نشر طلال أبو غزالة، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة «طلال أبو غزالة» الدولية لتقديم الخدمات المهنية، مقالًا في صحيفة «جوردان تايمز» حذَّر فيه من الأزمة الاقتصادية العالمية المتوقعة عام 2020، موضحًا أسبابها وناصحًا دول المنطقة العربية بالبدء للتخطيط لمواجهتها لحماية اقتصادات المنطقة. وهذه ترجمة كاملة لما ورد في مقاله:

لقد حذرتُ كثيرًا من احتمالية وقوع أزمةٍ اقتصادية عالمية كبرى عام 2020. فبخلاف بعض المحللين الاقتصاديين الخبراء، لدي أسبابٌ قوية تدفعني للاعتقاد بأنَّ هذه الأزمة الاقتصادية الوشيكة ستكون أكبر بكثير من سابقتها في عام 2008، التي وصفها ابن برنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي حينها، بأنَّها «الأزمة الاقتصادية الأسوأ في تاريخ العالم». وعلى الأرجح، ستبدأ الأزمة القادمة في الولايات المتحدة مثل سابقتها أيضًا.

أتوقع كذلك أن تستمر هذه الأزمة الاقتصادية لسنوات، وأن يكون لها تأثيرٌ كبير على الغرب، وتتسبب في حالة ركود تضخمي وتؤدي إلى إفلاس العديد من الدول. لكنَّ الدول الناشئة مثل الصين والهند من المتوقع أن تزدهر خلال هذه الأزمة. ربما يكون العالم قد نجح في احتواء الأزمة الاقتصادية عام 2008، لكنَّ الأزمة القادمة أكثر خطورة بكثير.

حقَّقت الولايات المتحدة بالفعل معدل نمو وصل إلى 2.5%، وهو ما قد يعتبره البعض مؤشرًا على عدم وجود أزمةٍ وشيكة. لكنِّي أعتقد أنَّ هذا النمو يرجع إلى زيادة طلب المستهلكين بسبب السيولة التي ضختها الحكومة الأمريكية في السوق، ولا يعبر عن أي نموٍ حقيقي. وأرى أنَّ الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة في طريقها إلى أزمةٍ هيكلية اقتصادية، لأنَّ هياكل تلك الدول معيبة، وزادت من مشاكلها الأزمة الاقتصادية السابقة بتحويل الديون الخاصة إلى ديونٍ عامة. وتتراجع الآن قدرة الحكومات على توفير خدمات التعليم والصحة والتوظيف والمعاشات وغيرها، ومعدلات البطالة في ازدياد. ولهذا، يجب أن ندرك أنَّنا نشهد تغيُّرًا في النموذج الاقتصادي.

بالإضافة إلى ذلك، ربما يستمر التضخم في الولايات المتحدة في الازدياد، وهو ما سيؤدي إلى مزيدٍ من الركود والبطالة والتراجع في معدلات النمو. وهذا قد يُجبر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على زيادة معدلات الفائدة على الدولار الأمريكي، وهو الإجراء الذي سيفاقم الأزمة الاقتصادية أكثر وأكثر.

تراجعت قيمة الأسهم هذا العام بنسبة 1.5% بعد أن وصلت إلى أقصى قيمةٍ لها في أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول). وتمر صناديق التحوُّط بأسوأ أعوامها منذ عام 2008. ووصل الدين العام الأمريكي مؤخرًا إلى مستوًى قياسي جديد بلغ 15.4 تريليون دولار أمريكي في مارس (آذار) 2018، بزيادةٍ مقدارها 2.74 تريليون دولار عن المستوى القياسي الذي وصل إليه الدين العام قبل أزمة الكساد العظيم. وحذَّر خبير الاقتصاد والاستثمار جيم روجرز من أزمةٍ وصفها أنَّها ستكون «الأكبر في حياتي»، موضحًا أنَّ العالم يمر على الأرجح بـ«فقاعة دين عالمية»، وأنَّه لو أُضيف الدين الخاص الذي يبلغ 6.2 تريليون دولار أمريكي إلى الدين العام، ستصبح قيمة الدين القومي الأمريكي 21.6 تريليون دولار أمريكي.

صورة رجل محبط من انخفاض الأسهم، تعبيرًا عن الأزمة الاقتصادية

ومنذ بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي يطبع المال تحت سياسة «التسهيل الكمي» لينقذ الولايات المتحدة من الأزمة الاقتصادية الأخيرة، أصبح المال رخيصًا، وأصبح يمكن لأي أمريكي لديه حدٌ ائتماني وبعض المال أن يصطنع «الثراء» عبر الانغماس في جميع أشكال الترف. والآن يتراجع النظام بأكمله. فالمجلس يرفع أسعار الفائدة ويخيف الأسواق لكبح التضخم وغيره من المشكلات المحتملة.

حجم الاقتصاد الأمريكي يصل إلى 20 تريليون دولار أمريكي، وهو يمثل نسبة 25% من الاقتصاد العالمي، لكن كما أشرتُ بالأعلى فإنَّ نسبة إجمالي الدين القومي الأمريكي (21.6 تريليون دولار) إلى إجمالي الناتج المحلي تساوي 107%. وفي المقابل فإنَّ حجم الاقتصاد الصيني هو فقط نصف حجم الاقتصاد الأمريكي، لكن في حالة قياس حجم الاقتصاد الصيني بموجب مؤشر القوة الشرائية في الصين سنجد أنَّه الاقتصاد الأكبر في العالم.

وعلى المستوى العالمي، فإنَّ إجمالي الناتج العالمي يصل إلى نحو 80 تريليون دولار أمريكي، بينما يصل إجمالي الدين العالمي إلى 300 تريليون، وهو كما يتضح ليس وضعًا صحيًا بالتأكيد.

أتوقع أنَّ تُفلس خمس دول أوروبية على الأقل العام القادم، وهذا لا يعني أنَّ اقتصادات تلك الدول ستنهار، لكنَّها ستصبح غير قادرةٍ على توفير الخدمات لمواطنيها. لكنَّ دول البرازيل وروسيا والهند والصين وكوريا ستنمو بمعدلٍ ثابت خلال السنوات العشرة القادمة. وأعتقد أنَّه خلال تلك السنوات العشرة أفريقيا ستصبح في نفس المستوى الاقتصادي للدول المتقدمة، وستصبح مثل أوروبا الآن خلال 50 عامًا. وستستمر اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في النمو، اعتمادًا بالأساس على عائدات النفط. لكن جديرٌ بالذكر أنَّ كل النفط الذي تملكه تلك الدول لو صُدِّرَ اليوم إلى الخارج لن يكون كافيًا لجعل بنيتها التحتية مشابهةً لأوروبا. لهذا يتعين على تلك الدول استثمار مواردها. ويجب على العالم العربي كله الاستفادة من ازدهار دول الخليج، وكما رأينا فإنَّ الاستثمارات في العالم العربي هي الأكثر أمانًا في الوقت الحالي. (في 2014، كان إجمالي الناتج المحلي السعودي يبلغ أكثر من 750 مليار دولار، وبلغ إجمالي الناتج المحلي الإماراتي نحو 400 مليار دولار، أي أنَّ إجمالي الناتج المحلي في الدولتين تجاوز 1150 مليار دولار، وهو ما كان يمثل تقريبًا 1.5% من إجمالي الناتج العالمي عام 2014).

هذه الأزمة الاقتصادية الوشيكة لن تكون وليدة اللحظة، إذ كانت تتشكل ببطء لسنواتٍ عديدة، ووفقًا لبنك «جي بي مورجان» الاستثماري، فإنَّ التنبؤات بوقوعها على ما يبدو تتفق مع المؤشرات، التي تشير إلى احتمالية وقوعها عام 2020، حين يحين موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية. وهناك عدة أسباب يذكرها الخبراء والمحللون الاستراتيجيون لهذه الأزمة الوشيكة. ووفقًا للاقتصادي البارز نورييل روبيني، أستاذ الاقتصاد بكلية ستيرن للأعمال في جامعة نيويورك، السبب الأول هو أنَّ المحفزات المالية التي تطبقها الولايات المتحدة حاليًّا لن يكون لها أثرٌ في عام 2020، حين يتراجع معدل النمو لأقل من 2%.

نورييل روبيني في المؤتمر الدولي لمعهد ميلكن، مايو 2018.

وفي مقالٍ نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، كتب روبيني: «نظرًا لتطبيق المحفزات المالية الأمريكية في توقيتٍ خاطئ، سيضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة حتى تصل إلى 3.5% في بداية عام 2020. هذا إلى جانب أنَّ البنوك المركزية الأخرى ستميل على الأرجح إلى البدء أو الاستمرار في تطبيع سياساتها».

السبب الثاني الذي يذكره روبيني هو ما يسميه بـ«الاحتكاكات التجارية» بين الصين وأوروبا ودول اتفاقية التجارة الحرة «نافتا»، والتي بحسب تصريحه «ستزداد وربما تصل إلى حربٍ تجارية واسعة النطاق». ويضيف روبيني أنَّ «هذه الاحتكاكات هي مجرد أعراض للتنافس بين هذه الدول على الزعامة الدولية والهيمنة على تقنيات المستقبل، لكنَّها ستؤدي إلى عرقلة النمو وزيادة التضخم».

والسبب الثالث بحسب روبيني سيكون عجز الصين عن التعامل مع معدلات النمو البطيء هذه. فبعد سنواتٍ من النمو الاقتصادي والتكنولوجي في الصين، سيكون تباطؤ معدلات النمو بمثابة صدمة للنظام. أضِف إلى هذا توترات التجارة الأوروبية والاضطرابات السياسية، التي ستُسهم في تلك الأزمة الاقتصادية الوشيكة.

ويضيف روبيني سببًا رابعًا، وهو «ارتفاع أسعار الأصول في السوق عن قيمتها الحقيقية بسبب زيادة الطلب». ويقول إنَّ «المستثمرين الذين يتوقعون تباطؤ النمو في 2020 سيعيدون تسعير الأصول الخطرة في منتصف 2019».

ومن ناحيةٍ أخرى، وبينما نجحت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى مثل «جوجل» و«أمازون» و«إيباي» في توسيع انتشارها على المستوى العالمي (من ناحية المنتجات والخدمات والمنصات)، إلَّا أنَّها فشلت في الصين، التي تعد أكبر سوقٍ إلكتروني في العالم.

ويمكن أن نعزو هذا الفشل للأسباب الآتية:

  • الرقابة التي تفرضها الحكومة الصينية.
  • الخلافات الثقافية بين الصين والغرب.
  • الأعداد الضخمة للشركات المحلية المنافسة في الصين.

وتذكر شركة «إنسايد فيو» لخدمات البرمجيات سبعة عوامل أخرى لذلك الفشل، وهي:

  • غياب الفهم الكافي للسوق الصينية.
  • سوء إدارة العلاقات مع الهيئات التنظيمية والحكومة في الصين.
  • المحاولات الفاشلة لتطبيق نماذج الأعمال العالمية رغم عدم توافقها مع السوق الصينية.
  • الفشل في مواجهة المنافسة شديدة الشراسة في الصين.
  • الفشل في إدارة العلاقات مع الشركاء المحليين.
  • طرح منصات تكنولوجية في الصين مُطوَّرة لتناسب السوق الأمريكي.
  • بطء عمليات اتخاذ القرار في الشركات نتيجة هياكلها التنظيمية التي تتسم بالمركزية الشديدة.

لكن مع ذلك لم تيأس شركات التكنولوجيا الأوروبية بعد من المنافسة في السوق الصينية.

اسمحوا لي أيضًا توضيح بعض التحديات التي ربما تتسبب في ما هو أكثر من مجرد مشاكل، وقد تؤدي إلى نتائج كارثية:

1- برنامج الحزام والطريق الصيني.

2- العقوبات الأمريكية.

3- التنافس على زعامة صناعة التكنولوجيا (كما حدث في احتجاز مينج وانزو مديرة شركة «هواوي» الصينية).

4- عدم انتظام سلاسل التوريد.

5- ما يُعرَف بسياسات الفوضى الخلاقة (على المستوى العالمي).

6- الصراعات بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة.

7- مبادرات استخدام عملاتٍ بديلة للدولار.

8- مقترحات إمداد أوروبا بالغاز الطبيعي الروسي عبر أوكرانيا.

9- البطالة العالمية (حاليًا مليارا شخص حول العالم).

10- تفوُّق الصين على الولايات المتحدة في مجالي الذكاء الصناعي والبيانات الضخمة.

11- اعتماد الولايات المتحدة على الكوادر الصينية.

12- تصنيع طائرات بوينج وأجهزة آبل في الصين.

وأخيرًا، يشير روبيني إلى أنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيكون أحد الأسباب الكبرى التي ستسبب الأزمة الاقتصادية القادمة. إذ يعتقد أنَّه حين يتباطأ معدل النمو لأقل من 1% وترتفع نسبة البطالة خلال عام الانتخابات، سيلجأ ترامب لتحويل الانتباه عن تلك المشاكل بإثارة أي أزمةٍ خارجية بدلًا من مواجهة مشاكل الاقتصاد. لكنَّ روبيني يوضح أيضًا أنَّه بما أنَّ الولايات المتحدة تخوض حاليًا حربًا تجاريةً مع الصين، وأنَّها لا يمكنها مهاجمة كوريا الشمالية في حالة حيازتها أسلحةً نووية، سيكون «المتاح حينها هو مواجهةً عسكرية خارجية. وستتسبب هذه في صدمة جيوسياسية بسبب الركود التضخمي كما حدث في أعوام 1973 و1979 و1990، ما سيؤدي إلى ارتفاعٍ في أسعار النفط».

منذ 10 سنوات، كانت الولايات المتحدة تستخدم تقنية التصديع (دفع النفط والغاز خارج الأرض بضخ سوائل وضغطٍ عالٍ في بئر نفط طبيعية تحت سطح الأرض). وبحلول عام 2017، لم يعد من الممكن استخدام تلك التقنية، وبهذا أصبحت الولايات المتحدة تستورد النفط من الخارج.

ونظرًا للاضطرابات الاقتصادية الحالية واحتياج الولايات المتحدة للنفط في مطلع عام 2020، قد يرتفع سعر النفط إلى مستوياتٍ قياسية ويصل إلى 150 دولارًا للبرميل، ما سيؤدي إلى ركودٍ تضخمي في أكبر اقتصادٍ في العالم.

وبهذا، سيعيش العالم صدمةً في قطاع النفط كتلك التي شهدها عام 1973. فهل العالم مستعدٌ لأزمةٍ كتلك؟ وهل هناك متنفس لتصريف الآثار العميقة لتلك الأزمة الاقتصادية المحتملة؟

ما يهمني هو مدى استعدادنا لتلك الأزمة. فما دمنا نمتلك كل هذا الوقت للتحذير منها، لماذا لا نُقيِّم الوضع، ونحاول التنبؤ بآثار الأزمة الاقتصادية المحتملة على اقتصاداتنا الهشة، ونتخذ إجراءاتٍ وقائية لحمايتها أو على الأقل تخفيف تداعيات الأزمة عليها؟

يقول الخبير الاقتصادي جواد العناني إنَّ «طلال أبو غزالة فتح أعيننا على هذه الأزمة. أتفق مع تحذيره المبكر. نحتاج موقفًا عربيًا موحدًا في القمة العربية القادمة، سواءٌ ناحية المنطقة أو العالم».

إن صدقت تلك التوقعات المتشائمة، ستؤثر الأزمة علينا سلبيًا، وخاصةً لو استمر الوضع المضطرب الحالي حتى عام 2020. ولحماية اقتصاداتنا من تداعيات هذه الأزمة، يجب علينا بدء العمل فورًا.

نحتاج إلى الرؤية والشجاعة، والمشاركة المجتمعية من المواطنين والمنظمات المدنية والهيئات العامة والخاصة.

أحث بشدة جميع الحكومات الموقرة على التعامل بجدية مع هذا التحذير، والتخطيط جيدًا قبل أن يفوت الأوان.

وتذكَّر أنَّ في الحروب دائمًا ما يكون هناك خاسرون وفائزون. ويمكنك الفوز إن قررت اتخاذ الإجراءات الضرورية والخيارات الصحيحة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد