موجة من الصراعات والجوع والفقر والجائحة المستمرة، قد تجعل العالم في 2021 في معاناة أكبر وفقًا لمسؤولين في الأمم المتحدة 

كتبت بِلّ ترو، مراسلة صحيفة «الإندبندنت» البريطانية في الشرق الأوسط، تقريرًا نشرته الصحيفة حول توقعات كبار مسؤولي الأمم المتحدة لعام 2021، وهي توقعات متجهمة للغاية؛ إذ من المتوقع أن يزداد الفقر بصورة قد تؤدي إلى مجاعات. فيما يرى المسؤولون الأمميون أن العلاج يبدأ بوقف الصراعات والتعامل مع تغير المناخ بجدية. 

تقول المراسلة في مستهل تقريرها: قد يؤدي مزيج «كارثي» من كوفيد-19 وتغير المناخ والصراعات إلى أن يَعضّ الجوع أعدادًا قياسية من الناس، ويسقطهم في هوة الفقر المدقع، والنزوح القسري في عام 2021، وفقًا لكبار مسؤولي الأمم المتحدة الذين حذروا من أن التوقعات لهذا العام تُعدّ «الأكثر ظلمة وتجهمًا على الإطلاق».

وأصابت جائحة فيروس كورونا 65 مليون شخص حول العالم، وقتلت أكثر من مليون ونصف، ولم تزل تودي بحياة 70 ألف شخص أسبوعيًا. وتسببت في إغلاق البلدان والحدود، وضربت الاقتصادات، ودفعت بالنظم الصحية إلى حافة الهاوية.

ارتفاع مستويات الفقر لأول مرة منذ 20 عامًا

وقال كبار مسؤولي الأمم المتحدة لصحيفة «الإندبندنت» إن الجائحة أدّت إلى تفاقم مزيج مدمر من الأزمات موجودة بالفعل، والتي يمكن أن تشهد مجتمعة مجاعة عالمية كارثية في الأشهر المقبلة، وارتفاعًا في مستويات الفقر لأول مرة منذ 20 عامًا، وتراجعًا في متوسط ​​العمر المتوقع.

كورونا يتفشى في غزة

ويرى التقرير أن الحروب من أكبر العوامل المساهمة في ذلك، حيث قال أحد كبار المسؤولين: إن هناك المزيد من الصراعات في العالم في الوقت الحالي أكثر مما كان عليه الأمر منذ الحرب العالمية الثانية، مُبرزًا على نحو خاص تأثير القتال في اليمن وسوريا على سكانهما. 

يضاف هذا إلى أزمة المناخ التي يَتّجه معها عام 2020 ليصبح واحدًا من أكثر ثلاث سنوات دفئًا على الإطلاق، وسط أشهر من الحرارة الشديدة وحرائق الغابات والفيضانات، بالإضافة إلى موسم الأعاصير الأطلسية الذي سجل رقمًا قياسيًا وأثّر على ملايين الأشخاص.

وقال مارك لوكوك، منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة في الأمم المتحدة، لصحيفة «الإندبندنت» إن حل النزاعات وإنقاذ من هم في المواقف الأكثر قسوة من خلال تمويل نظام المعونة هو أفضل طريقة لمنع تحول هذه الأزمات إلى كوارث. وطالبت الأمم المتحدة هذا العام بجمع 35 مليار دولار من أجل الوصول إلى 160 مليون من الأشخاص الأكثر ضعفًا في العالم، قائلة: إن الأمم المتحدة وشركاءها «تتضاءل إمكاناتهم إزاء احتياجاتهم».

شبح المجاعة

وقال لوكوك: «إذا انسحب (المانحون) على نحو ملحوظ، فستكون هناك خسائر في الأرواح واسعة النطاق، يحتمل أن تكون في أجزاء كبيرة من العالم مع عواقب كبيرة وطويلة الأمد». وأضاف: «الرسالة هي العمل الآن لمنع الأسوأ، سواء بدافع الإنسانية أو التعاطف، ولكن أيضًا من أجل مصلحتك الشخصية؛ لأن بعض المشاكل التي تختمر ستنتشر إلى أماكن أخرى».

البلدان الفيرة - أزمة كورونا

ويشير التقرير إلى أن أحد المخاوف الأكثر إلحاحًا في عام 2021 هو شبح المجاعة؛ إذ تضاعف عدد الأشخاص حول العالم «الذين يسيرون نحو المجاعة» من 135 مليونًا في نهاية عام 2019 إلى 270 مليونًا هذا العام، وفقًا لرئيس برنامج الغذاء العالمي، ديفيد بيسلي، الذي حذّر من مجاعة «ذات أبعاد توراتية» تتكشف في الأشهر المقبلة إذا لم يُتخذ إجراء للحيلولة دون وقوعها. 

والأماكن الأكثر ضعفًا هي المناطق التي مزّقتها الحرب شمال شرق نيجيريا وجنوب السودان والصومال واليمن، حيث المُحرّك الأكبر للجوع هو الصراع إضافة إلى الجائحة التي أدّت إلى اضطراب سلاسل التوريد، والنشاط الزراعي. 

وفي اليمن، الذي يعاني بالفعل من أسوأ أزمة إنسانية في العالم، يتوقع برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من نصف البلاد – أو 16.2 مليون شخص – سيعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول منتصف العام، بينما سيتضاعف عدد الأشخاص الذين يعانون من ظروف أشبه بالمجاعة ثلاثة أضعاف. 

ولكن هذه ليست أرقام «السيناريو الأسوأ»، بل هي بالأحرى إحصاءات الوضع الراهن، بحسب لوكوك الذي قال لصحيفة «الإندبندنت» إن السيناريو يَفترض أن برامج المعونة لن تعاني من مزيد من الانقطاعات، وأن الاقتصاد اليمني لن ينهار تمامًا. وأضاف في إشارة إلى المجاعة: «ليس من غير الواقعي التحذير من خطر وقوع حَدَثٍ أشد خطورة مما شهدته إثيوبيا في منتصف الثمانينات».

المدنيون اليمنيون ومعاناتهم

مُزّق اليمن بسبب حرب مدمرة منذ خمس سنوات بين الحوثيين المدعومين من إيران والحكومة المدعومة من السعودية. وزاد ذلك تعقيدًا بسبب إعلان الانفصاليين الجنوبيين، المتحالفين ظاهريًا مع الحكومة ضد الحوثيين، حكمًا ذاتيًا في عدن في وقت سابق من هذا العام؛ مما تسبب في اشتباكات عنيفة، وعَقّد جهود التوصل إلى اتفاق سلام.

وتقول المراسلة إن المدنيين اليمنيين، وهم بالفعل أفقر السكان في الخليج، يعانون أشد صور المعاناة. وقالت أشواق محرم، وهي طبيبة يمنية تدير عيادات تغذية متنقلة أسبوعية في واحدة من أكثر المحافظات تضررًا وهي الحديدة: «منذ سبتمبر (أيلول)، بدأنا نشهد زيادة في حالات الجوع، ولا توجد رواتب لذلك لا يستطيع الناس تحمّل تكاليف الطعام، وقدرة السكان على التحمّل تنحسر».

وأضافت «العديد من الأمراض، مثل حمى الضنك، تنتشر أيضًا دون رادع، وبدون قدرات تمكننا من إجراء الفحوصات، لا نعرف من المصاب بكوفيد-19. نحن قلقون للغاية بشأن هذا العام». ومما يزيد الطين بلة نقص التمويل، فالدول المانحة تكافح لرعاية سكانها.

فجوة التمويل

ووفقًا لعارف حسين، كبير الاقتصاديين في برنامج الأغذية العالمي، فإن ميزانية برنامج الأغذية العالمي المُقدّرة لعام 2021 والبالغة 15 مليار دولار تم تمويلها نصفها فقط حتى الآن، وهناك فجوة تمويل بنسبة 40% لعام 2020؛ مما يؤثر على قدرتهم على الاستجابة للعديد من الأزمات، بما في ذلك اليمن.

4 ملفات تكشف لك حال المواطن اليمني في عدن وصنعاء

وفي أبريل (نيسان) كان هذا يعني أن برنامج الأغذية العالمي اضطر إلى تقديم نصف مساعداته الغذائية إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في الشمال. وفي أكتوبر (تشرين الأول) قالت الأمم المتحدة إن ملايين المستفيدين لا يحصلون على المساعدات إلا كل شهرين. ولكن ليس الجوع وحده هو الذي سيطارد أكثر الناس ضعفًا في العالم هذا العام، بل الفقر كذلك.

يقول التقرير إنه ولأول مرة منذ عام 1998، يتزايد الفقر المدقع بسبب كوفيد-19 إلى حد كبير حيث توقّع البنك الدولي أن ما يصل إلى 150 مليون شخص – أو 9.4% من سكان العالم – سيضّطرون للعيش على أقل من 1.90 دولار يوميًا في 2021.

وأدّت عمليات الإغلاق والاقتصاديات المنكمشة إلى ارتفاع معدلات البطالة في جميع أنحاء العالم، حيث تضررت النساء، اللاتي يشكّلن غالبية العمال غير الرسميين، على نحو غير متناسب من الخسائر الاقتصادية. وفي الوقت نفسه تقلّصت التحويلات المالية العالمية التي تمثل شريان حياة للكثيرين، بشكل حاد في النصف الأول من العام.

ومن المتوقع حدوث أكبر زيادة في معدلات الفقر المدقع في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا. وقد برز هذا بالفعل في دول مثل الهند.

نزوح الهنود بعد الإغلاق

وفي مارس (أذار) كانت هناك مشاهد غير عادية لآلاف العمال المهاجرين المذعورين والجوعى الذين فرّوا من المدن الرئيسة في الهند بعد أن اتخذت السلطات قرارًا مفاجئًا بفرض حالة الإغلاق على مستوى البلاد التي يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة.

أدى تعليق جميع وسائل النقل العام إلى وفاة العديد من الأشخاص أثناء محاولتهم القيام برحلة تبلغ مئات الأميال إلى قراهم سيرًا على الأقدام وسط درجات الحرارة مرتفعة. وفي حين تحسن الوضع الاقتصادي العام للهند في نهاية عام 2020، يقول العديد ممن اضطروا إلى الفرار إلى موطنهم إنهم ما زالوا بلا عمل، وفقًا للمراسلة. 

وقالت كيران (60 عامًا) وهي عاملة منزلية تعيش في كوخ في شرق دلهي مع أسرتها التي تعمل أيضًا بأجر يومي: «عندما فُرض الإغلاق، لم يدفع لنا سوى عدد قليل جدًا من العائلات مقابل الأيام التي لم نعمل فيها في منازلهم. ولم يسمح لنا كثيرون بالعودة إلى العمل لعدة أشهر». وأضافت: «عشنا على مدخراتنا، وعلى الطعام المجاني الذي قدّمته الإدارة المحلية. ولكن بعد ذلك ذهبنا إلى قريتنا لعدة أشهر».

وفي حين تأثّر عُمّال المياومة بشدة، فإن معدلات الفقر يمكن أن تَضُر مجتمعات اللاجئين على نحو أكبر. وقالت المُفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هذا العام إن العالم اجتاز المرحلة القاسية المتمثلة في نزوح 80 مليون شخص قسرًا على مستوى العالم، بما في ذلك ما يقرب من 30 مليون لاجئ.

وهذا ضعف عدد النازحين قبل عقد من الزمن. ولكن في ذروة الجائحة، أغلقت 168 دولة حدودها كليًا أو جزئيًا؛ مما أدى إلى إيقاف نظام اللجوء العالمي مؤقتًا.

أزمات المناخ قد تؤدي للمزيد من النزوح

وتخشى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن يؤدي تصاعد أزمات المناخ إلى مزيد من النزوح في عام 2021 إلى جانب الحروب والعنف. وستزداد ظروف هذه المجتمعات سوءًا، لاسيما في البلدان المُضِيفة التي تنتشر فيها الجائحة.

دولي

منذ أسبوعين
«الجارديان»: 12 من زعماء العالم يحددون ملامح 2021

فعلى سبيل المثال، حذّرت الأمم المتحدة بالفعل من أن ما يقرب من 90% من جميع اللاجئين السوريين في لبنان، الذي يعاني من ضائقة مالية، يعيشون الآن تحت خط الفقر المدقع. وقال لاجئون سوريون في مخيمات اللاجئين المُتداعية في عرسال، بالقرب من الحدود مع سوريا، لصحيفة «الإندبندنت» إنهم يعيشون على المعونات الغذائية للبقاء على قيد الحياة، ويخشون أن يجف هذا الشريان هذا العام.

وعلى الرغم من المؤشرات القاتمة، قال حسين من برنامج الأغذية العالمي إن هناك أملًا إذا بُذل جهدٌ عالمي للاهتمام بمشكلات تغير المناخ، وإنهاء الصراعات، وضمان أن لا تكون العلاجات واللقاحات امتيازًا للدول الأكثر ثراءً وحدها.

وتختم المراسلة تقريرها مع حسين الذي قال: «إذا لم نعالج هذه المشاكل، فلن نكون بمنأى عن العواقب، يجب أن يحدث هذا الوعي؛ إذ لا يمكننا حل الجوع وعواقبه إلى أن نتعامل مع الصراعات وتغير المناخ».

واستطرد: «إذا استطعنا الخروج من هذه الجائحة بصورة أقوى، فإن الجانب المشرق بالنسبة لي هو أنه يمكننا إعادة البناء على نحو أفضل مما ذهبنا إليه في هذه الفترة. في المرة القادمة عندما يحدث هذا، صدّقوني أنه سيكون مستعدًا وسنكون مستعدين على نحو أفضل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد