قال الكاتب الصحافي أنشيل فايفر، في مقال تحليلي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية: إن «الولايات المتحدة قضت للتو على الرمز الأكثر أهمية للقوة الإيرانية، وأداتها التنفيذية الأكثر فعالية في المنطقة، ألا وهو: قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني».

يشير فايفر في مستهل المقال إلى النفوذ الذي كان يتمتع به قاسم سليماني خلال 22 عامًا من قيادته فيلق القدس، إذ كان يتمتع بسلطة على الحكومات والقوى المتصارعة في شتى أنحاء المنطقة، إضافة إلى قدرته على تشكيل الأحداث؛ بداية من حضوره على الخطوط الأمامية لجبهات الحرب، مرورًا بدبلوماسيته الهادئة، وصولًا إلى ممارسات الترهيب والرشوة التي تجري وراء الكواليس.

ويصف فايفر خسارة سليماني بالنسبة للنظام الثوري الإسلامي الإيراني، لاسيما بالنسبة المرشد الأعلى علي خامنئي، بأنها «ضربة قاصمة» وتمثل تحولا كبيرًا على مستوى العمليات وجمع المعلومات الاستخباراتية بالنسبة لإدارة ترامب.

وبالنسبة للعديد من دول الشرق الأوسط، لاسيما داخل سوريا والعراق، حيث كان سليماني مسؤولًا مسؤولية مباشرة عن نشر الكثير من القتل والدمار، وأيضًا بالنسبة للمعارضين الإيرانيين، سيكون مقتل سليماني لحظة تعبيرٍ عن الرضا المشوب بالقلق أو حتى الابتهاج.

ويتابع فايفر: «لن يكون أمام إيران خيار سوى الرد باستخدام قوة هائلة، ومحاولة انتزاع انتقام مؤلم من الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة». مشيرًا إلى أن اغتيال ثاني أقوى رجل في إيران، والرجل الأقوى في المنطقة خلال العِقدين الماضيين، إنما ينذر بتداعيات هي الأخطر على مستوى الأفعال التي اتخذتها إدارة ترامب في الشرق الأوسط خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. 

وينفي الكاتب أن يكون تحذيره هذه ينطوي على أدنى مبالغة في تداعيات هذا الحدث، ويردف: حتى أكثر مؤيدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينبغي أن يشعروا بالندم لعدم وجود موظفين متمرسين في الأمن القومي حوله قادرين على رفض قراراته وافتراضاته.

وخلال الأعوام الـ22 الماضية، كان سليماني خصمًا لدودًا للولايات المتحدة على الدوام، وفي غيابه تتراجع القدرة على التنبؤ بما هو قادم. ويطرح المقال سؤالين مهمين يتعلقان بإيران، وسؤالين آخرين يتعلقان بالولايات المتحدة، في أعقاب مقتل سليماني.

1- هل ستتخلى إيران عن حذرها؟

يقول فايفر إنه منذ أن اضطرت القيادة الإيرانية إلى القبول بالمأزق المهين الذي وجدت نفسها فيه بنهاية حربها الدموية مع العراق في ثمانينات القرن الماضي، امتنعت القيادة الإيرانية عن مواجهة خصومها مباشرةً، وبدلًا عن ذلك قامت بتطوير الحرب غير المتناظرة، وإدارة الحروب بالوكالة، إلى فن تجيده.

ويشير إلى أن وفاة ملايين الأشخاص في الحرب بين إيران والعراق، والاعتراف بأن إيران كانت تفتقر للقوة العسكرية والموارد لخوض حرب مباشرة أخرى، كانا عاملين ثابتين في إستراتيجية سليمان الكبرى، والآن ربما يؤثر غيابه عن المشاورات على مستوى القيادة، والغضب الهائل إزاء اغتياله؛ على الحذر الفطري الذي لطالما انتهجته إيران.

يوضح الكاتب الإسرائيلي أن هناك مجموعة من الأهداف أمام إيران للرد على اغتيال سليماني، مثل القوات الأمريكية في المنطقة، وناقلات النفط الغربية في منطقة الخليج، وحليفا أمريكا الرئيسان: السعودية وإسرائيل. 

ويتساءل فايفر: هل ستضرب إيران الآن، كالعادة، مستخدمة وكلائها مثل الحوثيين في اليمن أو حزب الله في لبنان؟ أم أن الانتقام لسليماني يستلزم أن يقود فيلق القدس الخاص به الهجوم المضاد؟

ويقول فايفر إنه أيًا كان مسار الرد الذي ستتخذه إيران، فإنها ستحتاج لأن تكون قادرة على احتواء التصعيد؛ لضمان الحيلولة دون وصول تداعياته إلى أراضيها، وهو الأمر الذي نجحت في تحقيقه إلى حدٍ كبير منذ نهاية حربها من العراق، غير أن الرجل المسؤول عن هذه الاستراتيجية لم يعد موجودًا هناك (في إشارة إلى سليماني).

Embed from Getty Images

2- كيف ستؤثر خسارة سليماني على قوة إيران؟

يقول فايفر إنه ليس من قبيل الصدفة أن يظل سليماني قائدًا لفيلق القدس طيلة 22 عامًا، بل تردد اسمه باعتباره وريثًا محتملًا للمرشد الأعلى علي خامنئي (على الرغم من أن هذا كان ينطوي تقريبًا على مبالغة).

ويضيف فايفر أنه لا يمكن لأي شخص أن يمسك بيديه كل الخيوط الفضفاضة للعبة القوى الإقليمية المتغيرة، والتلاعب بها مثل خيوط الدمى، مثلما كان يفعل سليماني. ذلك أنه لعب الدور الرئيسي في زعزعة استقرار العراق في أعقاب الاحتلال الأمريكي، وقام بتحويل «حزب الله» من ميليشيا متوسطة الحجم إلى قوة بحجم جيش، ووسيط السلطة الرئيس في لبنان.

ثم تحققت أكبر إنجازاته على حساب مئات الآلاف من القتلى، فلولاه لم يكن بشار الأسد ليبقى رئيسًا لسوريا داخل قصره في العاصمة دمشق، حتى لو كان سليماني لديه نصيبه من الإخفاقات أيضًا.

يوضح الكاتب الأسرائيلي أن سليماني كان لديه مساعدين أصحاب خبرة وقدرات وذوي ثقة، لكن لم يكن أيًا منهم يحظى بالقدر ذاته من شبكة الاتصالات التي تمتع بها سليماني في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، والأهم من ذلك أن أيًا منهم لم يكن يحظى بالاحترام ولا يلقي الرهبة في القلوب مثلما كان يحدث عندما يُذكَر اسم «الحاج قاسم» داخل غرف الحكومات ومراكز القيادة في ست دول.

ويرى فايفر أن خسارة سليماني سيكون لها تأثير داخل هيكل السلطة في طهران أيضًا، حيث كان يحظى بدعم من خامنئي، بالرغم من الانتكاسات داخل سوريا خلال الأعوام الثلاث الأخيرة. حتى عندما أحبطت إسرائيل العديد من خططه لإقامة قواعد عسكرية هناك، وعندما طالب المقربون من روحاني والمحتجين في شوارع إيران باستثمار الموارد الداخلية للبلاد بدلا من تصدير الثورة الإسلامية للخارج، ظل دعم خامنئي قائمًا.

ودون أن يقود سليماني الحملة، يمكن أن تسيء إيران إلى حد كبير تقدير ردها؛ ما يؤدي إلى اندلاع حرب شاملة. ولكن إذا جرى احتواء التداعيات؛ فهناك أمل في أنه إيران يمكن أن تبدأ في الحد من تطلعاتها الإقليمية، دون سليماني، بحسب المقال. 

Embed from Getty Images

3- ما الذي كان ترامب يحاول تحقيقه من وراء اغتيال سليماني؟

يتابع فايفر قائلا: إنه بعد عام مما بدا وأنه تردد على الجبهة الإيرانية، طلب ترامب عقد اجتماع رفيع المستوى مع روحاني، لكن طلبه قوبل بالرفض، كما أنه فشل في الرد على الهجمات التي استهدفت السفن التجارية في منطقة الخليج، وإسقاط طائرة أمريكية دون طيار، والصواريخ التي أطلِقت على منشآت النفط السعودية.

وربما الأهم من ذلك، بعد عام من منح ترامب لإيران الجائزة الأكثر قيمةً وإبهارًا في صورة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، أنه اتخذ فجأة مسارًا عكسيًا ليتحوَّل 180 درجة إلى خوض مواجهة كاملة مع إيران، من خلال شن غارات جوية على الميليشيات التي تدعمها إيران في العراق، فضلا عن النشر الفوري للقوات المقاتلة الأمريكية، والآن اغتيال سليماني.

ظاهريًا، كان سبب الغارات الجوية هو مقتل مواطن أمريكي في هجوم شنته ميليشيات تدعمها إيران في شمال العراق، وكان مقتل سليماني جزءًا من تحرك أوسع لمنع المزيد من الهجمات على الأفراد والقواعد الأمريكية هناك. ومع ذلك، فإن قتل شخصية مثل سليماني هو خطوة استراتيجية، وليس مجرد رد فعل أمريكي على الحادث الأخير، بحسب فايفر.

ويتساءل الكاتب: هل كان لترامب هدف أوسع، أم كان مدفوعً بإغراءٍ لاستغلال فرصة القضاء على شخصية بارزة مثل سليماني، وهو الشخص الذي كان ترامب مطلعًا على تحركاته من خلال الإحاطات الاستخبارية اليومية التي تقدم إليه؟

ينوه فايفر إلى أن الولايات المتحدة كانت لديها فرص مماثلة لاستهداف سليماني في الماضي، لكن كان يتخوف من أن يكون رد الفعل المحتمل كبيرًا للغاية، وعلاوة على ذلك، تعاونت الولايات المتحدة مع سليماني بشكل غير مباشر خلال عدة مراحل على مدى العقدين الماضيين، على أمل أن يؤدي ذلك إلى استقرار العراق والمساعدة في محاربة تنظيمي «القاعدة» و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)».

وإذا كان ترامب أعطى الأمر هذه المرة بدافع أن يعزز ذلك من فرص دخوله الانتخابات خلال العام الحالي، في إطار حملته ضد طهران، فسيكون لذلك تأثير كبير على ما سيحدث لاحقًا، وفق ما يشير إليه الكاتب الإسرائيلي. 

Embed from Getty Images

4- هل لدى أي شخص داخل الإدارة الأمريكية خطة؟

يقول فايفر إنه منذ أربعة  أشهر، كان لا يزال لدى ترامب فريقًا متفانيًا من الصقور «المتشددين» إزاء إيران داخل مجلس الأمن القومي، لكن جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق، الذي يصفه الكاتب بأنه عدو لدود لإيران، رحل عن الإدارة، كما رفض ترامب علنًا رؤى بولتون لتغيير النظام في إيران.

بحسب الكاتب، ربما يكون ذلك أمرًا جيدًا، ولكن مع تفريغ مجلس الأمن القومي والقيادات العليا في وزارة الخارجية، فلا يكاد يكون هناك هيكل من المستشارين المحترفين حول ترامب، وبدلًا عن ذلك تلتف حوله مجموعة من المتملقين الطفيلين، على حد وصف الكاتب.

ويوضح أيضًا أنه لا يزال لدى ترامب أكثر الجيوش وأجهزة الاستخبارات عددًا وقوةً وتسليحًا في العالم، غير أنه لا يوجد أي شخص مسؤول فعليًا عن التفكير الاستراتيجي داخل الإدارة. ويمكن أن يرتكب ترامب خطأ فاحًا ويخوض حربًا شرسة ضد إيران دون خطة محددة، وحتى وإن لم يذهب للحرب، فإن تخليص بلاده من ذلك التصعيد قد يضر بمصالحها ومصالح حلفائها على حدٍ سواء.

ويرى الكاتب الإسرائيلي أنه على الرغم من قوة الولايات المتحدة آلاف المرات، لكن إيران ومنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 أثبتت قدرتها على استغلال كل لحظة تردد أو سوء تقدير أو فراغ مؤقت قدمتها لها الإدارات الأمريكية.

يعتبر فايفر الموقف بين إيران وأمريكا بمثابة «مياه مجهولة لا يمكن لأيهما التنبؤ بها»، مضيفًا: يوجد الآن رئيس مختال وفاسد داخل البيت الأبيض (ترامب)، وقيادة إيرانية فقدت للتو الشخص الأكثر حكمةً في صفوفها، وكلاهما يتقاتلان من أجل البقاء داخليًا، فيما يقفان على شفا الهاوية.

دولي

منذ 10 شهور
كيف سترد إيران على اغتيال سليماني؟ توقعات الصحافة العالمية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد