كتب جيرالد هيمان، أحد كبار الخبراء في مركز الشؤون الإستراتيجية والدولية، مقالًا نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية، تناول فيه الحديث عن الأسباب الثلاثة الكامنة وراء حتمية خسارة الولايات المتحدة لأفغانستان، مؤكدًا أن إخفاقات واشنطن تفاقمت بسبب مستوى الفساد الذي استشرى داخل أفغانستان وأغضب الأفغان والأجانب على حدٍ سواء.

يشير الكاتب في بداية مقاله إلى أنه عندما تُكتَب المراجعة اللاذعة لتجربة الولايات المتحدة في أفغانستان، فإنها ستكتشف بالتأكيد خطأين أساسيين في جذور فشل هذه التجربة، إذ يُعد هذان الخطآن صورتان يعكس بعضهما الآخر.

أخطاء فادحة

ويتمثَّل الخطأ الأول في محاولة بناء جيش يتجاوز كثيرًا قُدرة أفغانستان على دعمه بمفردها أو حتى بمساعدة مستمرة طويلة الأمد من جانب حلفائها. وعندما سُحِبَ هذا الدعم، بل عندما انخفض انخفاضًا شديدًا، انهارت قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية ببساطة. بيد أن حركة طالبان نجحت بمساعدة المقاتلين غير النظاميين في استخدام مُعدَّات بدائية للغاية (باستثناء كمية من المُعدَّات التي استولت عليها الحركة من قوات الدفاع والأمن الوطني الأفغانية)، إذ تتَّسِم الحركة بمزيد من اللامركزية والشراسة، ولكنها أكثر حماسًا وأشدُّ قدرة على تقويض قوات الدفاع والأمن الوطني الأفغانية من خلال تشكيل تهديدات، ودفع رشاوي، وتقديم إعانات، وإغراءات، وإقامة علاقات شخصية.

Embed from Getty Images

ويضيف الكاتب: أما الخطأ الثاني الموازي فهو محاولة بناء دولة مركزية مدنية، وهو ما يتجاوز أيضًا قُدرة الأفغان على دعمها، بل يتجاوز رغباتهم، أو تطلعاتهم، أو مصالحهم، أو تاريخهم.

فيما يتمثَّل الخطأ الثالث الأقل أهمية في الفشل، على الأقل على الجانب المدني، وبغض النظر عن الخطاب المعاكس، في إقامة شراكة حقيقية «تحالف» بين حلفاء «حلف شمال الأطلسي (الناتو)» وداعميهم، مثل الأمم المتحدة. وصحيح أن كل بلد من البلدان الأعضاء في التحالف وضع برامج مساعدة خاصة به على غرار ما فعلت الأمم المتحدة، ولكنَّ هذه البرامج فرعية إن لم تكن تابعة للجهود الانفرادية التي تبذلها الولايات المتحدة.

سجل إجرامي مُخزٍ

ووفقًا لكاتب المقال، تفاقمت كل هذه الإخفاقات بسبب السجل الإجرامي للسلطات الأفغانية. وكان المستوى الضخم الذي وصل إليه الفساد الداخلي معروفًا للغاية ومُحكَم التوثيق. وأفادت تقارير موثوقة أن كبار المسؤولين الأفغان، العسكريين منهم والمدنيين بصفة خاصة، يغادرون البلاد بانتظام، ويتَّجهون إلى دبي أو غيرها من الوجهات الخليجية حاملين معهم حقائب مليئة بالنقود وغيرها من الأشياء الثمينة التي قدَّمها لهم التحالف بالطبع. وأثناء فراره من كابول إلى الإمارات، أفادت تقارير أن الرئيس الأفغاني أشرف غني أخذ عديدًا من المركبات المُحمَّلة بالنقود التي لا يمكن تحميلها جميعًا على متن الطائرة، ولذلك ترك غني مقدارًا ضخمًا منها في منطقة إقلاع الطائرة.

ثقافة

منذ شهرين
الديوبندية.. تعرف إلى فكر المدرسة الدينية التي خرجت منها «طالبان»

وحاول المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان وفريقه محاولة باسلة لتوجيه الانتباه إلى الفساد من خلال التقارير ربع السنوية التي يُعدَّها، ولكن لم يلتفت إليه أحد. وقد تلقَّى مسؤولون أمريكيون التحذيرات عشرات المرَّات، والتي لم تقتصر على التحذيرات التي أصدرها المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان. غير أن هؤلاء المسؤولين تجاهلوا جميع التحذيرات.

والأسوأ من ذلك أنهم سحقوا من استطاعوا من المعارضين لآرائهم، وأصدروا تعليمات للمحلِّلين بتعديل تقاريرهم لتتوافق مع عقيدة الولايات المتحدة وحساسية وضع المسؤولين الأفغان. وفي الواقع، وردت تقارير تفيد أن مجموعة من الاجتماعات المُشتركَة بين الوكالات في عام 2011 قرَّرت أن الولايات المتحدة ستتجاهل الفساد نظرًا لصعوبة استئصاله، فضلًا عن تَلقِّي عدد كبير للغاية من «شركاء» الولايات المتحدة المُهمِّين في حكومة أفغانستان رشاوي.

لماذا غضب الأفغان والأجانب على حد سواء؟

ولكن الفساد لم يكن الفشل الأخلاقي والعملي الوحيد للقيادة الأفغانية، وآية ذلك أن غرور رئيسي أفغانستان، اللذين اختارتهما الولايات المتحدة بصفة أساسية في شخص السفير زلماي خليل زاد، المُطلَق وفسادهما أغضبا الأفغان والأجانب على حد سواء. ومع ذلك قد يكون الفساد أقل بكثير إذا كان مُجمَل المحاولة، التي تُقدَّر بنحو 2 تريليون دولار، أقل بدرجة كبيرة وأكثر ملاءمة لتاريخ أفغانستان ومصالحها وأُسُسِها الاجتماعية.

Embed from Getty Images

ويختم الكاتب تقريره بالتنويه إلى أنه لا يوجد شيء يذكر يمكن كسبه من خلال البحث الدقيق عن الإخفاقات التكتيكية التي حدثت خلال العقدَين الماضيين دون الاعتراف بالخطأين الإستراتيجيين الأساسيين اللذين يكمنان وراءهما. وبعد ذلك على عكس الأخطاء المماثلة التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام والعراق، يجب أخذ الدروس المناسبة بجدِّية في المرة القادمة التي تتعرَّض فيها الولايات المتحدة لإغراءات التدخُّل بطريقة مماثلة، حتى إذا كان التدخُّل لأسباب «إنسانية»، في الشؤون الداخلية، والحروب الأهلية التي تندلع في بلدان أخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد