679

يحتاج العقل البشرى إلى القلق، وهو ليس بالضرورة أمرًا سيئًا. فعلى سبيل المثال؛ إن كنت مهددًا من قبل دب ضخم، فبعض القلق ربما يكون سببًا في نجاتك. وعلى الرغم من أننا لسنا بحاجة لفقدان النوم والأرق للنجاة من الدببة هذه الأيام! إلا أن الحياة المعاصرة تقدم لنا بعض الأمور المؤرقة أيضًا مثل؛ الإرهاب، والتغير المناخي، وتفوق الذكاء الاصطناعي، وانتهاك الخصوصيات وإلى جانب كل ذلك، الضعف الواضح في أمور التعاون الدولي.

يستعرض بيل جيتس – أحد مؤسسي شركة مايكروسوفت وصاحب مؤسسة بيل جيتس- في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، الكتاب الجديد للمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري،«21 درسًا في القرن 21». والذي يراه جيتس كتابًا مثيرًا للاهتمام حيث يضع إطارًا عامًا لمواجهة المخاوف التي تواجهنا في القرن الحالي. وقد قدم المؤرخ من قبل كتابين؛ الأول، «تاريخ مختصر للجنس البشري»، والكتاب الثاني، «تاريخ مختصر للغد». وخلال كتابيه السابقين، ناقش المؤرخ الماضي والمستقبل، وهو في كتابه الجديد يتعرض للوقت الحاضر.

يوضح جيتس في مقاله عن الكتاب، أن الحيلة التي تمكننا من مواجهة شعورنا بالقلق ليس من خلال توقفنا عن الشعور تمامًا بالقلق، بل بمعرفة أي الأشياء تستحق منا القلق بالفعل، وما مدى القلق الذي يجب أن نشعره تجاهها. وكما يتساءل الكاتب في مقدمة كتابه: «ما هي أكبر التحديات التي تواجههنا اليوم وما هي التغيرات الأكثر أهمية؟ ما الذي يجب أن يحوز على اهتمامنا؟ وما الذي يجب أن نعلمه لأولادنا؟».

وعلى الرغم من أن الكتاب يتناول قضايا وأسئلة هامة عن الحرب والعمل والجنسيات والهجرة … إلخ، يرى جيتس أن عنوان الكتاب ليس اختيارًا موفقًا، بالرغم من وجود عدد من الدروس المستفادة بالفعل. الكاتب في رأي جيتس يرفض الأطروحات المتداولة ويهتم بتقديم ضبط وتعريف محدد للمصطلحات مع زاوية تاريخية وفلسفية.

يعرض بيل جيتس في جزء من المقال مثالًا يراه ذكيًا، طرحه الكاتب في كتابه: إلى أي مدى استطاع البشر خلق حضارة عالمية عظيمة؟ يقول الكاتب: تخيل محاولة تنظيم ألعاب أوليمبية في عام 1016؟ آسيا وأفريقيا وأوروبا لم يكونوا مدركين بوجود الأمريكيتين! إمبراطورية «سونج» الصينية لم تكن تتصور أن على الأرض كيانًا سياسيًّا مكافئًا لها على الإطلاق! لم يكن أحد لديه علم لبلاده أو نشيد وطني يُغني في الاحتفالات! أما الآن، فالمنافسة على المستوى الرياضي أو حتى التجاري تقدم لنا بحق اتفاقًا دوليًا مذهلًا، والذي بدوره يساعد في التعاون الدولي كما يخلق التنافس. عليك أن تتذكر ذلك جيدًا في أي وقت تشعر فيه بالشك في قدرتنا على حل أي مشكلة دولية مثل مشكلة المناخ. ربما تراجعنا قليلًا في التعاون الدولي خلال السنوات الماضية، ولكننا بالفعل قطعنا آلاف الخطوات إلى الأمام على مدار السنين.

من ثم، لماذا نشعر بأننا في حالة تراجع؟ يعتقد بيل جيتس أن السبب في ذلك يعود بشكل كبير إلى فقدان الرغبة في تحمل سوء الحظ والبؤس المحيط. فعلى الرغم من انخفاض معدلات العنف العالمية، نركز بشكل أساسي على من يموت كل عام بسبب الحروب، باعتبار ذلك نوعًا من السخط والغضب تجاه الظلم.

يستعرض جيتس نقطة أخرى في كتاب «هراري» تدور حول التساؤل التالي: في عالمنا المعقد بصورة متزايدة، كيف يحصل أي منا على معلومات كافية للوصول إلى أي قرار مدروس بشكل جيد؟ يبدو أن اللجوء إلى الخبراء هو الخيار الأصوب ولكن ماذا لو كانوا هم أيضًا يتبعون العامة أو الجمهور؟! يقول الكاتب: إن مشكلة الجهل لدى التفكير الجماعي أو الفردي لا تؤثر فقط على أصوات الناخبين أو الزبائن في الأسواق بل تصل إلى الرؤساء والمديرين التنفيذيين. والذى يؤكده بيل جيتس خلال تجربته في شركة مايكروسوفت ومؤسسة جيتس.

يتحدث جيتس عن فكرة هراري في التعامل مع هذه الأمور، فيقول إن فكرته الرئيسية تدور حول التأمل. بالطبع لا يقصد أن جميع مشكلاتنا سوف تُحل بعد أن نجلس جميعًا في وضعية زهرة اللوتس ونمارس قوانين اليوجا! ولكنه يؤكد على أن مشكلات القرن الـحادي والعشرين تحتاج منا جميعًا ذهنًا كامل التركيز. بأن نتعرف بشكل حقيقي على أنفسنا، وكيف نساهم في معاناة حياتنا الخاصة. يقول جيتس: «الأمر يبدو سهلًا للسخرية ولكنني بصفتي الآن أحصل على دورات في التأمل وتنقية الذهن أقول إن الأمر يستحق».

على الرغم من أن الكتاب قد نال استحسان بيل جيتس إلا أنه لم يوافق على كل شيء ذكر فيه. فعلى الرغم من سعادته بوجود فصل كامل عن عدم المساواة، إلا إنه متشكك بعض الشيء فيما يخص تنبؤات هراري عن القرن الواحد والعشرين. حيث يرى هراري أن البيانات سوف تتفوق على كل من الماكينات والأرض باعتبارهم أهم الأصول التي تميز الأغنياء عن غيرهم. ويرى جيتس أن الأرض دائمًا تبقى ذات أهمية كبيرة خاصة مع اقتراب سكان الأرض من 10 مليارات، وفي نفس الوقت، البيانات هامة لتحقيق الغايات الإنسانية، على سبيل المثال؛ كيف يتم إنتاج الطعام أو زيادة الطاقة؟ باختصار، لن يكون امتلاك المعلومات هو الميزة التنافسية، بل ما نفعله بهذه المعلومات.

وكما ذكر جيتس أن هراري لاحظ بصورة صحيحة أن المعلومات التي يتم جمعها الآن عبر الأفراد أكبر بكثير من قبل، ولكن هراري لم يميز بين هذه المعلومات. نوع حذائك المفضل أم الأمراض التي يحتمل إصابتك بها وراثيًا! من يقوم بجمع هذه المعلومات؟ وفي أي غرض يتم استخدامها؟ بالطبع تاريخ مشترياتك يختلف تمامًا عن تاريخك الطبي ولا يتم جمعهم من قبل نفس الجهة، أو حمايتهم من نفس المجموعة، أو حتى استخدامهم لنفس الغرض. ولذلك، فالتمييز بين هذه النقاط بالتأكيد سوف يجعل النقاش أكثر فائدة.

كذلك يعرض جيتس جزء التواصل المجتمعي ويقول إنه غير راضٍ عنه، حيث يعتقد هراري أن وسائل التواصل الاجتماعي ومنها فيسبوك ساهمت بشكل كبير في حالة الاستقطاب السياسي، من خلال عزل أنفسهم والتفاعل فقط مع نفس الأفكار ووجهات النظر. يقول جيتس إنها بالفعل ملاحظة صحيحة ولكن هراري غفل عن فوائد تواصل الأسرة والأصدقاء عبر العالم. كما أنه خلق نموذجًا من «الإنسان الهش» الذي يتصور أن وحده فيسبوك يمكنه حل مشكلة الاستقطاب السياسي! بالطبع لا يمكنه ذلك وهو أمر غير مفاجئ بالنظر إلى تداخل مشكلات المجتمع؛ والحكومات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص كلها تلعب دورًا كبيرًا في ذلك وتمنى جيتس أن يقول هراري المزيد عن ذلك.

يقول بيل جيتس أنه على الرغم من عدم اتفاقه مع هراري في كثير من الأمور، إلا أنه لا يزال كاتبًا محفزًا جعله يريد الاستمرار في القراءة والتفكير. فكُتب هراري الثلاثة تتصارع مع الرؤى حول السؤال التالي: ما الذي يجعل لحياتنا معنى في العقود والقرون المقبلة؟ ولهذا فإن تاريخ الإنسان طالما كان مدفوعًا بالرغبة في عيش حياة أكثر سعادة وصحة. فإذا ما كان العلم قادرًا على تحقيق هذه المتطلبات ولم يعد الإنسان مطالبًا بالعمل بحثًا عن الطعام أو الملبس، فما الذي يدفعنا للاستيقاظ في الصباح؟!

في نهاية المقال يقول جيتس: إنه ليس نقدًا إذا قلت إن هراري لم يقدم الإجابة عن السؤال كما لم يفعل أحد غيره. لذا أتمنى أن يعمل هراري بشكل أكبر على هذه الأسئلة مستقبلًا. بينما الآن لقد قدم بالفعل نقاشًا عالميًا حاسمًا حول كيفية التعامل مع مشكلات القرن الحادي والعشرين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك