بشق الأنفس، ظلَّت نتائج الانتخابات في عام 2016 في ولاية مينيسوتا لصالح مرشحي الحزب الديمقراطي. وإذا سلَّمنا جدلًا بأن هناك رد فعل عنيف للاحتجاجات، فهل يمكن أن تتحول نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها يوم الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2020 لصالح الحزب الجمهوري؟

نشر موقع «Vox» الإخباري تقريرًا للمراسلة الصحفية إيلا نيلسن حول التداعيات السياسية للاحتجاجات والمظاهرات المندلعة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا منذ عدة أيام ردًّا على مقتل جورج فلويد؛ المواطن الأمريكي من أصل أفريقي.

وفي بداية التقرير، ذكرت المراسلة أنه في اليوم نفسه، 25 مايو (أيار)، الذي قتلت فيه شرطة مينيابوليس جورج فلويد، نُشِر استطلاع رأي يظهر احتدام المنافسة والاقتراب الشديد بين المتنافسَيْن في السباق الرئاسي جو بايدن، والرئيس دونالد ترامب في ولاية مينيسوتا.

تاريخ

منذ 4 أسابيع
«ذي أتلانتك»: أسوأ من 1968.. هل يجعل ترامب 2020 أسوأ عام في تاريخ أمريكا الحديث؟

وفي حين يُعتقد أنها بالتأكيد ولاية زرقاء (غالب أصوات الناخبين فيها تذهب لصالح الحزب الديمقراطي) في الانتخابات الرئاسية، تبدو مينيسوتا الآن وكأنها ساحة قتال خامدة، قد تفجِّر مفاجأة في عام 2020. 

ومن السابق لأوانه للغاية معرفة ما إذا كان مقتل فلويد أو احتجاجات مينيابوليس التي أعقبته ستؤثر، أو كيف ستؤثر، في انتخابات الرئاسة في نوفمبر. لكن بعض الخبراء السياسيين يتساءلون عما إذا كانت الاحتجاجات السلمية التي تشوبها أعمال عنف ودمار، يمكن أن تسبب الذعر للناخبين المتأرجحين في الولاية – لاسيما النساء في الضواحي البيضاء – التي يحتاج الديمقراطيون إلى الفوز فيها.

منافسة محتدمة

ونقل التقرير عن ديفيد شولتز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هاملين في سانت بول، قوله: «أعتقد أن الناس في الضواحي يقولون إنه لا يمكن أن يكون لديك ضباط شرطة يخنقون المواطنين». 

وأضاف شولتز: «أكاد أرى كثيرًا من هؤلاء الناخبين في الضواحي الذين صوتوا للديمقراطيين في 2018 وهم يقولون: «حسنًا، ربما يستطيع ترامب أن يجلب القانون والنظام هنا أو يجلب شيئًا من السلام». 

Embed from Getty Images

أهالي مدينة مينيابوليس ولاية مينيسوتا احتجاجًا على مقتل فلويد 

واستعرض التقرير نتائج استطلاع للرأي أجرته صحفية «ستار تريبيون» (أكبر صحيفة في مينيسوتا)/ محطة «إم بي آر» الإذاعية التابعة لراديو مينيسوتا العام/ محطة «كيه إيه آر إي» التلفزيونية التابعة لشبكة «إن بي سي»، نشر في 25 مايو، وخلص إلى أن نائب الرئيس السابق يتقدم على ترامب بخمس نقاط فقط، 49-44%، وكان 7% من المشاركين في الاستطلاع لم يقرروا بعد. فيما بلغ هامش الخطأ في الاستطلاع 3.5 نقاط.

وأوضحت المراسلة أنه يوجد في ولاية مينيسوتا حاكم ديمقراطي، وعضوان ديمقراطيان في مجلس الشيوخ الأمريكي، ولكن السلطة التشريعية للولاية موزَّعة على الحزبين؛ إذ يسيطر الجمهوريون على مجلس شيوخ الولاية، ويسيطر الديمقراطيون على مجلس نوابها. وأظهرت نتائج انتخابات عام 2016 انقسام الولاية مناصفة بين الحزبين. ففي ذلك العام، حققت هيلاري كلينتون في مينيسوتا 1.5 نقطة فقط%، وفازت بتسع مقاطعات فقط من مقاطعاتها البالغ عددها 87. بينما كانت نتائج ترامب في الولاية مفاجِئة.

ضربة حظ

ونقل التقرير عن لاري جاكوبس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا، قوله: «مينيسوتا واحدة من تلك الولايات التي نجح فيها دونالد ترامب إلى حد كبير في تعبئة الاستياء العنصري وبناء الدعم على هذا الأساس». والسؤال حول ما إذا كانت احتجاجات مينيابوليس تعني أن ترامب سيحقق مزيدًا من النجاح باستخدام هذه الرسالة في عام 2020. هذا ما يزال غير معروف. 

وأضاف جاكوبس: «وبالعودة إلى عام 1968، والنظر إلى ما يحاول ترامب فعله، ولكن ليس على نحو جيد، فهناك بطاقة «هذا هو القانون والنظام». كان من المروع أن نشاهد مينيابوليس تحترق. لقد تسبب ذلك في إثارة قلق الضواحي، وإذا كان هذا الاستطلاع قد أجري اليوم، فسيكون ذلك ضربة حظ».

وفي حين أن كثيرًا من اهتمام وسائل الإعلام كان منصبًّا على الاضطرابات وأعمال العنف التي وقعت أثناء الاشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين، كان مقطع الفيديو المصوَّر لمقتل فلويد مصدر إلهامٍ لعديد من الاحتجاجات السلمية في جميع أنحاء البلاد؛ بما في ذلك بعض الاحتجاجات في المناطق ذات الأغلبية البيضاء من الولاية مثل مدينة دولوث، أو خارج حدود الولاية في مدينة فارجو بولاية داكوتا الشمالية.

Embed from Getty Images

يقول أوجست نيمتز، أستاذ العلوم السياسية والدراسات الأمريكية الأفريقية في جامعة مينيسوتا: «سيحاول ترامب بالتأكيد استغلال الاحتجاجات العنيفة لتغذية رد فعل عنيف. والسؤال هو: هل ستغطي الاحتجاجات السلمية على ذلك؟». وأضاف: «حقيقة أن مدينتي فارجو ودولوث قد شهدتا إجراءات توحي بأن هذا قد يكون شيئًا مختلفًا. ويُعد اتساع نطاق الغضب انعكاسًا للمواقف المتغيرة بشأن العرق، ويُنظر إلى السود بطريقة أكثر إنسانية مما كان عليه الحال في الولايات المتحدة تاريخيًّا».

ومهما كانت النتيجة، كيف يمكن أن يكون للأصوات الانتخابية في مينيسوتا في عام 2020 آثار سياسية عميقة على باقي الولايات في البلاد. وتأتي الولاية في ترتيب أدنى في سلم الأولويات مقارنةً بجارتيها، ويسكونسن وميشيجان، خلال السباقات الرئاسية. ولكن إذا خسر الديمقراطيون ولاية مينيسوتا للمرة الأولى منذ ما يقرب من 50 عامًا، فقد تكون هذه ضربة هائلة لآمالهم في استعادة الفوز برئاسة البيت الأبيض. 

يقول جاكوبس: «يمكن أن تحدد مينيسوتا مَن سيصبح رئيسًا للبلاد إذا جاءت نتائج التصويت قريبة من نتائج عام 2016». وأضاف أنه «إذا كان الديمقراطيون الوطنيون يشعرون بالرضا عن الذات، فإن هذا شعور زائف، ويمكن (للجمهوريين) الفوز بولاية مينيسوتا إلى حد بعيد».

مينيسوتا ولاية متأرجحة

وأفادت المراسلة أنه كل أربع سنوات، عادةً ما تُدمغ ولاية مينيسوتا بأنها ولاية زرقاء بقوة، مقارنةً ببقية ولايات أعالي الغرب الأوسط. وهناك سبب لذلك، وهو أن آخر مرة صوتت فيها مينيسوتا لمرشح رئاسي جمهوري، كان ريتشارد نيكسون في عام 1972. لكن هناك أدلة كثيرة تشير إلى أن الولاية تُيمِّم وجهها نحو اللون الأحمر الأرجواني (ستصوت لصالح الحزب الجمهوري). 

ولا يوجد في مينيسوتا وثائق تسجيل خاصة بالأحزاب السياسية، ما يعني عدم وجود إحصائيات دقيقة عن عدد الجمهوريين وعدد الأعضاء في حزب العمال المزارعين الديمقراطيين في مينيسوتا (الحزب الديمقراطي في الولاية). لكن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة تشير إلى أن ترامب يتمتع بجاذبية كبيرة في الولاية. كما أن السيطرة على المجلس التشريعي للولاية موزَّعة؛ إذ يسيطر الجمهوريون بصورة محدودة على مجلس شيوخ الولاية، ويسيطر حزب العمال المزارعين الديمقراطيين في مينيسوتا  على مجلس نوابها.

وفي عام 2016، حصل ترامب على 44.593 صوتًا، وكان على مقربة من تحقيق الفوز على هيلاري كلينتون في الولاية. في حين فاز أوباما بـ42 مقاطعة من مقاطعات مينيسوتا الـ87 في عام 2008، وفاز بـ28 منها في عام 2012، بينما فازت هيلاري بتسع مقاطعات فقط في عام 2016. وحققت هيلاري فوزًا بالاعتماد على المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان والمناطق الزرقاء في الولاية حول مينيابوليس وسانت بول، لكنها كانت تسرح بنظرها في خريطة مينيسوتا الانتخابية في عام 2016 وكأنها تسرح بنظرها في بحرٍ باللون الأحمر.

Embed from Getty Images

وهناك بعض العوامل التي ربما تساعد في تفسير هذا التحول؛ إذ كانت ولاية مينيسوتا تاريخيًّا ولاية بيضاء للغاية، مسيحية بروتستانتية، وتنوعت بسرعة في السنوات القليلة الماضية، بعدما استقر فيها مهاجرون من الصومال، وكمبوديا، ودول أمريكا اللاتينية.

وأوضح التقرير أنه على الصعيد السياسي، يمكن تقسيم الولاية إلى مناطق زرقاء متمركزة حول المدينتين التوأم (منيابولس وسانت بول)، ومنطقة حمراء أرجوانية متمركزة حول مناطق المدى الحديدي الشمالية، التي كانت ديمقراطية تاريخيًّا ومتحدة بقوة، ولكنها اتجهت إلى اللون الأحمر في السنوات الأخيرة. 

وهناك أيضًا الجزء الجنوبي من الولاية، وهو جمهوري على نحو موثوق، ولكنه أيضًا متنوع في بعض المدن؛ حيث يعمل المهاجرون في مصانع تعبئة اللحوم، مثل هورميل فودز كوربوريشن في مدينة أوستن بولاية مينيسوتا. ووافق شولتز وجاكوب على أن مناطق التأرجح هي مناطق في الضواحي حول المدينتين التوأم، وأماكن مثل مدينة روتشستر بولاية مينيسوتا (موطن مؤسسة مايو كلينك).

وقال شولتز: «إن ساحة المعركة تعمل الآن على استنفار القواعد وكسب الناخبين المتأرجحين في الضواحي. ونحن بصدق نتطلع إلى أن تمتلئ ساحة المعركة بالنساء من الضواحي، ولا يقف الأمر كثيرًا عند حد الذكور وحدهم في الضواحي». 

ويقول جاكوبس إن التنوع السريع لهذه الولاية البيضاء يساعد في تفسير صعود ترامب المفاجئ في 2016 في دولة ديمقراطية تقليدية. وواصل جاكوبس قائلًا: «كان ترامب ناحجًا للغاية في استخدام قوميته العرقية لإثارة هذا الاستياء العنصري، ولتصوير نفسه على أنه الشخص الذي سيدافع عن الناخبين البيض. ومينيسوتا معرضة لذلك، لاسيما في المناطق التي تعاني من القلق الاقتصادي، وفي المناطق التي بدأتْ تشهد انتقال سكان متنوعين إليها. وأعتقد أن هناك خطرًا في استخدام الاحتجاجات بهذه الطريقة، لاسيما الإحراق المتعمد للممتلكات، والخروج الواضح على القانون في الشوارع».

والسؤال هو ما إذا كانت التداعيات السلبية لأعمال الشغب في مينيابوليس يمكن أن تساعد في تعزيزه مرة أخرى.

نساء الضواحي.. ناخبات متأرجحات يجب وضعهن في الاعتبار

ولفتت المراسلة إلى أنه في حين أن جهود ترامب والحزب الجمهوري لإثارة المخاوف بشأن المهاجرين ربما أتت ثمارها سياسيًّا في عام 2016، فإنها لم تنجح خلال الانتخابات النصفية في عام 2018. 

وكان الحزب الجمهوري يضرب على أوتار الخوف من وصول قوافل المهاجرين من أمريكا اللاتينية، ومن الديمقراطيين الذين «يباركون اندفاع المجرمين العنيفين إلى الشوارع وتصرفاتهم كالمجانين على نحو غير محسوب».

Embed from Getty Images

وكما كتب ديلان سكوت من موقع «Vox»: إذا أردت تحليل رسالة حملة الحزب الجمهوري السائدة في الانتخابات النصفية لعام 2018 ووضعها في صورة واحدة، فستكون هذه الصورة لـ: شخصية مُقنَّعة وسط الظلام، أو خنجر (أو سكين أو أصابع مغطاة بشفرات حادة)، في انتظار الانقضاض إذا فاز المرشح الذي لا يوافق هواها. الحياة عبارة عن فيلم رعب ويقف الديمقراطيون وراء قناع الهوكي». امنح صوتك للجمهوريين.

ونوَّهت المراسلة إلى أنه في هذه الأثناء، أرسل الديمقراطيون رسالة ركزت على الرعاية الصحية، والبنية التحتية، والقضاء على فساد العاصمة؛ وفازوا في جميع أنحاء البلاد. وكان الفوز في الانتخابات النصفية لعام 2018 مدعومًا بنساء من الضواحي، ونجح ذلك نجاحًا كبيرًا بسبب الكراهية المتنامية لترامب نفسه والاشمئزاز منه. 

وفي مينيسوتا، نجح الديمقراطيون في تحويل مسار التصويت في مقاطعتين جمهوريتين في الضواحي لصالحهم في الكونجرس، لكن الجمهوريين تمكنوا أيضًا من تحويل مسار التصويت في مقاطعتين ديمقراطيتين، بما في ذلك منطقة مضمونة سابقًا من مناطق «المدى الحديدي» الشمالية.

يقول مات فيهرماير، مدير الأبحاث السابق للجنة الحملة الانتخابية للكونجرس الديمقراطي في عامي 2016 و2018: «يجب ألا ينسى أحد أننا فزنا بمقعدين في مينيسوتا، لكننا خسرنا أيضًا مقعدين. وخرج الحزبان متعادلين على خريطة الكونجرس».

وشدد التقرير على أن السؤال الذي يطرح نفسه هذا العام، هو ما إذا كان الجمهوريون يجربون الضرب على الأوتار نفسها واستغلال احتجاجات مينيابوليس كخلفية، وما إذا كانوا أكثر نجاحًا. وبالفعل تنشط حملة ترامب الرئاسية واللجنة الوطنية الجمهورية بقوة في الولاية، على أمل إنجاز أول تحويل لمسار التصويت في الولاية لصالح الحزب جمهوري منذ ما يقرب من 50 عامًا.

واختتمت المراسلة تقريرها بقول فيهرماير: «ما زلتُ أعتقد أن النوم يجب أن يجافي أعين الديمقراطيين في ولاية مينيسوتا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد