إذا كان النمو غير المسبوق في المواليد في أفريقيا سيؤثر حتمًا في الجغرافيا السياسية والتجارة العالمية والهجرة، وتقريبًا كل جانب من جوانب الحياة، فقد حان الوقت لتغيير النظرة الغربية للقارة المُهَمَّشَة، حسبما ينصح مدير معهد الأبحاث الأفريقي، إدوارد بايس، ومؤلف كتاب «زلزال الشباب – لماذا يجب أن يهتم العالم بالديموجرافيا الأفريقية» في مقال نشرته صحيفة الجارديان البريطانية.

في عام 2022، سيتجاوز عدد سكان العالم 8 مليارات نسمة، بزيادة تقدر بالثلث في غضون عقدين فقط، وبحلول عام 2050، سيكون هناك نحو 9.5 مليارات شخص على ظهر هذا الكوكب، وفقًا لدراسات الأكاديميين في علم دراسة السكان، وهذا يجعل التعليقات الأخيرة التي أدلى بها إيلون ماسك مُحَيِّرة حسبما يرى الكاتب؛ حين قال: «إن معدل المواليد المنخفض، والانخفاض السريع في هذا المعدل» هو «أحد أكبر المخاطر المحدقة بالحضارة».

أفريقيا على خريطة الحضارة العالمية

يذكر الكاتب أن معدلات الخصوبة في أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق آسيا عمومًا أقل من 2.1 ولادات لكل امرأة، وهو المستوى الذي يظل السكان عنده مستقرين عند معدلات وفيات ثابتة، والمسار في بعض البلدان خاصة مثير للشفقة. فمعدل المواليد في إيطاليا هو الأدنى على الإطلاق في تاريخ البلاد، وظل معدل الخصوبة في كوريا الجنوبية عالقًا عند مستوى أقل من ولادة واحدة لكل امرأة طيلة عقود، على الرغم من إنفاق 120 مليار دولار (90 مليار جنيه إسترليني) على مبادرات تهدف إلى زيادته.

كما استقبلت اليابان القرن الحالي ولديها 128 مليون مواطن، لكن العدد يتناقص باطراد حتى يصل عدد سكانها إلى 106 ملايين فقط بحلول عام 2050، وسيبلغ عدد سكان الصين ذروته عند 1.45 مليار نسمة في عام 2030، ولكن إذا عجزت عن رفع معدل خصوبة شعبها، فقد لا ينتهي هذا القرن إلا والدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم لا تضم سوى أقل من 600 مليون نسمة، هذا هو «الخطر الكبير» الذي ألمح إليه ماسك. والمشكلة هي أن تصريحه يبدو أنه يشير ضمنًا إلى أن «الحضارة» لا تشمل أفريقيا.

«الشباب الدائم».. أفريقيا الفتيَّة

سيتضاعف عدد سكان أكثر من نصف دول أفريقيا البالغ عددها 54 دولة – أو يزيد على الضعف – بحلول عام 2050؛ نتيجة استمرار ارتفاع معدلات الخصوبة وتراجع معدلات الوفيات، والحال هكذا، ستكون القارة موطنًا لما لا يقل عن 25% من سكان العالم، مقارنة بنصيبها الذي كان يقل عن 10% في عام 1950، وزيادة التعداد بهذه الوتيرة غير مسبوق.

Embed from Getty Images

يقول الكاتب إنه صحيحٌ أن عدد سكان آسيا سيتضاعف بمقدار أربعة أضعاف خلال تلك الفترة الزمنية، إلا أن معدل الزيادة في أفريقيا سيبلغ 10 أضعاف، ونتيجة لذلك ستحلق روح «الشباب الدائم»، كما يسميها عالم الديموجرافيا ريتشارد سينكوتا، على ربوع القارة الأفريقية؛ ولا غروَ فإم 40% من مجمل الأفارقة أطفال دون سن 14 عامًا، ومتوسط العمر في معظم البلدان الأفريقية يقل عن 20 عامًا.

وستنجب الأمهات الأفريقيات نحو 450 مليون طفل في عقد العشرينيات من القرن الحالي، ما بين يناير (كانون الثاني) 2020 ونهاية ديسمبر (كانون الأول) 2029. وبهذه الوتيرة، يتوقع أن يرتفع العدد إلى أكثر من 550 مليونًا في أربعينيات القرن الجاري، أي سيولد في أفريقيا وحدها نحو 40% من إجمالي الأطفال المولودين في جميع أنحاء العالم في ذلك العقد.

مواليد أفريقيا.. خصوبةٌ بلا حدود

وبحسب المقال ستظل معدلات المواليد المرتفعة أو المتزايدة بوتيرة سريعة هي القاعدة وليس الاستثناء في معظم أرجاء أفريقيا، أما على الصعيد العالمي، فقد بلغ عدد المواليد أعلى مستوى له على الإطلاق – 140 مليونًا سنويًّا – ومن المستبعد أن ينخفض كثيرًا في غضون العقدين أو الثلاثة عقود القادمة.

ومع استمرار ارتفاع معدلات الخصوبة باطراد في شرق أفريقيا وغربها ووسطها، سيكون نصيب القارة نحو 1.3 مليارات شخص من الزيادة البالغة مليارين من سكان العالم بين عامي 2019 و2050. بحلول ذلك الوقت، سيتجاوز عدد سكان شرق أفريقيا وغربها عدد سكان أوروبا.

وبعد ذلك، ستكون التركيبة السكانية المتنوعة لأفريقيا أحد العوامل الرئيسة التي ستحدد ما إذا كان عدد سكان العالم سيبلغ ذروته في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين أو سيستمر في النمو، وهي قضية محيرة ومحل نزاع، ولها أهمية إضافية في عصر أزمة المناخ.

ليست من بنات أفكار «ماسك»

يشير الكاتب إلى أن إيلون ماسك ليس أول من طرح هذه الفكرة عن تعداد السكان، وإنما يردد ما قاله الدكتور إتش بي ماكلفين، الذي حذر في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية عام 1895 من انخفاض عدد سكان «الأمم المتحضرة»، وحذا حذوه عديد من الاقتصاديين الغربيين في الثلاثينيات، ومن بينهم جون مينارد كينز، وبعد مرور أكثر من 50 عامًا على نشر كتاب «القنبلة السكانية» الأكثر مبيعًا لمؤلفه بول إيرليش، تظهر روايات مماثلة على فترات منتظمة.

Embed from Getty Images

وحتى الآن، تغلبت البشرية – بقدرتها على التكيف والمرونة – على الأزمات الديموجرافية (مثل الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر)، والتحذيرات الدورية، وليس المقصود بهذا الكلام الدعوة إلى التهاون أو حتى الإفراط في التفاؤل، وإنما هي صيحة تنبيه من أن الترويج للروايات التحذيرية يكون دائمًا مدفوعًا بأسباب أيديولوجية أو بأسباب أخرى محددة، على حد قول الكاتب. ​​

قصور التصوُّر الغربي لأفريقيا وشعوبها

يرى الكاتب أن تجاهل ماسك للديموجرافيا الأفريقية في تصريحه هو أحد أعراض أوجه القصور الهائلة في التصوُّر الغربي لأفريقيا والدول المكونة لها، ولا غروَ، فالوفود الأفريقية لا تضطلع بدور كافٍ في التجمعات العالمية، مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2026، على الرغم من اكتواء القارة بأزمة المناخ، بالإضافة إلى بطء الحكومات الغربية في التعاون مع نظرائها الأفارقة في معركة احتواء كوفيد-19، وتقاعسها – حسبما يرى الكاتب – عن تقديم المساعدة، ناهيك عن التهميش المستمر لأفريقيا، الذي تزدهر في مناخه الصور النمطية للقارة في معظم وسائل الإعلام الغربية، ومُخيلة معظم المواطنين الغربيين.

إفريقيا

منذ 3 شهور
دراسة علمية مؤكدة: أفريقيا علَّمت البشر الكتابة

يشدد المقال على أن هذا الوضع المؤسف من جهة نظر الكاتب لا يمكن أن يستمر، بل يجب أن تتغير النظرة للبلدان الأفريقية وشعوبها انطلاقًا من هذا الوزن الديموجرافي الهائل، وهو العامل كفيل بمفرده أن يؤثر في كل جانب من جوانب الحياة تقريبًا، وعلى رأسها الجغرافيا السياسية والتجارة العالمية والتطور التكنولوجي ومستقبل الأديان المهيمنة في العالم وأنماط الهجرة.

يختم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن الخطوة الأولى باتجاه تغيير التصوُّر السائد المغلوط للقارة هي: الإلمام الواسع بالخصائص والمسارات الديموجرافية المتنوعة للقارة، ناهيك عن الإدراك الكامل لمدى اتساع مساحة اليابسة في القارة، مقارنة بنظيرتها في الصين والولايات المتحدة وأوروبا والهند مجتمعين؛ ما يمنحها دورًا محوريًا في مستقبل حياة جيرانها والعالم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد