في الخامس من يونيو (حزيران)، بعد وقتٍ قصير من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، أعلنت السعودية والإمارات ومصر والبحرين فرض حصارٍ على قطر بلا أسباب مُباشرة واضحة حينها. «ثمَّ خرجت قائمة تحتوي 13 مطلبًا مبالغًا فيها، وكأن القصد من ورائها هو أن ترفضها قطر».

تقلصت القائمة إلى ستة مطالب بعد أن تجاهلت قطر المُهلة الممنوحة لها حتى الثالث من يوليو (تموز). وحاليًا يتواجد وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون في الخليج في محاولةٍ للتوسط بين أطراف النزاع. لكن يبدو أن حل الأزمة ما زال بعيد المنال، إذ أن الأزمة التي بدأت بتوقعات الانهيار السريع لقطر، تحت الضغوط الخليجية والتهديدات بتغيير النظام من الداخل أو إعلان الحرب عليه، استقرت الآن إلى «قطيعة طويلة الأمد».

في تقريره بصحيفة «واشنطن بوست»، يحلِّل مارك لينش الأزمة بين قطر وبين دول الخليج، ويخرج بثلاثة دروسٍ مستفادة.

اقرأ أيضًا: هل فشلت الأجندة الإماراتية في بلدان المغرب العربي؟

1. للقيادة السعودية-الإماراتية حدودها

في الأزمة القطرية، كما في «حربهما الكارثية في اليمن» على حد وصف لينش، بالغت السعودية والإمارات جذريًا في تقدير احتمالات النجاح، وفشلتا في وضع خطة بديلة في حالة سير الرياح بما لا تشتهي السفن.

بالغت الدول الأربع في تقدير حجم المخاوف القطرية من الانعزال عن مجلس التعاون الخليجي، وضخَّمت من قدرتها على إلحاق الأذى بجارتها التي تعد واحدة من الدول الأغنى في العالم. لم تؤذِ المقاطعة الاقتصادية قطر إلا قليلًا، وتقلص تأثير التهديدات العسكرية ما إن أعلن الجيش الأمريكي أنه لا ينتوي الانصياع لمقترحات الإمارات ونقل قاعدته العسكرية من قطر.

المطالبة بإغلاق شبكة قنوات الجزيرة، فقد استجلبت الإدانات من كل دول العالم لما رأته اعتداءً على حرية الصحافة. كذلك لم تجد الانتقادات الموجهة لنظام قطر غير الديمقراطي صدًى، كون مصدرها «أنظمة أربعة تتسم بالشراسة في قمعيتها ومعاداتها للديمقراطية»، على حد وصف لينش.

إلا أن الجدير بالملاحظة هو فشل السعودية والإمارات في ضم المزيد من الدول إلى التحالف. لم تتمتع البحرين بسياسة خارجية مستقلة منذ قمعها الوحشي لتظاهرات 2011، بينما ترى مصر قطر جزءًا من صراع القوة الداخلي مع جماعة الإخوان المسلمين. لكن لم تدعم أي دولة أخرى الحملة السعودية الإماراتية ضد قطر دعمًا حقيقيًا. اختارت الكويت وعُمان دور الوساطة، بينما بذلت دول شمال إفريقيا، وحتى عمان، جهدها لتبقى على الحياد انتظارًا لمآلات الأزمة، فيما أسماه لينش «انقسامًا» داخل مجلس التعاون الخليجي.

في الوقت نفسه، خلقت جهود عزل قطر فجواتٍ جديدة سعت القوى الإقليمية الأخرى إلى ملئها. أرسلت تركيا قواتٍ عسكرية إلى قطر بهدف ردع أي غزو؛ في خطوة رمزية أكثر من كونها عملية، إذ أن احتمالات الهجوم على قطر كانت ضعيفة منذ بداية الأزمة. بينما انتهزت إيران الفرصة لتحسين علاقاتها مع قطر، ومع عمان والكويت أيضًا.

اقرأ أيضًا: مترجم: لماذا على دول الخليج صنع غذائها بنفسها؟ حصار قطر يخبرنا

ويرى لينش أن استعداد السعودية والإمارات لتفتيت مجلس التعاون الخليجي بسبب عداواتهما مع قطر يُشير إلى أن صراعات القوة بين القوى السنية، ومخاوفها الوجودية المستمرة من الاحتجاجات الشعبية وحركات الإسلام السياسي المُنافسة، هي تهديدات يرونها أكثر إلحاحًا من الخطر الإيراني الذي تدور حوله النقاشات أكثر بكثير في العالم العربي.

2. لا أحد يفهم سياسة الولايات المتحدة حيال الأزمة

تُرسل إدارة ترامب رسائل مختلطة اختلاطًا مثيرًا للارتباك منذ بداية الأزمة. أصدر ترامب عددًا من التصريحات والتغريدات المؤيدة بقوة للسعودية وقطر، ما قوى شوكة التحالف الرباعي ودفعه إلى الثبات على موقفه. لكن البنتاجون أوضح أنه لا يعتزم نقل القاعدة العسكرية الأمريكية من قطر. أما تيلرسون فقد ركز على الوساطة وضرورة إيقاف التصعيد، ووقع اتفاقية متعلقة بتمويل الإرهاب مع قطر، مما تسبب في تهميش المطلب الأساسي في حملة الدول الأربع.

وكان كثيرٌ من مراقبي المشهد قد توقعوا أن اتفاق ترامب مع وجهة النظر العالمية التي تتبناها السعودية والإمارات، والذي ظهر في أثناء زيارته إلى المنطقة، يُشير إلى عودة الشراكة الوثيقة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين في الخليج. إلا أن الفوضى الحالية تُشير إلى أن الخلافات بين الولايات المتحدة والدول الخليجية كانت هيكلية لا شخصية، إذ تمر إدارة ترامب الآن بديناميكية تحالفٍ سياسي مشابهة جدًا لما مرت به إدارة أوباما: تتصرف أنظمة الخليج وفق مصالحها الداخلية والإقليمية بلا اعتبار لأولويات واشنطن، وعلى رأسها الحملة على تنظيم الدولة الإسلامية.

اقرأ أيضًا: «بروكنجز»: قد تتوقف عن دعم قطر.. كيف ستغير تركيا موقفها تجاه أزمة الخليج؟

3. الحرب على «الإرهاب» تهدف في الحقيقة إلى تأمين الأنظمة

يقول لينش إن الأزمة القطرية تبرعمت من حروب الوكالة التي استنزفت القطاع منذ الانتفاضات العربية في 2011، والتي دعمت فيها دول الخليج بانتظامٍ جماعاتٍ محلية مسلحة من خلفياتٍ متنوعة سعيًا إلى تنصيب حلفاء محليين فاعلين على الأرض. تدفقت الأموال والأسلحة القطرية الإماراتية إلى الجماعات المسلحة في ليبيا منذ بداية الحرب الليبية، وكان لهذا آثاره المدمرة العميقة على المسار الليبي ما بعد القذافي، ويعد سببًا رئيسيًا في إخفاق محاولات إعادة بناء الدولة الليبية.

لأعوامٍ ضغطت مصر والسعودية والإمارات من أجل إعلان جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية عالمية، رغم إجماع الخبراء على أنها ليست كذلك. والسبب الحقيقي هو أن قطر والإخوان المسلمين على الجانب الآخر من الصراع على النفوذ في المنطقة، وأدى هذا الاستقطاب بين الإسلاميين وخصومهم في النهاية إلى «انقلابٍ عسكري مدعوم من الإمارات والسعودية» على حد قول لينش، بينما تجنبت تونس هذا المصير بالكاد حين تنحت حركة النهضة عن السلطة طواعية.

وفي سوريا قامت دول الخليج وشبكاتها الخاصة بدعم الجماعات الإسلامية المسلحة في الخمسة أعوام الأخيرة، فيما وصفه لينش بـ«تصرف غير مسؤول» تساوت فيه قطر مع دول الخليج الأخرى. شاركت السعودية مشاركة كبيرة في تسليح الثوار السوريين، بينما كانت الكويت بؤرة جمع التمويل للمتمردين في سوريا.

وفي بدايات 2015، انضمت السعودية إلى قطر وتركيا في دعم تحالف «جيش الفتح» الإسلامي المتشدد، الذي ضم العديد من الرموز والجماعات نفسها التي تُشير إليها دول الخليج الآن بأصابع الاتهام. والخطاب الإسلامي الطائفي المتشدد في وسائل الإعلام القطرية وشبكة قنوات الجزيرة لم يختلف كثيرًا عن الخوار السائد في وسائل الإعلام الخليجية الأخرى والشبكات الإسلامية السلفية.

ماذا تعلَّمنا؟

ينتهي لينش إلى أن الأزمة القطرية أثبتت أن الصراع بين الدول السنية سيستمر في حدته، وأن المخاوف الأمنية للأنظمة ما زالت هي الدافع الرئيسي لسياساتها. وهو ما يجعل الرسائل المختلطة من إدارة ترامب شديدة الخطورة في هذا الوقت الحرج بالنسبة للشرق الأوسط. فقوى المنطقة تخطئ بتواترٍ مذهلٍ في حساب النتائج المتوقعة من اتباع سياساتٍ معينة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد