ثمة أسئلة عدة تبرز حول أزمة مالية وشيكة في عام 2020، ربما تكون أشد وطأة من سابقتها في عام 2008، ولعل أهمها هل سيستمر النمو العالمي الحالي في العام القادم على الرغم من العجز المالي الكبير الذي تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل صانعو السياسات متأهبون لمثل هذه الأزمة؟ وما الذي سيفجرها؟ ومتى؟ جميعها أسئلة يتعرض لها التقرير المنشور على موقع «بروجيكت سينديكيت» لكاتبيه «برونيللو روسا» و«نوريل روبيني».

يذكر التقرير أن على الرغم من أن الاقتصاد العالمي شهد نموًا متزامنًا لفترة زمنية مستدامة، فإنه حتمًا سيفقد زخمه في ظل السياسات المالية غير المستدامة للولايات المتحدة، والتي بدأت تسجل تراجعًا تدريجيًا. ويشير التقرير إلى أن بحلول عام 2020، سنكون بصدد مرحلة جديدة من التباطؤ، وعلى عكس ما حدث في 2008، ستخلو جعبة الحكومات من الأدوات السياسية اللازمة لمواجهة وإدارة هذه المرحلة.

ويضيف التقرير أن على الرغم من مرور الذكرى العاشرة لانهيار بنك ليمان براذرز، ما يزال الجدل محتدمًا حول أسباب وتداعيات الأزمة المالية، وهل اُستوعبت العبر المُستخلصة من تلك الأزمة جيدًا من أجل التأهب للأزمة القادمة أم لا؟ لكن من خلال استشراف ما هو آت، فإن السؤال الأكثر أهمية؛ ما الذي سيفجر الأزمة والكساد العالمي القادم بالضبط؟ ومتى؟

وحسب ما جاء في التقرير، فإن من المتوقع أن يستمر النمو العالمي الحالي إلى العام القادم، وذلك بأخذ العجز المالي الكبير الذي تواجهه الولايات المتحدة في الحسبان، وكذلك اتباع الصين لسياسات مالية وائتمانية فضفاضة، وحفاظ أوروبا على المسار الإصلاحي الذي تنتهجه. ولكن بحلول عام 2020، ستكون الأوضاع مُهيأة بالكامل لتفجر أزمة مالية، يتبعها كساد عالمي كبير.

ويوضح التقرير أن هناك 10 عوامل مسببة لمثل هذا السيناريو:

أولًا، يقول التقرير إن هناك احتمالًا كبيرًا بعدم استمرار سياسات التحفيز المالي المُتبعة حاليًا في الولايات المتحدة، والتي ترفع معدل نموها السنوي إلى ما فوق 2%؛ فبحلول عام 2020، سوف ينضب هذا الحافز، وسيؤدي عائق العبء المالي إلى تراجع معدل النمو من 3% إلى ما دون 2%.

 

ثانيًا، يوضح التقرير أن اقتصاد الولايات المتحدة يعاني في الوقت الراهن من التدهور بسبب سوء توقيت التحفيز المالي، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم أعلى من المُستهدف، وبناءً على ذلك، سوف يواصل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بالولايات المتحدة رفع معدل الأرصدة الفيدرالية الحالية من 2% إلى 3.5% على الأقل بحلول عام 2020، وهو ما سيؤدي بدوره إلى ارتفاع معدلات الفائدة على المدى القصير والطويل، بالإضافة إلى ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي.

في الوقت نفسه، يرتفع التضخم في الاقتصادات الرئيسية الأخرى، وسيساهم ارتفاع أسعار البترول في وجود ضغوط تضخمية إضافية. وهو ما يعني أن البنوك المركزية الرئيسية الأخرى سوف تحذو حذو مجلس الاحتياطي الفيدرالي في إرساء تلك السياسة النقدية، والذي بدوره سيقلل السيولة العالمية، ويضع ضغوطًا تصاعديةً على معدلات الفائدة.

ثالثًا، يؤكد التقرير أن النزاعات التجارية لإدارة ترامب مع الصين، وأوروبا، والمكسيك، وكندا، وغيرهم حتمًا ستتصاعد، ما سيؤدي بدوره إلى تباطؤ في النمو، وارتفاع معدل التضخم.

رابعًا، يذكر التقرير أن استمرار سياسات الولايات المتحدة الأخرى سيساهم بطبيعة الحال في زيادة حدة الركود التضخمي، ما سيدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة المرتفعة بالفعل، جدير بالذكر أيضًا أن الإدارة الأمريكية بصدد وضع قيود على الاستثمار الداخلي والخارجي، وكذلك حركة التبادل التكنولوجي، ما يترتب عليه تعطل سلاسل الإمداد، إضافة إلى القيود المفروضة على المهاجرين، وهم ضرورة ملحة في سبيل الحفاظ على معدلات النمو في ظل شيخوخة التركيبة السكانية للولايات المتحدة، فضلًا عن أن تلك السياسات ستعيق الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر، وليس لديها سياسة خاصة بالبنية التحتية لعلاج القصور في جانب العرض.

خامسًا، أما عن بقية أنحاء العالم، يقول التقرير إن على الأرجح سوف يتباطأ النمو في باقي أنحاء العالم، إذ سترى البلدان الأخرى أن الفرصة سانحة تمامًا للثأر من سياسة الولايات المتحدة الحمائية، وسيتوجب على الصين إبطاء نموها كي تتمكن من التعامل مع القدرة الزائدة، والقوة المفطرة، وإلا ستواجه انهيارًا حادًا. أما فيما يتعلق بالأسواق الناشئة الهشة سلفًا، ستظل تعاني من الضعف بسبب السياسات الحمائية، والأوضاع المالية المتأزمة في الولايات المتحدة.

سادسًا، وفي أوروبا تحديدًا، يشير التقرير إلى أنها ستشهد أيضًا نموًا مُتباطئًا؛ وذلك بسبب تشدد السياسات المالية، والخلافات التجارية. علاوةً على ذلك، قد تؤدي السياسات الشعبوية في بعض البلدان، مثل إيطاليا، إلى ديناميكية ديون غير مستدامة داخل منطقة اليورو؛ إذ سوف تُضخم «حلقة الموت» التي تدور فيها الحكومات والبنوك صاحبة الدين العام من المشاكل الوجودية التي تواجه اتحادًا نقديًا غير مكتمل يعاني من تقاسم مخاطر غير متكافئ. وفقًا لهذه الظروف، قد يؤدي أي كساد عالمي آخر إلى خروج إيطاليا، وربما بعض الدول الأخرى، من منطقة اليورو كليًا.

سابعًا، يشير التقرير إلى أن المبالغة الكبيرة في أسواق المال الأمريكية والعالمية قد تكون سببًا هي الأخرى، إذ بلغت نسبة السعر إلى الربحية في الولايات المتحدة 50%، وهي نسبة أكبر من المتوسط التاريخي، كما أصبحت تقييمات الأسهم الخاصة مُبالغًا فيها، والسندات الحكومية أصبحت باهظة الثمن، نظرًا إلى عوائدها المنخفضة، وفائضها السلبي. فضلًا عن أن عائد الائتمان المرتفع أصبح مكلفًا بشكل متزايد في الوقت الراهن، إذ ارتفع معدل الرفع المالي للشركات إلى مستويات تاريخية.

وعلاوة على ذلك، فإن مقدار الرفع المالي في كثير من الأسواق الناشئة وبعض الاقتصادات المتقدمة مفرط بشكل واضح، إذ إن العقارات السكنية والتجارية في كثير من أرجاء العالم مكلفة للغاية. وبالتالي، سوف يستمر تصحيح الأسهم والسلع وأرصدة الدخل الثابت في الأسواق الناشئة مع استمرار تراكم سحب العاصفة العالمية، ومع استشراف المستثمرين وبداية تنبئهم بتباطؤ النمو في 2020، ستعيد الأسواق تسعير الأصول الخطرة بحلول 2019.

ثامنًا، يضيف التقرير أن بمجرد حدوث التصحيح، يصبح خطر انعدام السيولة وحرق الأسعار في عمليات البيع والبيع بأسعار مخفضة أكثر حدة. جدير بالذكر أن هناك خفضًا لأنشطة صناعة السوق والتخزين من ناحية السماسرة والوسطاء. وبالتبعية، سيزيد التكرار المفرط والخوارزمي في التداول من احتمالية حدوث «انهيار سريع»، أما أدوات الدخل الثابت فقد أصبحت أكثر تركيزًا في التداول المفتوح والصناديق الائتمانية الخاصة.

وفي حالة انخفاض المخاطر، فإن الالتزامات المقيمة بالدولار في القطاعات المالية للأسواق الناشئة والاقتصادات المتقدمة لن تستطيع الوصول إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي باعتباره آخر ملاذ يمكن الاقتراض منه. وفي ظل ارتفاع التضخم وتطبيع السياسات الجارية، فإن الدعم الذي تقدمه البنوك المركزية خلال فترة ما بعد سنوات الأزمة، لا يمكن التعويل عليه كثيرًا.

تاسعًا، أحد الأسباب الأخرى التي ذكرها كاتبا التقرير هو رد فعل ترامب مع انتخابات عام 2020، إذ يوضحان أن ترامب كان يهاجم مجلس الاحتياطي الفيدرالي بالفعل عندما كان معدل النمو 4% في الآونة الأخيرة، ويتعجبان حيال طريقة تعامله المنتظرة مع الأمر في انتخابات 2020، عندما ينخفض معدل النمو إلى قرابة 1%، وتبرز مشكلة فقدان الوظائف. في هذه الحالة، ستُتاح فرصة مغرية أمام ترامب لاختلاق أزمة سياسية خارجية من العيار الثقيل، خاصة إذا استطاع الديمقراطيون استعادة الأغلبية في مجلس النواب الأمريكي خلال العام الجاري.

وبما أن ترامب قد بدأ بالفعل حربًا تجارية مع الصين، وكذلك لم يكن ليجرؤ على مهاجمة كوريا الشمالية المسلحة نوويًا، فإن إيران هي الهدف الأخير الأفضل المُتاح أمامه حاليًا. فمن خلال إثارة مواجهة عسكرية مع هذا البلد، سيطلق صدمة ركود تضخمي جيوسياسي لا تختلف في حدتها عن ارتفاع أسعار النفط في أعوام 1973، و1979، و1990. وبالتالي يُصبح غنيًا عن القول إن من شأن ذلك أن يخلق كسادًا عالميًّا أكثر حدة.

وأخيرًا، يذكر الكاتبان أن بمجرد نزول العاصفة الكاملة السابق ذكرها، فإن أدوات السياسة اللازمة لعلاجها لن تجدي نفعًا إلى حد بعيد. فما يمكن أن يقدمه الحافز المالي مقيد سلفًا بسبب الدين العام الهائل. فضلا عن أن إمكانية اتباع سياسات نقدية خارج إطار السياسات التقليدية سوف تكون محدودةً بسبب الميزانيات العامة المتضخمة، وعدم وجود فرصة لتخفيض معدلات الفائدة الرسمية. أما عمليات الإنقاذ المالي للقطاعات المالية في الدول التي شهدت طفرة جديدة في الحركات الشعبوية، والحكومات على شفير الإفلاس، سوف تكون شبه مستحيلة.

في الولايات المتحدة على وجه التحديد، عمل المشرعون على تقييد قدرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على إمداد المؤسسات غير المصرفية، والمؤسسات المالية الخارجية المثقلة بالتزامات مقيمة دولاريًا بالسيولة. وفي أوروبا، أدى صعود الأحزاب الشعبوية إلى صعوبة متابعة الإصلاحات على صعيد الاتحاد الأوروبي، وتدشين المؤسسات الضرورية للتعامل مع الأزمة المالية والكساد القادم.

ويختتم التقرير مؤكدًا على أن خلافًا لما كان الوضع عليه في 2008، عندما كان لدى الحكومات الأدوات السياسية اللازمة للحيلولة دون السقوط الحر، فإن صانعي القرار الذين سيواجهون الانهيار القادم، سيجدون أيديهم مقيدة سيما بعد أن بلغت مستويات الدين معدلات أكبر مما كانت عليه خلال الأزمة السابقة، وعند حدوث ذلك، ربما تصبح الأزمة والكساد أكثر حدة وأطول أمدًا من سابقتها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!