلة بالهجوم. 

في النهاية؛ لأن الانتقام من قبل وحدات الحشد الشعبي يمكن أن يجر الولايات المتحدة إلى المعركة، ولأن الحشد الإيراني ما يزال في مراحله الأولى، أظهرت إسرائيل بعض ضبط النفس في الآونة الأخيرة في شن ضربات على العراق.

هل اقتربت لحظة المواجهة؟

في الختام يقول الكاتب إن تطوير إيران لأنشطتها النووية وأفعالها في العراق وبلاد الشام تشير إلى أن فترة هدوء التوترات التي سادت منذ هجمات بقيق وخريص على وشك الانتهاء. 

صحيح أن جميع الأطراف ترغب في تجنب اندلاع حريق، إلا أن إيران تشعر بالقوة بسبب تصورها للضعف الأمريكي، مما يعني أن هذه المسارات تمثل مخاطر متزايدة في عام 2020. وستزداد مخاطر المسار النووي بمرور الوقت ما لم تتمكن الدول من إيجاد مخرج، على الرغم من أن إيران يمكن أن تخرج بمفاجأة في أي وقت، تغرق المنطقة في الصراع.

دولي

منذ 11 شهر
«ناشيونال إنترست»: 5 أسلحة ستفوز بها أمريكا في أي حرب مقبلة ضد إيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد