تتمثل الشخصيات النرجسية في ذلك النمط من الناس الذين يفعلون ما يحبون وقتما يشاؤون. ثم يجعلون الأمر يبدو كما لو كانوا هم الضحيّة!

نشر موقع «بيزنس إنسايدر» تقريرًا كتبته «ليندسي دودجسون» تناول الشخصية النرجسية بأنواعها الثلاث، إذ يعتبر التقرير  أنّ اضطراب الشخصية النرجسية تشخيصٌ واحدٌ، لكن هناك ثلاث أنواع من الشخصيات النرجسية يتمُّ تصنيفهم اعتمادًا على طريقة تفاعلهم ومعاملاتهم وسلوكهم مع الآخرين. يقول بعض الخبراء النفسيين أنّ تحديد نوعية الشخصية النرجسية لشريك حياتك ربما يتيح الفرصة لتأسيس علاقة معهم، في حين يفضِّل البعض الآخر الابتعاد عنهم من الأساس.

تقول «دودجسون» كي يُشَخَّص فردٌ ما بأنَّه يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية، يجب أن يظهر خمس صفات من تسع سماتٍ معينة، فمن يعانون من هذا الاضطراب تجمعهم صفاتٌ مميزة، عادة ما يفتقدون القدرة على التعاطف مع الآخرين، ويُفَخِّمون ذواتهم ودائمًا في حاجة إلى الإعجاب بهم.

تضيف الكاتبة أن الكثير من الناس يُبدون أنماطًا مشابهة في السلوك، على سبيل المثال سلوك إغداق الحب على شريك الحياة بصورة مبالغ فيها أو ما يعرف بـ«قصف الحب» وهي وسيلة يتبعها بعض الأشخاص في إغراق شريكه بمشاعر الحب والاهتمام المبالغ فيه وصولًا لدرجة محاصرته بتلك المشاعر الفياضة، أو أسلوب «إضاءة الوقود» واسمها في الإنجليزية مأخوذ من مسرحية اسمها «جاز لايت» حيث تلاعَبَ زوجٌ قاتل بعقل زوجته مدعيًا أن رؤيتها للضوء الخافت في عليَّة المنزل – حيث جثة المرأة المقتولة – ليس إلا وهمًا وجنونًا، في أنه كان يصعد حاملاً المصباح الوقودي لتفقُّد الوضع، وانتهى الحال بالزوجة إلى الجنون وتشوش رؤيتها للواقع.

فينسينت برايس في دور السيد مانينجهام في مسرحية جازلايتينج

في علم النفس هو نوع من التلاعب بالأشخاص يستهدف زرع بذور الشك داخل عقل شخص ما أو مجموعة من الناس؛ بغاية تشكيكهم في سلامتهم العقلية أو ذاكرتهم وذلك من خلال الكذب أو الإنكار المستمر أو تعمد إظهار متناقضات كي تزعزع معتقدات الشخص الراسخة وتشويش إدراكهم للعالم من حولهم، أو سلوك التخلص من الأشخاص الذين لم يعد لهم نفع يذكر. وعلى الرغم من ذلك، فإنهم يتباينون في درجة وأسلوب إظهار تلك الأنماط السلوكية.

يميز العديد من أطباء النفس والمعالجين النفسيين بين الشخصيات النرجسية، ويقسمونها إلى ثلاث تصنيفات بناء على تصرفاتهم: 1- الاستعراضي أو المتباهي، 2- المنغلق، 3- السُمِّي. فحسب ما تقوله «إلينور جرينبيرج» -معالجة نفسية ومؤلفة كتاب بعنوان «Borderline, Narcissistic, and Schizoid Adaptations: The Pursuit of Love, Admiration, and Safety»، الذي يتناول اضطرابات الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية الانعزالية، وطريقتهم في الحب والإعجاب والأمان. فإن نوع الشخصية النرجسية يعتمد على طريقة تربيتهم.

1- الشخصية النرجسية الاستعراضية هي النوع النمطي

تقول «دودجسون» إن صاحب الشخصية النرجسية الاستعراضية – أو كما تصفه بالمفخِّم لذاته – على سبيل المثال يظهر سلوكًا أشبه بسلوك الأطفال في الرغبة الدائمة للفت الانتباه، تمامًا كما يفعل الطفل «انظروا ماذا أفعل؟».

تقول جرينبيرج إنّ الأطفال بشكلٍ عام لا يمكنهم استيعاب مدى انشغال والديهم، «وبالتالي ليس لديهم تعاطف»، في حين أنه في حال حاز الطفل على اهتمام كافٍ في تلك المرحلة العمرية، فإنه يأخذ كفايته من هذا السلوك ويشبع تلك الحاجة للاهتمام؛ فينضُج و«يتجاوزها» أيضًا. لكنها تستدرك قائلة إن بعض الناس ينشأون في بيوت تعدهم ليكونوا نرجسيين، على سبيل المثال، كأن يقال لهم وهم صغار أن كنيتهم ونسبهم يجعلهم متميزون، وبالتالي يستحقون النجاح فهو حق مكتسب ومتأصّل فيهم «ويسري في دمائهم».

Embed from Getty Images

تقول «شانون ثوماس» – أخصائية اجتماعية سريرية مرخصة وصاحبة كتاب «Healing from Hidden Abuse» حول التعافي من الاعتداءات وسوء المعاملة المستترة – إنّ النرجسية الاستعراضية هي النوع النمطي لاضطراب الشخصية النرجسية. وفي حديثها لـ«بيزنس إنسايدر»، ذكرت ثوماس أنّ أصحاب هذا النوع «يعتقدون أنهم عظماء، يعتقدون أنهم أذكي، وأجمل، وأقوى من غيرهم، بل ويؤمنون بشدة بذلك»، وأردفت قائلة «حتى في تعاملهم مع أصدقائهم وزملائهم، يعتقدون أنهم دائمًا أفضل منهم ومتقدمون عليهم».

تقول «توماس» إن النرجسيين الاستعراضيين لا يميلون للشعور بعدم الأمان. فهم دائمًا «آمنون» وعندما لا يتفاخرون بأنفسهم فإنهم يميلون إلى التحقير من شأن الآخرين، وعادة ما يكونون فظِّين غير مبالين بغيرهم، وقاسين تجاه الآخرين، ويعمدون لتجاهل أو حتى إغفال ردود فعل الناس من حولهم تجاه سلوكهم.

2- الشخصية النرجسية المستترة.. متعددة الشخصيات

تقول جرينبيرج إنّ بعض المصابين باضطراب الشخصية النرجسية ربما نشؤوا مع أحد الشخصيات النرجسية في منزلهم أو عائلاتهم،وإما كان ينافسهم أو يثبطهم، وربما لم يبدِ هذا الشخص المضطرب التقبل للآخرين إلا إذا عظَّموهم.

Embed from Getty Images

تقول الكاتبة إن أصحاب الشخصية النرجسية المستترة، يريدون أن يكونوا مميَّزين، لكنهم في نفس الوقت مرتبكون، مثلهم مثل الشخصية النرجسية الاستعراضية يشعرون بالاستحقاق بشدة، لكن على النقيض من الاستعراضيين لا يشعرون بالأمان. وتشير جرينبيرج إلى أنّ صاحب الشخصية النرجسية المستترة «لا يقول (أنا متميز) لكنهم يشيرون لتميُّز شيء آخر كشخص آخر أو دين أو كتاب أو مصمم ملابس باعتبارهم مميزين، وهكذا يشعرون بالتميز بالتبعية».

وأضافت «عندما يشعر شخص ما أنه متميز لأنه يرتدي شيئًا أصليًا لمصمم مشهور، بحيث يميز من حولهم المصمم أو الشيء الذي يرتديه، فذلك نوع من التميز بالتبعية. دائمًا ما يشكك ذوو الشخصية النرجسية المستترة في أنفسهم، ويتطلعون دائمًا للشخص الذي يمجدونه».

تشير جرينبيرج إلى أنهم أيضا يعمدون للتصرف بطريقةٍ «عدوانيةٍ سلبية»، على سبيل المثال هم على الأرجح يجعلون شركاءهم العاطفيين يشعرون بالإحباط وخيبة الأمل بصفةٍ مستمرة، وربما يقولون إنهم سيفعلون شيئًا ما ومن ثم يتراجعون ولا يفعلونه، ثم يشعرون بالنشوة إزاء ردود أفعال الآخرين.

تقول توماس إنهم «يفعلون ما يحبون وقتما يشاؤون. ثم يجعلون الأمر يبدو كما لو كانوا هم الضحيّة!». وترى أن ترديد شخص ما باستمرار أنه سيفعل شيئًا ما ثم لا يفعله أو يفعل غيره، يُشعِر الأشخاص القريبين منه دائما بالتحفز والإنهاك، إذ يبدؤون في التشكيك في ما هو حقيقي ويشعرون أنهم على شفا الجنون. وربما يبدأ أصحاب الشخصية النرجسية المستترة بالإسقاط النفسي إذ يلومون شركاءهم على عدم تمكنهم من فعل ما وعدوا بتنفيذه، وينتهي شريك الشخص النرجسي من هذا النوع بالاقتناع أنه الملام؛ لأن إحساسه بالعالم أصبح مشوهًا وملتويًا.

تذكر الكاتبة إنه في حين يظهر المصابون بالنرجسية الاستعراضية سلوكًا مماثلًا دائمًا، يكون سلوك النرجسية المستترة مغايرًا. فهم يميلون للتصرف بطريقة مختلفة في حالات معينة، كأن يبدون جذابين وعطوفين علانية، لكنهم مستغلين ومسيئين وقاسين عندما يكونون وحدهم مع شركائهم، ما يصيب شركاءهم بارتباك شديد وتشوش.

3- الشخصية النرجسية السُمِّية تتوق للفوضى والتدمير

أما النوع الثالث من الشخصيات النرجسية – حسب رأي الكاتبة – هو الشخصية النرجسية السُميّة أو بعبارة أخرى «الخبيثة»، وهم يتقدمون على النوعين السابقين بشوطٍ آخر، فهم ليسوا متعطِّشين فقط لجذب الانتباه، لكنَّهم أيضا يرغبون أن يشعر جميع من حولهم بالدونية، ويميلون للسادية والتلذُّذ بإيذاء الغير، وينتشون لمجرد استشعار مخاوف الآخرين.

تقول جرينبيرج إن «النرجسية السميّة تتجسّد تمامًا في شخصية الملكة الشريرة في قصة (سنووايت)، فعندما تنطق المرآة قائلة: سنو وايت أجمل منكِ. تقرر أن تغتال سنو وايت وتحتفظ بقلبها في صندوق!». يجد أصحاب الشخصية النرجسية السُمية لذَّتهم في الإيقاع بالناس في المشاكل، والتلذُّذ بمشاهدتهم ينهارون، وهو ما تطلق عليه توماس «طبقة السلوك السادي الإضافية».

تضيف أن الشخصية النرجسية السُّمية «تقترب من اضطراب الشخصية المعادي للمجتمع لكنه يبدر من الشخصية النرجسية. فهم متقبلون تمامًا لتدمير حياة غيرهم المهنية، فضلا عن أنهم متّسقين تمامًا مع تدمير غيرهم عاطفيًا وبدنيًا وروحيًا. تقول توماس إنهم عادة ما تحيط بهم الفوضى، وذلك لأنهم يستمتعون بها، ويتلذذون بشعور أنهم من خلقوا الدمار والفوضي في حياة شخص ما.

تعتقد توماس أيضًا أنّ «التناغم ليس هدفهم»، إذ «تنهكنا محاولات إحداث التناغم، لكنهم يستمدون طاقتهم من غياب التناغم. ولذلك تحديدًا نراهم يغزلون مشكلاتٍ مختلفة، وخططًا ومشكلاتٍ دراميةٍ مع غيرهم، وفي حين يدَّعون دائمًا أنهم يكرهون التصرفات الدرامية المأساوية، تجدهم في القلب منها باستمرار».

احذر.. العلاقات مع الشخصيات النرجسية محفوفة بالمخاطر

تذكر الكاتبة أن من يعانون من اضطراب الشخصية النرجسية عمومًا يفتقرون للثبات الموضوعي، على سبيل المثال، عندما يغضبون من شريكهم لا يمكنهم النظر لهذا الغضب في سياق العلاقة التي تجمعهم كاملة، ومن ثم يظهرون الكره أو الرغبة إزاء شريكهم بناء على الموقف الذي أشعرهم بالغضب فقط، وذلك يجعل من العلاقات مع النرجسيين سواء كانت عاطفية أو أسرية أو مهنيّة علاقة استنزافية.

تعتقد جرينبيرج أن من الممكن تأسيس علاقة مع شخص نرجسي، إذا ما تمكن الطرف الآخر من تحديد نمط نرجسية شريكه، وكيف يتعامل مع الآخرين، إلا أن العديد من الخبراء المتخصصين في العلاقات يقولون إنه من الأفضل الابتعاد عنهم تمامًا.

وتختتم تقريرها مؤكدة على أن قرار الخوض في علاقة مع شخص نرجسي هو قرارك أنت، لكن باعتبار التبعات على المدى الطويل، يستحق الأمر أن تقرأ مقدمًا ما أنت مُقبلٌ عليه أو بالأحرى ما ستورط نفسك فيه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد