بينما تتبدد الحرارة العاطفية لإسقاط تركيا للطائرة العسكرية الروسية، تدرس موسكو عددًا من الخيارات للرد على الخطوة التركية. ثمة العديد من الخيارات الجذرية المقترحة في البداية من قبل بعض الخبراء الموالين للكرملين، مثل: تسليح الأكراد أو الانتقام العسكري.

 

قبل التراجع عن خطابه القاسي وسعيه للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتهدئة تصاعد الأعمال العدائية، خلق الرئيس التركي رجب طيب أروغان الانطباع أنه يبحث عن استراتيجية للخروج من الصراع الناشئ مع روسيا.

 

لا يزال بوتين يسعى لتحقيق استجابة جيدة متوازنة حاسمة وفعالة. عند هذه النقطة، تبدو الخيارات الروسية المحدودة سيئة بالنسبة لجميع الأطراف، حتى بعض الخطوات التي اتخذتها روسيا بالفعل، مثل: إلغاء الإعفاء للتأشيرات مع تركيا، وحظر السفر والقيود التجارية، ينظر إليها الكثيرون في روسيا باعتبارها أنصاف حلول، كما أنها لا تسبب أي ضرر واضح لتركيا، ومع ذلك، فإن أي إجراء قوي سيعقد الأمور أكثر، ويسحب روسيا بشكل أكبر في منطقة الشرق الأوسط.

 

هناك حاليًا أربع مجموعات من الخيارات الانتقامية التي قد يفكر فيها الكرملين:

 

الخيار الأول هو الخيار العسكري، الذي يقلق بشدة البعض ويثير الآخرين؛ لإسعاد البعض الأول وحتى يشعر البعض الآخر بخيبة أمل، فإنه من المستبعد جدًا أن تقوم روسيا بتبني رد عسكري بأي شكل من الأشكال، ناهيك عن الرد المباشر.

لا يبدو أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) سعداء، لاسيما مع ما فعله شريكهم التركي. ولا هم متحمسون للطريقة التي حاول بها أردوغان إدارة الأزمة.

 

” مثلت تحركات تركيا الساخنة طعنة لوحدة الحلف القوية منذ عقود”، هكذا قال مسئول ألماني في حلف الناتو، لم يكشف عن هويته.

هناك احتمال قوي أن يشهد حلف الناتو كمنظمة انقسامًا سياسيًا حول هذه القضية، وهو ما لا يحتاجه الحلف في مواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها أوروبا في الوقت الراهن.

 

ثانيًا، يبدو الرد الاقتصادي الأكثر وضوحًا، خاصة في ظل الخطوات التي اتخذتها موسكو بالفعل. ومع ذلك، فإن الاقتصاد الروسي في حالة سيئة والقيادة الروسية ليست مهتمة بجعل الأمور أكثر سوءً.

 

وقال الاقتصادي سيرجي خيستانوف، من الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني: “تطبيق عقوبات أكثر صرامة من شأنه أن يلحق الضرر بالاقتصاد الروسي أكثر مما سيلحق بالاقتصاد في تركيا”.

هناك نوعان من الخيارات الأخرى يمكن لموسكو أن تنظر إليهما باعتبارهما خيارات مكلفة للرئيس التركي على الصعيد السياسي على المدى البعيد.

 

إن الخيار الذي ستتبناه موسكو على الأرجح هو توجيه اتهامات لأردوغان والمقربين منه بـ “التواطؤ مع الإرهابيين.”

سوف يتم تصميم هذه الاستراتيجية لتقليل الدعم الغربي للحكومة التركية وإجبار تركيا فعليًا على إثبات أن نضالها المزعوم ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) هو حقيقي وملموس.

إذا فشلت القيادة التركية في القيام بذلك، ستعاني صورة أردوغان مزيدًا من التدهور على الصعيد الدولي، لن يجعله ذلك بالضرورة أكثر تعاونًا، في الواقع، قد يكون الأمر عكس ذلك تمامًا؛ نظرًا لطبيعته المندفعة والطموحة، ولكن، سيدعم هذا النوع من رد الفعل احتجاج روسيا بأن سلوك أردوغان متهور وغير مسئول.

 

وكانت وزارة الدفاع الروسية قالت: إنها سبقت أن قدمت للملحقين العسكريين بالسفارات الأجنبية التي تتخذ من موسكو مقرًا لها، “أدلة ملموسة” بأن تركيا تهرب النفط بالتعاون مع تنظيم داعش.

وقد رددت هذه الاتهامات في العلن، وأدت إلى دعوات أطلقها الصحفيون للتحقيق في القضية في الغرب والشرق الأوسط وفي تركيا نفسها.

على الرغم من أن البعض وجد “الأدلة” معيبة بدلًا من ذلك، تدعي وزارة الدفاع الروسية أنها ستقدم المزيد من الصور والفيديو لإثبات ادعاءاتها بشأن تركيا.

الخيار الأخير، ولكن بالتأكيد ليس آخرًا، هو خيار انتقامي لموسكو له علاقة مع رفع المخاطر فيما يتعلق بالأمن الداخلي التركي.

قد يعني وعد بوتين “بأنه لن ينسى ما حدث” في خطابه الأخير أمام الجمعية الاتحادية بالضبط تعقيدات أمنية على المدى الطويل.

القضية الكردية قد تحيا في الخطاب العام الروسي، ولكن مثل هذا النهج سيكون عملية طويلة وتتطلب موارد تحتاج إلى الكثير من العمل الجيد. ولن تمنح هذه الخطوة رد الفعل السريع الذي يسعى إليه الرأي العام الروسي.

مع مرور الوقت، قد يفقد الدافع للانتقام قوته. الأهم من ذلك، أن النهج سيكون له أيضًا الكثير من السلبيات لروسيا نفسها؛ لأن الهيكل الداخلي الخاص بروسيا لديه نقاط ضعف يمكن لتركيا استغلالها بسهولة من خلال قنواتها.

لسنوات، أقامت انقرة علاقات مع السكان الترك في روسيا، من شمال القوقاز إلى منطقة الأورال، والآن إلى شبه جزيرة القرم. في الواقع، هذه المجموعات تبدو أكثر قلقًا بشأن مستقبل العلاقات الثنائية.

قراتشاي، وهو زعيم ديني كبير للأكراد في شمال القوقاز، صرح لموقع المونيتور قائلًا: “لقد وجدنا أنفسنا بين سندان تركيا ومطرقة روسيا. إذا تصاعدت الأمور أكثر، فإننا لا نرغب في أن نصطدم بالاختيار بين الولاء لروسيا والتعاطف مع “الأشياء التركية”.

 

ويتشارك ذات الشعور بالقلق إلى حد كبير، مع الرهانات الجيوسياسية والاقتصادية الكبيرة، دولتان من الدول المجاورة لروسيا، وهما أذربيجان وكازاخستان. لا تبدي الدولتان ارتياحًا إزاء الخلاف الدائر بين موسكو وأنقرة، ويبحثان عن طرق للتوسط في الصراع الذي ظهر فجأة.

في محادثة هاتفية مع أردوغان، اقترح رئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف إنشاء لجنة روسية تركية للتحقيق في إسقاط الطائرة وتحديد المسئولية.

 

ومع ذلك، فإن خيار الأمن الداخلي لا يبدو الخيار الأمثل على طاولة موسكو، على الرغم من أن روسيا مترددة في استغلاله حتى الآن.

حتى الآن، الخاسرون الواضحون في الصراع هم المجموعات في كل من البلدان التي شاركت في العمل الثنائي على جميع المستويات: التواصل بين الشعبين، التبادل الأكاديمي والمشاريع العلمية التي عانت بدرجة أعمق. يمهد ذلك الطريق لاتجاه خطير: حيث تسيطر الكفاءة بدلًا من الخبرة على الخطاب العام، في حين أن المخاوف المرضية المختلفة تضيق نطاق الخيارات المتاحة لتسوية النزاع.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد