في الظلمة في عرض البحر، هاشم السوكي غير قادر على رؤية من معه لكنه قادر على سماع صراخهم. تحاول سيدتان دفع خالد من فوقهما، ويحاول هو أن يبتعد كي يتمكن ويتمكنا من التنفس؛ إلا أن وجود طبقات أخرى مكدسة من البشر فوقهم أفقدته القدرة على الحركة كما أفقدته القدرة على القرار.

على متن قارب صغير انطلق من نقطة في الساحل الشمالي المصري، اتجه مئات من السوريين والفلسطينيين والصوماليين في رحلة بائسة في محاولة للهرب عبر المتوسط، إلى أوروبا وبالتحديد: ألمانيا. ظلام دامس والمركب يتقدم ببطء إلا أن صراخ الركاب كسر الهدوء. صرخات عربية ممزوجة بأخرى أفريقية تتعالى هنا وهناك، لكنها لن تشفع لأصحابها إذا ما حاولوا الحركة. أدنى حركة قد تعني اختلال توازن المركب وبالتالي غرقه. ربما تكون الساعة الآن هي الحادية عشر ولا وسيلة للتأكد!

بدأ بعض الركاب مطاردة الحلم الأوروبي “الوصول إلى أوروبا” منذ سنوات. إلى ألمانيا، أو السويد، أو أي مكان آخر يستطيعون فيه بدء حياة جديدة بعد انهيار حياتهم القديمة في أوطانهم القديمة. خمسة أيام هي مدة الرحلة التي بدت قصيرة قبل الانطلاق، أما الآن وهم مكدسون كأكياس البطاطا في حافة المركب، باتوا غير متأكدين من أنهم سيصمدون إلى الصباح أم لا. لم يكن مسموح لهم بالحركة وكل من يجازف ويتحرك فسينهال عليه طاقم المهربين بالضرب؛ لأن أي حركة بسيطة من شأنها أن تتسبب بغرق المركب بمن فيه.

مرت ساعة أخرى وهم على نفس الحال قبل أن يأتي قارب ثاني ينتقلون إليه، ثم ثالث أكبر. وفي كل مرة كانوا يرمون في حافة المركب؛ إلا أن المركب الثالث كان أكبر؛ مما أتاح للركاب رفاهية التنفس. لم يكن التنقل من قارب إلى آخر سهلًا على الإطلاق فقد اضطروا للخوض في المياه وغرقت ملابسهم. الشعور المسيطر على الركاب الآن بعد الاستقرار في المركب الثالث هو الغثيان.

هذه الرحلة بالنسبة لهاشم ما هي إلا حلقة جديدة من مسلسل الإهانات التي تعرض لها في الثلاث سنوات الأخيرة من حياته. هاشم السوكي شاب سوري يبلغ من العمر 40 عامًا، ضخم البنية، رمادي الشعر، ذو ابتسامة رقيقة. غادر منزله في دمشق لأول مرة في أبريل 2012، المنزل الذي لم يتبق منه الآن إلا المفتاح بعد أن تم تفجيره من قبل النظام.

الآن بعد 3 سنوات وبركوبه المركب، يحاول للمرة الثالثة الهروب إلى بلد جديد. يخوض هذه الرحلة ويخاطر بنفسه كي يضمن مستقبلًا آمنًا لأولاده الثلاثة “أسامة، محمد، ميلاد”. يأمل أن يصل إلى الجانب الآخر من البحر، إلى السواحل الإيطالية تحديدًا. ليخوض بعدها رحلة أخرى ويصل إلى السويد ليستقر هناك على أن تلحق به عائلته بعد استكمال معاملة لم الشمل. “إذا ما نجحت فسيعيش أولادي، وإذا ما فشلت فسأموت وحدي”.

اليوم 15/4/2015 هو ذكرى مولد ابنه الأكبر أسامة، وهاشم حزين لأنه اضطر لترك ابنه في هذا اليوم بعد أن أخبره أنه من الممكن أن تكون هذه آخر مرة يلتقيان فيها.

في مثل هذا اليوم قبل 3 أعوام أنهى أسامة عامه العاشر، إلا أن هذا الحدث لم يكن الأهم لدى العائلة. عاد هاشم من عمله في السادسة مساء، أمضى بعض الوقت مع الأطفال بانتظار طعام العشاء، ثم كان سيذهب لشراء كعكة عيد ميلاد أسامة، إلا أن أسوأ مخاوفه وقعت. لطالما توقع هاشم أن يطرق الباب – كما يسمعه الآن- ويكون هناك مسلحون قادمون لأخذه. يعمل هاشم كرئيس لقسم الكومبيوتر في هيئة المياه الإقليمية وليس لديه أي نشاطات سياسية أو حزبية إلا أن كل ذلك لا يهم؛ فالنظام ينتقل من منزل لآخر ويجمع كل رجل فيه.

فتح الباب ليجد عشرين رجلًا مسلحًا. لا يعلم إذا ما كانوا جيشًا، أم شرطة، أم ميليشيات. لكنه يعلم أنه سيذهب ونصف سكان الحي معه.

“حران العواميد” هي بلدة صغيرة في ريف دمشق تمكنت من تجنب الحرب لفترة. لكن الأيام التي سبقت اعتقال هاشم شهدت بعض أعمال العنف نتيجة قتل النظام لاثنين من أبناء البلدة والتمثيل بجثثهم؛ مما دفع أهاليهما إلى أعمال شغب من تظاهر وهتافات ضد النظام. في الأيام التالية عادت قوات النظام لتأخذ بثأرها.

اقتيد هاشم ورفاقه إلى خلايا تعذيب سرية تحت الأرض، نقلوا بعدها إلى قسم الاستخبارات حيث مئات المساجين في كل زنزانة فردية. يتم نقل 4- 5 منهم يوميًّا إلى غرف التعذيب. قضى هاشم 12 ساعة في إحداها وهو معلق من معصميه والأوتاد مغروزة في جلده. آخرون غيره أمضوا فترات أطول مما أدى لاحقًا إلى بتر أطرافهم.

بعد عدة أسابيع تم نقلهم إلى المطار الذي أصبح يستعمل كسجن. مساحات واسعة لم يشعر بها المعتقلون إذ كان عليهم أن يتناوبوا على الرقاد فلا مكان يكفي لكي ينام الجميع أو حتى يجلس. لا يوجد ضوء ولا ساعات؛ لذلك فإحساس المعتقلين بالوقت معدوم.

بعد عدة أشهر، نقل المساجين بالشاحنات إلى ساحة وسط البلد وأطلقوا هناك فجأة في وسط الضوء الذي بدا غريبًا بعد أشهر من غيابه. لم يكونوا يعلمون أن اليوم هو أول أيام عيد الأضحى. ولم يكونوا يعلمون إذا ما انتهت الحرب وماذا ينتظرهم في سوريا اليوم.

بالنسبة لهاشم بدا المستقبل مظلمًا كما الماضي. قتل اثنان من أشقاء زوجته برصاص قناص، في اليوم الذي اعتقل فيه. وقد قتل الثاني عندما ذهب ليسترجع جثة الأول من الشارع.

نقل هاشم عائلته إلى قرية صغيرة شرق دمشق هي “حضرمة”. عقب سقوط صاروخ على مسافة أمتار من أولاده وهم في طريقهم إلى المدرسة، انتقلوا ثانية إلى قرية “التل”. أما عن “حران العواميد” فقد أرادها النظام منطقة عازلة حول المطار؛ فأزالوا مئات المنازل المحيطة وضمنها منزل هاشم، كي تصبح كذلك.

لم يبق لهاشم شيء في سوريا وكل المدن والقرى حولهم تنهار تباعًا. مغادرة سوريا أصبحت أمرًا لا مفر منه لكن إلى أين؟ فكروا بالذهاب إلى الأردن لكنهم سمعوا عن الظروف المعاشية القاسية التي يعاني منها السوريون في المخيمات، فتراجعوا عن الفكرة. أما عن لبنان وعلى الرغم من كونها ملجأ لمليون سوري؛ إلا أن خوف هاشم من المليشيات الشيعية فيها منعه من الذهاب. لم يتبق إلا مصر.

في يونيو 2013، كنت الحكومة المصرية مرحبة بالسوريين. مصر هي الدولة المنشودة إذا ما تمكنوا من تحمل نفقات الذهاب. لا منزل لهم ليبيعوه ومع ثمن مجوهرات هيام، فالمبلغ لا يزال غير كافٍ لتحمل نفقة الذهاب جوًّا إلى مصر. الطريقة الوحيدة الآن هي الذهاب برًّا إلى الأردن، إلى ميناء العقبة فمصر. تكلفة نقل الفرد في هذه الرحلة 65$.

في منتصف نهار الإثنين الموافق 20/4/2015 على قارب خشبي صغير في عرض الأطلسي يجلس هاشم ورفاقه وهم منصتون لواحد من الركاب وهو يجري اتصالًا: “نحن بنص البحر وعددنا شي 600. في 200 مرة و100 طفل وصار لنا 3 أيام بلا ماي ومو عارفين شو نساوي، مشان الله ساعدونا”.

على الطرف المقابل كانت معه الناشطة نوال الصوفي التي أصبحت حلقة وصل بين المهاجرين غير الشرعيين وخفر السواحل الإيطالي. تتلقى نوال عدة مكالمات مماثلة كل أسبوع.

  • “الكابتن تركنا وهرب”. كذبة بيضاء لمساعدة طاقم المركب على الإفلات من العقاب إذا ما أنقذ القارب.
  • “اسمعني منيح وركز معي” طلبت منه أن ينسى الإحداثيات التي أعطاها لهم طاقم المركب وأن يشغل gps الهاتف ويرسل لها الإحداثيات بعد انتهاء المكالمة فورًا.
  • “أهم شي خلي الكل يلبسو سترات النجاة وإذا ما عندكم ع العدد، خلي كل 2 بواحدة. اتصرف، أنتم بخطر”.

في اليوم الذي انطلق فيه هذا المركب، تحطم مركب آخر مشابه وغرق 500 من ركابه، جنوب إيطاليا. في اليوم السابق لهذا الاتصال تحطم مركب كبير وأدى إلى غرق 800 آخرين، فيما بات يعرف الآن بأكبر حادثة غرق في العصر الحديث. الخطر كبير واحتمال أن يكون هذا المركب هو التالي مرجح جدًّا.

عندما وصل هاشم مصر لم يكن يتخيل نهاية مماثلة لبقائه فيها. كان من المفترض بمصر أن تكون آمنة للسوريين وكانت كذلك عند وصوله؛ ولكن كما الحال في المحطات السابقة لم يدم الأمان طويلًا.

بالنسبة لعائلة هاشم، فقد كانت تجربة مصر عصيبة؛ فقد بدأت المضايقات بعد سقوط نظام “مرسي”. عبارات مثل “يا داعش”، “أنتم اللي خربتوا البلد” و”ارجعوا لبلدكم” هذا النوع من العبارات التي لم يستطيعوا أن يعتادوا عليها. وبما أن العودة إلى بلدهم لم تكن أمرًا واردًا؛ قرر هاشم أن يجرب البحر.

بعد شهر من المحاولات الفاشلة وفي 6 سبتمبر تحديدًا، كانت العائلة في الساحل الشمالي تنتظر وصول قارب المهربين. ما إن وصلوا المكان حتى وجدوا أنفسهم مع المئات يتسابقون لوصول أحد مركبين. انتظروا دورهم الذي لم يأت؛ لأن الشرطة داهمت المكان وبدأت بإطلاق النار. لم يحاولوا الهرب فقبض عليهم وقضوا الأيام الثمانية القادمة في السجن. على الرغم من السجن وفشل الخطة وتأخر سفرهم إلا أن الجانب المضيء فيما حصل أنهم على قيد الحياة؛ فقد تمكن أحد المركبين من الانطلاق ليغرق بعد ساعات مع ركابه الـ500.

والآن وبعد 8 أشهر كان على هاشم أن يحاول ثانية، لكنه هذه المرة سيحاول وحيدًا. لم يجرؤ على المخاطرة، وكان قراره صائبًا؛ فبعد ساعات من انطلاق المركب يجلس محشورًا في الحافة وهو غارق بالماء ويرتجف من البرد. كان الجميع يتقيأ بعد غثيان دام لساعات وبدا أن نهار هذه الليلة لن يطلع.

طلع النهار أخيرًا. تسلل الدفء وبدأت ملابسهم تجف وتمكنوا أخيرًا من رؤية بعضهم. كانوا الآن في حالة أفضل نسبيًّا بعد أن تبادلوا الأدوية المضادة لدوار البحر وأقراص الليمون. استبشروا بالنهار وبالإنجاز الذي حققوه فقد انقضت أول ليلة وهم أحياء.

يعلم المهربون أن نسبة فقدانهم للمركب كبيرة لذا نقلوا الركاب إلى آخر أقدم، أبطأ، وأصغر. مرت ليلتان وحل المغيب ثانية وكان هاشم يتأمله عندما تنبه أن السفينة ذاهبة بنفس الاتجاه، أي الغروب. اخبر الآخرين وساد المركب حالة من الفوضى. هل دار المركب واتجه لمصر ثانية؟

في اليوم التالي وبعد أن ضاعوا في البحر، أجروا الاتصال بنوال الصوفي كي تساعدهم. بعد انتهاء المكالمة توزع المهربون بين الركاب وتسمر الجميع في أماكنهم في انتظار وصول الإنقاذ. كان المزيج من الفرحة والتوتر عاليًا؛ فكثير من المراكب تغرق عند وصول الإنقاذ بسبب الفوضى التي تسود المكان.

ظن الجميع أن الرحلة انتهت إلى أن حلقت طائرة مروحية فوق المركب وحطمت آمال الجميع.

يتبع في الجزء الثاني.

  • ملحوظة الصور جميعها مصدرها المقال الأصلي حيث إنها مقابلة مع هذا الشخص.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد