تمهيد: كتب ديفيد منديل، المدير التنفيذي لشركة هيومانيتكس ومؤسسها؛ مقالًا على موقع لينكد إن يتحدث فيه عن أربعة دروسٍ يجب أن تدركها البشرية، خاصة بعد تجربتها لمدة عقود مع الروبوتات وتطورها من حيث التحكم الذاتي، وتواجدها في البيئات القاسية مثل الكواكب الأخرى أو في أعماق البحار. روبرت منديل هو مؤلف كتاب “Our Robots, Ourselves” الذي يدور حول الروبوت وأسطورة التحكم الذاتي الكامل. يقول مندل في مقاله:

4

بعد سنواتٍ طويلة من التصريحات الكثيرة بشأن تطور الروبوتات، يبدو أنها أخيرًا ستنال حقها. وعلى ما يبدو أن تبادل البيانات والاتصالات وقوة المعالجة والابتكارات الميكانيكية جميعها خَلَقت اصطفافًا في صناعة الروبوتات بطريقة تمكنها من اختراق أعمالنا وحياتنا اليومية على السواء. صارت الطائرات بدون طيار صغيرة مثل طائرات الكوادكويتر، والتي بدورها أصبحت منتجات استهلاكية شعبية رائجة، مما أجبر إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية على إجراء بعض التعديلات على نظام الطيران. ويُلاحَظ أن المشاريع الناشئة تنبثق من المهندسين صغار السن الطموحين الحريصين على ابتكار طريقهم الخاص للتواجد والانتشار والثراء أيضًا. لذا، يحذر البعض من مستقبل مظلم حيث يمكن أن يتبع الروبوت القاتل أجندته الخاصة.

 

وبالتأكيد أُشارك الجميع هذا الحماس بشأن الروبوت، إلا أنني كمهندس ذي خبرة ميدانية في التعامل مع الأنظمة الآلية الذاتية، أُدرِك تمامًا أن هذا النوع من الروبوتات موجود ويعمل بالفعل منذ عقود. على سبيل المثال، قام روبوت طيار آلي يدعى “إلمر” (سُمِي تيمنًا بإلمر سبيري) بحمل قاذفات صواريخ لطالما استخدمت في الحروب منذ حرب فيتنام. وقد هبط روبوت على سطح القمر قبل عامين من هبوط نيل أرمسترونج وباز الدرين – أبوللو11. كما استُخدِم روبوت صغير تحت الماء ونزل على السلالم الرئيسية لحطام سفينة تايتانيك الغارقة أسفل المحيط في عام 1986.

علاوة على ذلك، لطالما استخدمت المركبات الآلية بدون طيار في مسح أعماق البحار منذ عشرين عامًا على الأقل.

 

ولعل الشيء المشترك بين جميع تلك الروبوتات هو أنها جميعها عملت في بيئاتٍ قاسيةٍ: أماكن حيث لا يستطيع الإنسان التواجد بدون الحماية التي توفرها الآلة. فمهام مثل استكشاف أعماق البحار، الملاحة، السفر للفضاء، أو الحروب؛ صارت بمثابة مهام اعتيادية يومية للروبوتات التي تعمل في بيئات حقيقية منذ سنوات، وفي بعض الحالات بلغت عقودًا وليس مجرد سنوات.

 

وإذا نحينا عين العقل جانبًا ولو قليلاً، يمكننا أن نكتشف كيف سيكون مستقبل الروبوت من خلال تلك الحالات. وبينما نمعن التفكير في انتشار المركبات ذاتية التحكم والروبوتات في أكثر بيئاتنا اليومية المألوفة مثل المنزل والسيارة، ما الذي يمكننا أن نتعلمه من الروبوت بعد تجربة تواجُدِه في البيئات القاسية؟

1. عندما يعمل الروبوت في العالم الحقيقي، غالبا ما ينتهي به الأمر إلى سيطرة المستخدم البشري على التحكم فيه بدرجة تفوق تصور المصمم في الأساس.

على سبيل المثال، الطيار الآلي من طراز “بريديتور” الذي يبرز في مخيلة العامة كصورة للحرب الروبوتية، في بدايته كان مجرد مركبة استطلاعية بدون طيار. إلا أن المهندس مصمم المركبة لم يفكر مليًا في أوجه تدخل المستخدم، لأن النظام كان من المفترض أن يعمل ذاتيًا. في الواقع، بريديتور هو روبوت ذاتي التشغيل في بعض تحكمات الطيران الأساسية فقط، لكنه أيضًا نظام بشري متكامل على مستوى عالٍ، وله العديد من المستخدمين الذين يوجهون المركبة ويتحكمون بها، فضلًا عن استخدام البيانات التي عليه من على بعد آلاف الأميال.

2. ابتكار المستخدم أمر ضروري  في حالة وضع الروبوت في بيئة حقيقية.

لا ينبغي على المهندس الذي يصمم الروبوتات أن يعتقد أنه يفهم تمامًا أي مهمة من البداية، بل يجب عليه أن يترك المجال للمستخدمين أن يطوروا ويُعدِّلوا ويضبطوا أنظمتها.

3. لا يمكن أن يحل الروبوت محل الإنسان، على الرغم من أن الروبوت هو من ينقل البشر عبر المكان والزمان.

على سبيل المثال، المسبار الذي أثبت فاعليته في مهمة استكشاف كوكب المريخ – الكوكب الأحمر – لأكثر من عقد الآن، لم يقم بأي استكشاف ذاتي أو مستقل حتى الآن. بل بالأحرى مكَّن الإنسان على الأرض من استكشاف الكوكب عن بعد. وعلى الرغم من تأخر وصول البيانات التي يرسلها المسبار بفارق عشرين دقيقة، استطاع العلماء في ناسا تطوير فهم أعمق للوجود على الكوكب الأحمر من خلال الروبوت. وهي نفس الحال مع مهمة نيو هورايزون الخاصة ببلوتو. عندما نفكر في الروبوت وأدائه المهام، من الأفضل ألا نفكر في كونه “بدون طيار”  أو “غير مأهول بالبشر” فحسب، إنما السؤال الأهم هو: أين البشر من هذه المهمة؟ وماذا يفعلون تحديدًا؟ ومتى يفعلونه؟ الروبوت بالفعل ينقل الناس عبر الزمان والمكان، وربما تكون ملابسات هذا الانتقال بالغة الأهمية.

4. أعلى مستوى من التقدم التكنولوجي ليس التحكم الذاتي، بل تعاون وتكامل موثوق وعميق وشفاف بين الإنسان والروبوت.

يمكننا التفكير في التحكم الذاتي على أنه سلسلة، تبدأ من المستوى الأول حيث  التحكم اليدوي (مثل ركوب الدراجة)، وصولا للمستوى العاشر حيث التحكم الذاتي التام دون أي تدخل بشري. يفترض الناس أن المستوى العاشر هو أعلى مستوى يمكن الوصول له، ويعتبرونه الهدف النهائي للتكنولوجيا. حقيقة، توضح التجربة أن الروبوتات بالمستوى العاشر تمثل مشكلة حاضرة أكثر وضوحًا وصراحة من ذي قبل. على سبيل المثال، كان هبوط أول روبوت على القمر قبل هبوط الإنسان نفسه. وكانت المركبات الفضائية لدى الاتحاد السوفيتي أكثر تطورًا وآلية من مركبات الولايات المتحدة الأمريكية. والمركبات بدون طيار، الذاتية التحكم، الموجودة في أعماق البحار؛ تتواصل مع الناس متى تسنّى لها ذلك. لكن التحدي ذا القيمة الحقيقية يكمن في “المثالية الخماسية” وهو التعاون المتكامل، العميق، الشفاف، الموثوق، المضمون بين الإنسان والآلة. فوضع الروبوت داخل البيئات البشرية (مثل الطيران الوطني وعلى الطرق السريعة) هو تحدٍ عميق متشعب، لكنه أيضا عنصر أساسي في إشراك الروبوت في العالم البشري.

تصدر الكثير من  الإثارة  في مجال الروبوتات اليوم من مختبرات الأبحاث، أو من الحالمين العازمين على التنبؤ بالمستقبل. الحماسة أمر محمود ومشجع، لكن يجب ترويضها من خلال ما تعلمناه من خبراتنا مع الروبوت في البيئات القاسية غير المقيدة بنظام أو قانون.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد