اعتبر الكاتب الصحفي الأمريكي دايلان ماتيوس في تقرير نشره موقع «ڤوكس» الأمريكي، أن الاستقلال الأمريكي عن الإمبراطورية البريطانية، والذي يوافق عطلة رسمية في الولايات المتحدة الأمريكية بمناسبة اعتماد وثيقة إعلان الاستقلال في 4 يوليو (تموز) من عام 1776، اعتبره خطأً هائلًا ارتكبته الولايات المتحدة.

ورصد الكاتب الأمريكي في تقريره ثلاثة أسباب رئيسية حاول بها إقناع القارئ بوجهة نظره التي لا تقف في صف الاستقلال الأمريكي، وهي كما يلي:

1. كان إلغاء الرق في أمريكا سيتم أسرع من دون الاستقلال.

2. كان الاستقلال أمرًا سيئًا للمواطنين الأصليين.

3. كانت الولايات المتحدة ستحصل على نظام برلماني بدلًا من الرئاسي، إذا بقيت مع بريطانيا.

وقال الكاتب في مستهل التقرير: «في الرابع من يوليو (تموز)، أحتفل بعيد الاستقلال وأنا أستقل طائرة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى المملكة المتحدة. لم يكن التوقيت مقصودًا، ولكني أستلهم الرمزية. كان استقلال الولايات المتحدة في عام 1776 خطأً هائلًا. ينبغي لنا أن نعلن الحداد على حقيقة أننا غادرنا المملكة المتحدة، وليس الهتاف لها».

وأضاف الكاتب أن تقييم الحكمة من الثورة الأمريكية، بطبيعة الحال، يعني التعامل مع حقائق متناقضة. من الواضح أننا لا يمكن أن نكون متأكدين تمامًا كيف كانت الأمور ستمضي بأمريكا إذا كانت قد بقيت في الإمبراطورية البريطانية لفترة أطول، وربما الحصول على الاستقلال بعد قرن أو نحو ذلك في وقت لاحق، جنبًا إلى جنب مع كندا.

ولكن الكاتب ذكر أنه يثق في أن العالم الذي لم تحدث فيه الثورة كان سيكون عالمًا أفضل من الذي تحياه الولايات المتحدة الآن، لثلاثة أسباب رئيسية: كان سيُلغى الرق في وقت أبكر، وكان الهنود الحمر سيتعرضون للاضطهاد المستشري، ولكن ليس التطهير العرقي الصريح الذي ارتكبه أندرو جاكسون والقادة الأمريكيون الآخرون، وكان سيصبح لأمريكا نظام للحكم البرلماني الذي يجعل السياسات أسهل، ويقلل من خطر الانهيار الديمقراطي.

كان إلغاء الرق في أمريكا سيتم أسرع دون الاستقلال

رأى الكاتب أن السبب الرئيسي في أن الثورة كانت خطأً، هو أن الإمبراطورية البريطانية، في جميع الاحتمالات، قد ألغت الرق في وقت سابق عما فعلته الولايات المتحدة، وبقدر أقل من إراقة الدماء.

حدث إلغاء الرق في معظم الإمبراطورية البريطانية في عام 1834، بعد تمرير قانون إلغاء الرق. ولم يشمل ذلك الإلغاء آنذاك الهند، ولكن تم حظر العبودية هناك، أيضًا، في عام 1843. وفي إنجلترا نفسها، كان الرق غير الشرعي على الأقل يعود إلى عام 1772، في وقت سابق بعقود الولايات المتحدة.

وهذا وحده -بحسب الكاتب- يكفي لجعل الأمور لا ترجح كفة الثورة. فعقود أقل من العبودية تعد مكسبًا إنسانيًّا ضخمًا، يهيمن بالتأكيد على المكاسب الأخرى التي خلفها الاستقلال على المستعمرين.

لقد كانت الفائدة الرئيسية التي خلفتها الثورة للمستعمرين أنها أعطت مزيدًا من السلطة السياسية لأقلية الذكور البيض في أمريكا. بالنسبة للغالبية العظمى من البلاد -نسائها، والعبيد، والهنود الأمريكان- كان الفرق بين الحرمان في أمريكا المستقلة، والحرمان في أمريكا البريطانية التي يسيطر عليها الاستعمار، يكاد يذكر.

وأردف الكاتب بقوله إنه صحيح أنه لو كانت الولايات المتحدة قد بقيت، فإن بريطانيا كانت ستجني مكاسب أكثر من ذلك بكثير من استمرار العبودية مما فعلت بدون أمريكا. كانت بريطانيا تسيطر على عدد من الدول ذات اقتصادات الرقيق -وبخاصة جامايكا وجزر أخرى في جزر الهند الغربية-.

ولكن الكاتب ذكر أيضًا أن تأثير الجنوب السياسي داخل الإمبراطورية البريطانية، كان يمكن أن يكون أصغر بكثير من نفوذه في الجمهورية الأمريكية في مراحلها المبكرة.

كان الجنوب، مثل كافة التبعيات البريطانية الأخرى، يفتقر إلى التمثيل في البرلمان. وكانت الولايات الجنوبية مستعمرات، وتم اقتطاع مصالحها من قبل الحكومة البريطانية وفقًا لذلك. ولكن الجنوب كان أيضًا أصغر باعتباره جزءًا من اقتصاد الإمبراطورية البريطانية في ذلك الوقت، مما كان عليه باعتباره جزءًا من أمريكا. وكان لدى التاج البريطاني القليل ليخسره من إلغاء الرق مقارنةً بالنخب البيضاء في الدولة المستقلة التي أسستها أمريكا.

وأشار الكاتب إلى أن الثوار فهموا هذا. في الواقع، ساعدت الرغبة في الحفاظ على العبودية على إذكاء الدعم الجنوبي للحرب. في عام 1775، بعد أن بدأت الحرب في ولاية ماساشوستس، إيرل دونمور، حاكم ولاية فرجينيا فيما بعد، عرض على العبيد الحرية إذا جاؤوا وقاتلوا من أجل القضية البريطانية.

ونقل الكاتب في تقريره ما ذكره إريك هالت هيرسك، وهو طالب دكتوراه في التاريخ في جامعة كولومبيا، من أن الإعلان وحد البيض في فرجينيا وراء جهد المتمردين. واستشهد بما ذكره فيليب فثيان، الذي كان مسافرًا عبر ولاية فرجينيا عندما تم الإعلان، قائلًا: «يشعر سكان هذه المستعمرة بالقلق العميق من هذه الخطة الجهنمية».

لمالكي العبيد البيضاء في الجنوب… فإن الحرب كانت «ثورة، أولًا وأخيرًا، وجرى الحشد لها لحماية الرق».

وفقًا للكاتب، فهم العبيد أيضًا أن فرصهم في التحرر كانت أفضل في ظل الحكم البريطاني من الاستقلال. فعلى مدار الحرب، حوالي 100 ألف من العبيد الأفارقة هربوا أو لقوا حتفهم، أو قتلوا، وعشرات الآلاف جندوا في الجيش البريطاني، أكثر بكثير ممن انضموا إلى المتمردين.

استشهد الكاتب بما ذكره المؤرخ جاري ناش في The Forgotten Fifth، والذي يؤرخ فيه تاريخ الأمريكيين من أصل أفريقي في الثورة، حيث يقول: «سَعْي الأمريكان السود من أجل الحرية ارتبط، في معظمه، بالقتال إلى جانب البريطانيين، وهم الطرف الذي وعدهم بالحرية في حرب الاستقلال».

في نهاية الحرب، تم إجلاء الآلاف الذين ساعدوا البريطانيين للحصول على الحرية إلى نوفا سكوتيا، وجامايكا، وإنجلترا.

هذا لا يعني أن البريطانيين كانوا مدفوعين بالرغبة في مساعدة العبيد. بالطبع لم يكونوا. ولكن العبيد الأمريكان اختاروا أن يقفوا في الثورة، إلى جانب التاج. ولم يكونوا حمقى.
فهم كانوا يعرفون أن الاستقلال يعني مزيدًا من السلطة لطبقة المزارعين الذين استعبدوهم، وأن فوز البريطانيين ليعرض آفاقًا أكبر بكثير من أجل الحرية.

كان الاستقلال أمرًا سيئًا للمواطنين الأصليين

ذكر الكاتب في هذه النقطة أنه بدءًا من إعلان 1763، فقد وضعت الحكومة الاستعمارية البريطانية قيودًا صارمة على التسوية في الولايات المتحدة. ولم يكن ذلك مدفوعًا برغبة الإيثار للحفاظ على الهنود الحمر من الخضوع. بل كانت تريد ذلك فقط لتجنب النزاعات الحدودية.

ولكن أثارت تلك السياسة غضب المستوطنين الأمريكيين، الذين كانوا يبدون قلقًا من أن البريطانيين سوف يقفون إلى جانب الهنود ضد البيض.

ونقل الكاتب ما ذكره إيثان شميت، وهو ممن تناولوا قضية الهنود الحمر في الثورة الأمريكية، في كتابه: Native Americans in the American Revolution، أو «المواطنون الأمريكيون الأصليون في الثورة الأمريكية»: «ظلت الحكومة البريطانية تنظر إلى الهنود الحمر كتابعين للتاج، على غرار المستعمرين».

وأضاف: «المستوطنون الأميركيون… رفضوا اعتبار الهنود كزملائهم. بدلًا من ذلك، نظروا إليهم كعقبات في طريق أحلامهم لملكية الأراضي وتداول الثروة»، وينعكس هذا الرأي في إعلان الاستقلال، الذي يهاجم الملك جورج الثالث لدعم «الهنود الهمج».

وأوضح الكاتب أن الاستقلال الأمريكي جعل الإعلان خاويًا أو فارغًا من مضمونه في الولايات المتحدة. ولم يكن كذلك في كندا -في الواقع، في كندا، كان ينظر إلى إعلان 1763 كوثيقة أساسية توفر حقوق الحكم الذاتي لقبائل الأمم الأولى-. وقد ذُكر صراحة في الميثاق الكندي للحقوق والحريات (ميثاق كندا للحقوق)، الذي يحمي «الحقوق والحريات التي تم الاعتراف بها من قبل الإعلان الملكي في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1763» لجميع السكان الأصليين.

ومما لا يثير الدهشة في نظر الكاتب، أن كندا لم تر الحروب الهندية وعمليات الإخلاء الكبيرة كما حدث في الولايات المتحدة. كندا، في ظل الحكم البريطاني وبعده، أساءت معاملة الأصليين بطريقة وحشية، وليس أقل من المجاعات التي حدثت، ومصادرة الدولة للأطفال وفصلهم عن أسرهم حتى يتمكنوا من الحضور في المدارس الداخلية.

ولكن البلاد لم تشهد توسعًا غربيًّا عنيفًا وقاتلًا كما فعلت الحكومة الأمريكية والمستوطنون. في غياب الثورة، فإن بريطانيا ربما قد انتقلت إلى الأراضي الهندية. ولكن قليلًا من الناس كانوا سيلقون حتفهم.

وأشار الكاتب إلى أنه لا شيء من هذا يقلل حجم الجرائم البريطانية والكندية ضد السكان الأصليين. ونقل عن الكاتب الكندي جيت هير قوله: «إنها قضية صعبة لأنني حتى وإن كنت أعتقد أن معاملة كندا للمواطنين الأصليين كانت أفضل من الولايات المتحدة، فإنها ما تزال توصف بالرهيبة». على الجانب الإيجابي لكندا: لم تكن هناك إبادة جماعية صريحة.

كانت الولايات المتحدة ستحصل على نظام برلماني بدلًا من الرئاسي إذا بقيت مع بريطانيا

قال الكاتب هنا: «بصراحة، أعتقد أن إلغاء الرق في وقت مبكر وحده يكفي لجعل الكفة لا ترجح الثورة، وذلك جنبًا إلى جنب مع المعاملة الرهيبة للهنود الحمر. ولكن الأمر يستحق أن نأخذ ثانية للحديث عن أمر ثالث أقل أهمية، ولكنه ما يزال كبيرًا إذا بقيت مع بريطانيا: كانت الولايات المتحدة في جميع الاحتمالات، ستصبح دولة ديمقراطية برلمانية بدلًا من دولة رئاسية».

فالديمقراطيات البرلمانية أفضل بكثير من الرئاسية. فهي أقل عرضة للانهيار نحو الدكتاتورية لأنها لا تؤدي إلى نزاعات لا يمكن تسويتها، مثلًا، بين الرئيس والسلطة التشريعية.

ولإثبات وجهة نظره، أشار الكاتب إلى أن النشطاء في الولايات المتحدة، الذين يريدون فرض ضريبة على انبعاثات الكربون، كانوا قد قضوا سنوات في محاولة لتشكيل ائتلاف لتحقيق ذلك، وحشد الشركات المتعاطفة، ومحاولة إقامة تحالف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وما يزالون غير قادرين على تمرير قانون يوجب فرض هذه الضريبة، بعد إنفاق ملايين من الدولارات.

أما في المملكة المتحدة، فقد قررت الحكومة المحافظة أنها تريد فرض ضريبة على الكربون. لذلك كان هناك ضريبة الكربون.

وذكر الكاتب أن إصدار تشريعات كبيرة، ضرورية -في هذه الحالة، التشريعات  ضرورية حرفيًّا لإنقاذ كوكب الأرض- هي أسهل مع البرلمانات مما مع النظم الرئاسية.

وهذه ليست قضية تافهة، وفق تعبير الكاتب. فالمرور الفعال للتشريعات له عواقب إنسانية هائلة. وكفاءة الأنظمة البرلمانية تمكن الوصول إلى برامج أكبر للرعاية الاجتماعية التي تحد من عدم المساواة، وتحسّن حياة المواطنين الفقراء. وبحسب ما رصده الكاتب، فإن الإنفاق الحكومي في البلدان البرلمانية  يبلغ حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة التي لا تتحقق في البلدان الرئاسية.

من ناحية أخرى، يفيد نظام وستمنستر للديمقراطية البرلمانية أيضًا من الغرف البرلمانية العليا الأضعف. فالولايات المتحدة كانت قد أثقلت بمجلس الشيوخ الذي يعطي ولاية وايومنج السلطة ذاتها التي يمنحها لولاية كاليفورنيا التي يزيد فيها التعداد السكاني بواقع 66 ضعف ولاية وايومنج.

واختتم الكاتب بقوله إن نظام الحكم في الملكيات الدستورية هو الأفضل لنظام للحكم. وبصفة عامة، في النظام البرلماني، فإننا نكون بحاجة إلى رئيس الدولة الذي هو ليس رئيس الوزراء، ليكون بمثابة الحكم عندما تكون هناك خلافات حول كيفية تشكيل الحكومة، مثلًا، أو ما إذا كان ينبغي السماح لأكبر حزب لتشكيل حكومة أقلية، أو ما إذا كان ينبغي السماح للأحزاب الأصغر لتشكيل ائتلاف، على سبيل المثال كما حدث في كندا مؤخرًا. إن رئيس الدولة هو عادة رئيس صوري منتخب من قبل البرلمان (ألمانيا، إيطاليا) أو الشعب (أيرلندا وفنلندا)، أو الملك. والملكيات أفضل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد