كتبت الكاتبة الصحافية ريانون لوسي كوسليت، محررة في صحيفة «الجارديان» البريطانية، مقالًا نشرته مجلة «فوج» العالمية التي تهتم بالموضة، وأسلوب الحياة في العالم، فنَّدت فيه حقيقة أن حلم المرأة في الإنجاب يصبح بعيد المنال بعد تجاوزها النصف الثاني من عقدها الثالث من العمر.

قطار الأمومة لا ينتظر!

في مستهل مقالها، دعت الكاتبة الفتيات الصغيرات في السن قائلة: تجمَّعن يا صغيراتي ودعوني أروي لكُنَّ قصة ما قبل النوم. وهي قصة مرعبة وجذورها ضاربة في القدم. وأنصِتْن إليَّ وأنا أروي هذه الحكاية الحزينة التي بعنوان: «السيدة التي انتظرت وقتًا طويلًا». كانت هذه السيدة تعتقد أنها تمتلك العالم تحت قدميها. وقالت لنفسها؛ إن الأمومة يُمكن أن تُؤجَّل إلى حينٍ آخر تكون فيه مستعدة لتحمل مسؤوليتها، وحتى يكون زوجها/شريكها مستعدًا هو الآخر، بل ويمكن تأجيلها حتى تنتهي من تعليمها والانطلاق في مسيرتها المهنية، وحتى وحتى…

المرأة

منذ سنة واحدة
أحدث صيحات الحمل والولادة.. كل ما تريدين معرفته عن طرق الولادة بدون ألم

لقد كان هناك دومًا سببٌ ما لتأجيل الأمومة. ومن ثم استيقظت «السيدة التي انتظرت وقتًا طويلًا» ذات يوم وأبدت استعدادها للأمومة. لكن رَحِمَها أصبح عاقرًا كالحقول القاحلة في فصل الشتاء. ولم يعد من الممكن أن تُرزق بطفل في المستقبل؛ لقد فوتت على نفسها الفرصة حتى فاتَها قطار الأمومة.

وبطريقةٍ أو بأخرى، كانت هذه الحكاية تُروى على مسامع النساء على مدار الحياة. لكن ما الحد الأقصى لعمر المرأة الذي يمكن أن تُنجب فيه طفلًا؟ إذ أعلنت نعومي كامبل مؤخرًا عن حملها في سن الخمسين. لكن أحد استطلاعات الرأي التي أجرتها شركة «يوجوف» (شركة دولية على الإنترنت متخصصة في إجراء الأبحاث والمسح الاستقصائي ومقرها المملكة المتحدة) على قطاع واسع من الجمهور البريطاني، خلُص إلى أن العمر المثالي للمرأة لتنجب طفلًا هو 28 عامًا (وكان متوسط عمر المرأة في عام 2019 لتنجب طفلًا للمرة الأولى هو 29 عامًا تقريبًا).

استطلاعات مثيرة للجدل

وتُوضح الكاتبة أن الأمر الأكثر إثارة للجدل في الاستطلاع الذي أجرته «يوجوف» هو أن 46% من الرجال المشاركين فيه يرون أن المرأة التي تخطى عمرها النصف الثاني من عقدها الثالث (36 فصاعدًا) قد «تجاوزت إلى حدٍّ كبيرٍ السن المطلوبة» (ما يجعل دوقة ساسكس ميجان ماركل، التي أنجبت طفلها الثاني للتو وهي في عمر الـ39، كبرت على إنجاب الأطفال)، لكن 71% من الرجال المشاركين فيه اعتقدوا أن هذا العمر (36 عامًا) تُعد سنًا مناسبة للرجل للاضطلاع بمهام الأبوة. فهل هذه ازدواجية في المعايير؟ نعم، وهذه هي حقيقة الأمر دائمًا.

Embed from Getty Images

ونوهَّت الكاتبة إلى أن الاستطلاع أثار غضب النساء على وسائل التواصل الاجتماعي، ويُمكنني أن أضع يدي على السبب في ذلك. إذ يبدو الأمر وكأنه طريقة جديدة لإصدار حكم على الكيفية التي تعيش بها النساء. وعلى الرغم من انتشار حالات الحمل المتأخرة، تظل فكرة أن خصوبة المرأة «تسقط من منحدر» عندما يصل عمرها إلى 35 عامًا إحدى الخرافات الثقافية القوية، والتي من المفترض أن تكون مدعومة ببعض الإحصائيات، ويُستشهد بإحدى هذه الإحصائيات كثيرًا والتي خلُصت إلى أن سيدة من كل ثلاث نساء تتراوح أعمارهن بين 35 و39 عامًا لم تستطع الحمل بعد عامٍ من المحاولة.

ولم يكن مهمًا الإشارة إلى أن هذه الإحصائية تستند إلى دراسة استخدمت سجلات المواليد الفرنسية في المدة من عام 1670 إلى عام 1830؛ وأصبحت خلاصتها التقديرية متغلغلة ومنتشرة في المجتمعات. وينتشر أيضًا مصطلح «حَمْل الشيخوخة»، وهو المصطلح الذي يُطلقه الطبيب على المرأة إذا أصبحت حاملًا بعد أن يتجاوز عمرها 35 عامًا، وتهمس به سيدة إلى سيدة أخرى، لكننا ندرك جميعًا أن حالات الحمل المتأخرة تنطوي على كثير من المجازفات والمخاطر. وهذا كله بالإضافة إلى إدخال كثير من التغييرات على القصة المرعبة المذكورة أعلاه.

ما هي أسباب عدم التفكير في إنجاب أطفال؟

وتُؤكد الكاتبة أن قرار المرأة في إنجاب طفل لأول مرة هو قرار فريد من نوعه لأي سيدة، ومع ذلك عندما يتعلق الأمر بالإنجاب، لا يزال الناس يميلون إلى التفكير المطلق غير المشروط. وكان يُقال لنا إن الطبيعة والبيولوجيا حقائق ثابتة لا يُمكنك الاختلاف معها. لكن النساء لا يمكنهن أن يعشن حياتهن وفقًا لما تقوله البيولوجيا وحدها. ويُوجد أسباب لا تُعد ولا تُحصى توضح لماذا قد لا ترغب المرأة في الحمل أو تكون غير قادرة على الإنجاب حتى بلوغها سن متأخرة من عمرها. واسمحوا لي أن أسرد بعضًا من هذه الأسباب:

وعدَّدت الكاتبة بعض الأسباب ومنها أن تَصُب المرأة جُلَّ تركيزها على التعليم أو مسيرتها المهنية، وتشمل الأسباب أيضًا عدم الاستقرار في السكن وتناقض المشاعر، وأنها لم تلتَقِ بعد بالرجل المناسب، والكفاح من أجل الحمل، والتهاب بطانة الرحم والتلقيح الاصطناعي وانقطاع الطمث المبكر ومشاكل الصحة العقلية وفقدان حبيب وعدم استعداد الزوج/الشريك.

Embed from Getty Images

أو أن المرأة غير مستعدة أو تخشى على الحمل بسبب علاقتها غير السعيدة أو تخشى أن يكون الحمل سببًا في تدمير علاقتها السعيدة، بالإضافة إلى بعض مشكلات الخصوبة والأزمات المالية، وتحمُّلها مسؤوليات رعاية آخرين، والافتقار إلى إحساس الأمومة والأبوة والتاريخ الطبي للعائلة، وحالات الإجهاض المتعددة والرغبة في السفر والسعي وراء تحقيق الآمال المؤجلة.. أو أنها ببساطة ربما لا ترغب في الإنجاب.

خطوط النهاية للجسد

وفي هذا الصدد، كتبت شيلا هيتي في كتابها «الأمومة» أن: «هناك شيئًا ما يُهدد المرأة التي لا تشغل نفسها بإنجاب الأطفال. وهذا الشيء يبدو وكأنه شعور بالضجر من مثل هذه المرأة؛ لأنها ليس لديها ما تفعله. فما الذي ستفعله بدلًا من التفكير في الإنجاب؟ وما هي أنواع المشكلات التي ستُحدِثها»؟

وتلفت الكاتبة إلى أن كتاب «الأمومة» عبارة عن رواية عن امرأة تناضل ضد فكرة أن البيولوجيا قَدَرٌ لا فِكاك منه، وأن المرأة لا يُمكن أن تكتمل من دون إنجابها طفلًا. وتقول رَاوِية القصة، التي تبلغ من العمر 40 عامًا، إنني: «أعلم أن عمر الـ40 مجرد فكرة في العقل، وهو خط النهاية الذي ليس بعده رجعة».

وتضيف الكاتبة قائلةً: وبوصفنا نساءً، نشأنا وترعرعنا على التفكير في أجسادنا من حيث خطوط النهاية. وهذا أمر يثير الجنون حيال تعليقات هؤلاء الذين يعتقدون أنه ينبغي على النساء اللاتي تجاوزن الثلاثين من أعمارهن ولم ينجبن أطفالًا أن تستمر كلٌّ منهن على النحو نفسه دون إنجاب. أوه حقًا؟ وربما ترد هذه المرأة، إذا شعرت بتعرضها للسخرية والاستهزاء، قائلة: «شكرًا لتذكيري بذلك، كنتُ قد نسيتُ هذا الأمر».

لأنه كما كتبت نيل فريزل في كتابها «سنوات الذعر»، إننا: «في هذه السنوات مضطرين للإجابة عن السؤال الأبدي: هل يجب أن أُنجِب طفلًا، وإذا كان الأمر كذلك، فمتى يحدث ذلك وكيف ولماذا ومع مَنْ؟ يتسلل هذا السؤال إلى كل مجال من مجالات حياتك. إنه صوت قَرع متكرر يلاحقك في كل مكان تطؤه قدماك. أو خط الأساس لكل شيء، سواءً كنت ترغب أن يكون لديك أطفال أم لا..».

رسائل متضاربة

وشدَّدت الكاتبة على أنه بالإضافة إلى مرور الوقت مع تحرك عقارب الساعة البيولوجية والتحديات التي لا تعد ولا تحصى، وبعض العوامل المؤثرة في مثل هذه القرارات الأهم، يتعين على المرأة التي تفكر في الأمومة أيضًا أن تواجه الرسائل المتضاربة التي تربَّت عليها.

Embed from Getty Images

ومن بينها اعتقاد كثيرين منَّا أن الحمل في وقت مبكر جدًّا قد يُؤدي إلى إفساد حياتك؛ إذ إنه يُمكن أن يقضي على أي أمل في الحصول على وظيفة، وأنه يجب أن تكوني مستعدة تمامًا وإلا فلا، عن طريق توفير فرصة عمل، وتأسيس منزل، ومع ذلك، فإن هذه الأشياء تبدو أقل قابلية للتحقيق من ذي قبل. وتتعرض النساء ذات الدخل المنخفض اللاتي لديهن أطفال لأوصاف مثل الفضيحة والخزي على صدر صفحات الصحف نفسها التي تصيح مذعورةً من انخفاض معدلات المواليد. إنه أمر محير جدًّا.

وفي ختام مقالها، أعربت الكاتبة عن أنها تتمنى ألا يقبل المجتمع إصدار حكم بشأن رغبة المرأة في إنجاب أطفال من عدمه وبشأن الوقت المناسب لذلك. كما أتمنى أن يكون هناك إدراك أوسع لجميع العوامل التي يمكن أن تحدد ملامح هذا الاختيار، والرغبة في دعم العائلات من جميع الأنماط والأحجام، والأجناس والميول الجنسية، في اتخاذ هذا القرار أو عدم اتخاذه.

وأتمنى أن تكون القصة المرعبة الخاصة بـ«السيدة التي انتظرت وقتًا طويلًا» قد انتقلت إلى التاريخ، وحل محلها التثقيف الإنجابي المناسب والسياسات الداعمة. لكنَّ الأهم من هذا كله، أتمنى أن يحتفظ كل شخص بالأحكام التي يصدرها لنفسه، وأن يسمح الناس لنا بالعيش من دون تعقيدات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد