إن أفضل ما يمكن تفسير العلاقة الحميمة الحادثة مؤخرًا بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل في ضوئه هو القول المأثور «عدو عدوي هو صديقي». العدو في هذه الحالة هو إيران التي يعتبرها كلا البلدين تهديدًا لمصالحهما الاستراتيجية في الشرق الأوسط. تتصارع إيران مع السعودية في منافسة شرسة من أجل النفوذ في الخليج العربي والشرق الأوسط الموسع، إلا أنه يبدو أن الرياض ستخسر هذه المنافسة؛ وهذا ما يتضح من الأحداث الجارية في سوريا ولبنان والعراق، فضلًا عن تحدي قطر للتهديدات السعودية والتفكك البطيء المحتوم لمجلس التعاون الخليجي. هكذا افتتح محمد أيوب مقاله الذي نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية.

يقول أيوب إن الأسباب الكامنة وراء مبادرات إسرائيل تجاه السعودية أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه؛ فالجبهة المشتركة ضد إيران هي أحد العوامل التي تحدد السياسة الإسرائيلية، حيث تتحدى إيران الاحتكار النووي لإسرائيل في المنطقة وتستخدم نفوذها في الشرق لإعاقة الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، ولذلك فهي تعتبر تهديدًا كبيرًا بالنسبة لصانعي القرار في إسرائيل. وبالإضافة لذلك تعتقد الحكومة الإسرائيلية أن تحسين العلاقات مع الرياض سوف يخدم أهدافًا استراتيجية أخرى لها نفس القدر من الأهمية.

أولًا: من المرجح أن تؤدي رغبة السعودية في إقامة علاقات مع إسرائيل – التي أصبحت الآن سرًا مكشوفًا – إلى حث الدول العربية الأخرى – وخاصة دول الخليج الغنية بالنفط – على فتح اقتصاداتها أمام الاستثمارات الإسرائيلية وخبراتها الفنية؛ مما يمنح إسرائيل منافع اقتصادية جمة، وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى عُمان، وكذلك زيارة بعض كبار أعضاء الحكومة الإسرائيلية إلى الإمارات هو جزء من نفس الاستراتيجية. لكن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد بشكل حاسم على قيام إسرائيل بإنشاء علاقات قوية مع المملكة العربية السعودية، حتى وإن لم يتم الاعتراف بها.

Embed from Getty Images

صورة التقطت في 15 فبراير 2018 تظهر الوزير العماني المسؤول عن الشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، في زيارة للمسجد الأقصى مع  مسجد قبة الصخرة في الخلفية.

ثانياً: تدرك حكومة نتنياهو جيداً أن تحسين العلاقات مع النظام السعودي «حارس أقدس الأماكن الإسلامية»، والمصدر الرئيس للنفط في العالم سيساعد في حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني بالشكل الذي يرضي تل أبيب، وكذلك سيساعد إسرائيل في الحفاظ على الوضع الراهن أو – بشكل أكثر تحديدًا – السيطرة على جميع الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط دون إعطاء الفلسطينيين أي حق في المواطنة. وعلاوة على ذلك تدرك إسرائيل أنه في حالة مباركة الرياض لمساعيها فإن الوضع الراهن سيكون مقبولًا لدى الدول العربية والإسلامية الأخرى أيضًا، لأن العديد منها – مثل مصر وباكستان – يعتمد على السخاء السعودي.

لقد دعمت إدارة ترامب أيضًا التقارب السعودي الإسرائيلي بشكل كبير، كما وطد كوشنر – صهر الرئيس ترامب والموكل بملف الشرق الأوسط – علاقة قوية مع ولي العهد محمد بن سلمان. ولقد استخدم كوشنر تلك العلاقة القوية – من بين أمور أخرى – لحث محمد بن سلمان على قبول وجهة نظر إسرائيل في القضية الفلسطينية، كما أنه حقق نجاحًا كبيرًا في تحريك النظام السعودي في هذا الاتجاه قبل قضية مقتل خاشقجي.

يشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة مهتمة للغاية بوجود جبهة مشتركة بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل ضد إيران التي يُنظر إليها كخصم أمريكا الرئيس في الشرق الأوسط. أدت معارضة كل من الرياض وتل أبيب للاتفاق النووي الإيراني إلى وضع أساسات هذه الجبهة المشتركة. كما أدى وصول دونالد ترامب إلى السلطة وانسحابه لاحقًا من الاتفاق النووي إلى زيادة جرأة المملكة العربية السعودية وإسرائيل في مواجهتهما مع إيران.

كانت الأمور تسير بسلاسة كبيرة فيما يتعلق بالعلاقة الإسرائيلية السعودية حتى قُتل الصحافي جمال خاشقجي بناءً على طلب النظام السعودي – بحسب الكاتب. فقد التقى كبار المسؤولين في الحكومتين – بما في ذلك مدير الموساد يوسي كوهين – عدة مرات إلا أن هذه الاجتماعات كانت سرية. أما من الجانب السعودي فقد أفادت الأنباء أن كبار مساعدي ولي العهد السعودي الأمير سعود القحطاني ونائب رئيس المخابرات السابق أحمد العسيري لعبا دورًا هامًا في المفاوضات السرية مع إسرائيل. حيث كانت الرياض مهتمة بشكل خاص بشراء تقنيات مراقبة متقدمة من شركات إسرائيلية بهدف إحكام سيطرتها على المجتمع السعودي وجيرانها.

إلا أن قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي – الذي يُرجح عمومًا أنه ارتكب بناء على أوامر من أرفع المستويات في النظام السعودي – قد أدى إلى تعقيد الأمور لعدة أسباب. أولًا: تم استبعاد المحاورين السعوديين الرئيسين – القحطاني والعسيري – من مناصبهما الحساسة بسبب مشاركتهما في قضية خاشقجي؛ مما أدى إلى توقف التواصل السعودي الإسرائيلي. ثانيًا: أصبح محمد بن سلمان محور انتقادات حادة عقب مقتل خاشقجي، كما أنه مسؤول عن المأساة اليمنية التي خلفت آلاف القتلى من المدنيين وملايين غيرهم على شفا المجاعة. وبالتالي فهو لا يستطيع تحمل الخوض في مخاطرات سياسية أكبر من خلال الاستمرار في التعامل مع إسرائيل التي لا تزال تعتبر منبوذة – على المستوى الشعبي على الأقل – في كثير من دول العالم العربي والإسلامي.

Embed from Getty Images

ثالثًا: يبدو أن هناك انفصالًا بين موقف الملك سلمان وموقف ابنه فيما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. فمحمد بن سلمان يرى – والفضل في ذلك يعود لكوشنر – أن أفضل حل للفلسطينيين هي قبول كل ما يُقدم لهم في خطة ترامب/كوشنر. أما على الجانب الآخر فقد أكد الملك سلمان على الموقف السعودي القائل بأن للفلسطينيين الحق في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس، كما أنه انتقد قرار الرئيس ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وبالإضافة لذلك هناك أيضًا تقارير تفيد بأن الملك ربما قام بإعفاء محمد بن سلمان من إدارة ملف القضية الفلسطينية لكي يتولى إدارته بنفسه. ومن المرجح أن يكون لذلك تأثير سلبي على العلاقة الحميمة المتنامية بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية؛ حيث كان محمد بن سلمان وأقرب معاونيه هم المسؤولين عن قيادة هذه العلاقة.

هذا لا يعني أن العلاقة السعودية الإسرائيلية ستعود إلى حالة العداء الذي كان موجودًا بين الدولتين. لقد كان التقارب بين البلدين عملية مستمرة منذ ما لا يقل عن عقدين من الزمان، وفي هذا الصدد لا بد من ذكر مبادرة السلام العربية التي رعتها السعودية والتي تبنتها قمة جامعة الدول العربية في بيروت عام 2002، حيث عرضت هذه المبادرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل انسحابها الكامل من الأراضي المحتلة (بما في ذلك القدس الشرقية) و«تسوية عادلة» لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين استنادًا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الذي تم تبنيه في ديسمبر (كانون الأول) 1948.

وبالإضافة إلى ذلك، يختم الكاتب قائلًا أنه من المهم أن نشير إلى أن عداء الدولتين المشترك تجاه إيران وعلاقتهما الوثيقة مع الولايات المتحدة سيجعل من المحتوم على المملكة العربية السعودية وإسرائيل استئناف علاقتهما السرية في نهاية المطاف، إلا أنه من المرجح أن تظل اتصالاتهم مجمدة لبعض الوقت إلى أن تنحسر الفضيحة المحيطة بمقتل خاشقجي من الذاكرة العامة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد