709

على الرغم من أن إسرائيل قادرة على استبعاد حماس، إلا أنها لا يمكنها ببساطة
التخلص منها. ويرجع ذلك لسببين؛ الأول، لأنها لا تريد أن تحكم غزة بنفسها،
والثاني لأنها تخشى ما يمكن أن يحدث بعد ذلك.

عن معركة تكسير العظام بين إسرائيل وغزة، صرح محلل في وزارة الدفاع الإسرائيلية في 22 مايو (أيار) 2016 «نريد أن نكسر عظامهم دون إدخالهم المستشفيات». نشر موقع «وور أون ذا روكس» الأمريكي تقريرًا تناول بالتحليل خمسة دروس مستفادة من معارك إسرائيل مع غزة. إذ إن الحرب مع غزة حرب مع خصمٍ متأصل في نسيج السكان في غزة، فضلًا عن أن القطاع يعد من أكثر المناطق اكتظاظًا في العالم، وبالتالي فإنه لا مفر من الدماء والخسائر في المدنيين في تلك الحرب الحضرية ولا سيما المحدودة.

جدير بالذكر أن الحرب المحدودة هي صراع مسلح تستخدم فيه الأطراف المتحاربة أجزاء من قواتها المسلحة وشعوبها ومواردها المادية، ومصطلح الحرب المحدودة مناقض للحرب الشاملة التي يستخدم فيها جميع موارد الدولة لتُسخر للمجهود الحربي.

كتب التقرير «رفائيل كوهين» ضابط سابق في الجيش الأمريكي، وعالم سياسي في مؤسسة «راند» غير الربحية وغير الحزبية، فضلًا عن أنه المؤلف الرئيس لكتاب «من الرصاص المصبوب إلى الجرف الصامد: دروس من الحروب الإسرائيلية في غزة – From Cast Lead to Protective Edge: Lessons from Israel’s Wars in Gaza».

يقول «رافائيل» إن إسرائيل تواجه معضلةً استراتيجيةً فريدةً بطول حدودها الغربية، ومنذ أن استولت حركة حماس الإسلامية على قطاع غزة في عام 2007، انخرطت كل من حماس وإسرائيل في أعمال عنف مستمرة على هذا الشريط الضيق على طول البحر الأبيض المتوسط. إلا أن هذا العنف منخفض الوتيرة قد تصاعد إلى حرب شاملة ثلاث مرات: عملية «الرصاص المصبوب» عام 2009، و«عمود الدفاع» عام 2012، و«الجرف الصامد» عام 2014.

وعلى الرغم من أن إسرائيل قادرة على استبعاد حماس، إلا أنها لا يمكنها ببساطة التخلص منها. ويرجع ذلك لسببين؛ الأول، لأنها لا تريد أن تحكم غزة بنفسها، والثاني لأنها تخشى ما يمكن أن يحدث بعد ذلك. وبالتالي يصبح التحدي الاستراتيجي كيفية ردع عنف حركة حماس لكن مع الإبقاء على سيطرتها على قطاع غزة، أو ما تم التعبير عنه في الاقتباس أعلاه أن إسرائيل تريد أن «تكسر عظامهم لكن دون إدخالهم المستشفيات».

اقرأ أيضًا: «هآرتس»: «ليس لديهم ما يخسرونه».. شباب القدس الشرقية قد يقود انتفاضة جديدة

ويضيف أن التحديات التي تواجهها إسرائيل في غزة قد تضاعفت بسبب عاملين إضافيين؛ ففي حين تعتبر إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول حماس منظمةً إرهابيةً، تحكم حماس غزة كشبه دولة، ما يجعل من حماس طرفًا فاعلًا كلاسيكيًا هجينًا ذا قدرات تتجاوز قدرة غيرها من الجماعات الإرهابية. علاوة على ذلك، تعد غزة واحدة من أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان في العالم، ما يجبر قوات الدفاع الإسرائيلية على التحرك ضد خصم متأصل في السكان المدنيين بالقطاع.

وبالتالي يرى الكاتب أن عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة تقدم مثالًا على التحديات التي تواجه الجيوش المتقدمة عند مواجهة الخصوم الهجينة التي لديها إصرار وقابلية للتكيف والمتواجدة في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية. وعلى وجه الخصوص، فإن المواجهة الأخيرة، في عملية «الجرف الصامد» التي استمرت 51 يومًا، تعلمنا خمسة دروس قابلة للتطبيق، حتى خارج قطاع غزة.

1. القوات الجوية تواجه قيودًا في المناطق المكتظة بالسكان

يذكر «رافائيل» أن في أوائل عام 2010، سقطت إسرائيل ضحية لما أسماه «إليوت كوهين» «سحر القوة الجوية»، مستخلصين ذلك الدرس من التجربة الأمريكية في عملية عاصفة الصحراء عام 1994، يقول «كوهين» إن توخي الدقة في استخدام القوة الجوية قد يوفر حلًا استراتيجيًا شاملًا، ما يوفر لصانعي السياسات القدرة على تحقيق أهداف استراتيجية دون تكبد تكلفة الدماء والمال.

إن الغارات الجوية لا يمكنها أن تطمس «فوضى الحروب ووحشيتها المتأصلة».

يقول «كوهين» إن القوة الجوية تعد أحد أشكال القوة العسكرية المُغرية على نحو غير عادي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنها تقدم «إشباعًا دون الحاجة إلى الالتزام، مثلها مثل المغازلة الحديثة دون اشتراط الزواج».

لكنه يرى أن ذلك ليس إلا وهمًا، وأن تأثير القوة الجوية في الواقع محدود، إضافة إلى أن الغارات الجوية لا يمكنها أن تمحي «فوضى الحروب ووحشيتها المتأصلة».

كان على إسرائيل أن تتعلم هذا الدرس من حرب غزة، بالنسبة للعديد من الاستراتيجيين الإسرائيليين، خلقت عملية «عمود الدفاع» هذا السحر عندما أجبرت الضربات الجوية المستمرة لثمانية أيام متتالية حماس على وقف إطلاق صواريخها. لكن أُثبت خطأ ذلك الاستنتاج، في حين أن القوات الجوية الإسرائيلية استهدفت بنجاح كبار قادة حماس ومواقع الإمدادات، لم تكن هي السبب وراء قِصَر وقت العملية ونجاحها، كما لم تكن السبب وراء الهدوء «الهش» الذي أعقب العملية. في نهاية المطاف، كان وقف إطلاق النار أكثر ارتباطًا بنجاح الدبلوماسية، وتحديدًا جهود مصر في ظل حكم محمد مرسي. وهكذا، عندما تغيرت الظروف السياسية بعد عامين، اندلعت حرب أخرى.

اقرأ أيضًا: مترجم: حرب إسرائيل الكبرى القادمة

في عام 2014، حطمت عملية «الجرف الصامد» وهم جبروت القوة الجوية. خلال المرحلة الأولى من العملية التي استمرت من 8 إلى 16 يوليو (تموز)، حاولت القوات الجوية الإسرائيلية إعادة تطبيق الدليل الخاص بعملية «عمود الدفاع»، وشنت ما يقرب من 1700 ضربة جوية، لكن فشلت القوة الجوية وحدها في إنهاء التهديد الصاروخي من غزة، فضلًا عن أنها أخفقت في التصدي لتكتيك حماس الجديد متمثلًا في الأنفاق التي حُفِرت تحت البلدات الحدودية الإسرائيلية، إذ لم تتمكن أجهزة الكشف في الطائرات من تحديد أماكن الأنفاق تحت الأرض أو فتحاتها. وفي نهاية المطاف، فشلت القوات الجوية في إنهاء الصراع؛ وتعلم جيش الدفاع الإسرائيلي بالطريقة الصعبة أن بعض الأهداف تتطلب التدمير برًا، لا جوًا.

2. العمليات البرية في مناطق الكثافة السكانية لا تخلو من إراقة الدماء

يقول «رافائيل» إن «في معظم الحالات، أبقى جيش الدفاع الإسرائيلي اعتداءاته محدودة قدر الإمكان»، لكنه لم يتمكن أبدًا من تجنب إحداث الدمار، ربما كانت معركة الشجاعية أفضل مثال على تلك الحقيقة البديهية. كانت الشجاعية في مدينة غزة منطقة مكتظة بالسكان، فضلًا عن كونها معقل حركة حماس. وبعد ثلاثة أيام من إسقاط النشرات التحذيرية للمدنيين من عملية عسكرية وشيكة، شن جيش الدفاع الإسرائيلي عملية عسكرية في ليلة الـ19 من يوليو (تموز) بهدف تدمير ستة أنفاق حدودية.

وبعد انهيار مدرعة حاملة جنود، نَصَبَ مقاتلو حماس كمينًا لحافلة، ما تسبب في مصرع سبعة من ركابها. وقد واجهت محاولات إسرائيل للوصول إلى الحافلة مقاومةً شديدةً، وتفاقمت الإصابات وانهار الوضع. أصيب قائد لواء العملية وتطلب الوضع إجلاءه، ثم ردت قوات الدفاع الإسرائيلية مستخدمة قوة نارية مكثفة، إذ أطلقت على الأقل 600 طلقة مدفعية، وأسقطت ما لا يقل عن 100 قنبلة تزن طنًا، وذلك لإحباط مقاتلي حماس.

وفي النهاية، أسفرت المعركة عن مقتل ما لا يقل عن 13 جنديًا إسرائيليًا، و65 مجندًا ومدنيًا فلسطينيًا، فضلًا عن إصابة المئات بجروح. حتى إن مستوى العنف في هذا الهجوم صدم بعض المراقبين المتشددين، جدير بالذكر أن صرح جون كيري –وزير الخارجية الأمريكي المخضرم الذي حارب في فيتنام – بعد المعركة في ذهول «يا لها من عملية دقيقة التصويب».

ولسوء الحظ، فإن تجارب جيش الدفاع الإسرائيلي في غزة ليست فريدة من نوعها، إذ تعلمت الولايات المتحدة دروسًا مماثلة في مقديشو – الصومال عام 1993، أو حديثًا في معركة الفالوجة عام 2004، أو معركة مدينة الصدر عام 2008 في العراق. وعلى الرغم من كل المزايا التكنولوجية الاستخباراتية والأسلحة الدقيقة المتاحة للجيوش الغربية الحديثة، عندما تواجه القوات البرية التقليدية الحركات المقاومة العنيدة الصامدة في المناطق الحضرية، فإن النتيجة دائمًا دموية وليست أبدًا نظيفة.

اقرأ أيضًا: «فورين بوليسي»: يهود أمريكا يهددون بقطع تمويلهم السخي عن إسرائيل للأبد.. لماذا؟

3. الجيوش الغربية لا يمكنها التهرب من «حرب القانون»

يعتقد الكاتب أن السبب في ذلك يرجع إلى حد ما إلى أن العمليات البرية هي بطبيعتها دموية، ولا مفر من امتداد ساحة المعركة إلى قاعات المحاكم. وصف «تشارلز دونلاب» نائب القائد العام السابق للقوات الجوية الأمريكية تلك الظاهرة بـ«استراتيجية استخدام القانون –أو إساءة استخدامه – كبديل عن الوسائل العسكرية التقليدية لتحقيق هدف عملي». وكان جيش الدفاع الإسرائيلي مدركًا تمامًا لهذا البعد من القتال أثناء حروبه مع غزة.

تطورت جهود جيش الدفاع الإسرائيلي للتصدي لحرب القانون خلال حروبه في قطاع غزة، فقد أرسل محامين للعمل مستشارين قانونيين لمستويات القيادة الأدنى، وإدماجهم بشكل أفضل في عملية الاستهداف، ما سمح بوضع تدابير تدار مركزيًا من القيادة العليا، وذلك لتحديد مستويات تحمل المخاطر «المقبولة» للأضرار الجانبية. حتى إن جيش الدفاع الإسرائيلي قام بتجربة استباقية لـ«حرب قانونية» لكي تسوغ مسبقًا بشكل وقائي مبررات أن «أي عملية عسكرية كانت في حدود القانون»، ومع ذلك، فإن اعتراف ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي أنفسهم يؤكد أن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يفز بالمعركة القانونية بعد. في الواقع، لا تزال إسرائيل تخضع لتدقيق مكثفٍ من المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة بعد عملية الجرف الصامد عام 2014، تمامًا كما كان الحال خلال حروبها السابقة في غزة.

بينما تتحكم إسرائيل في المسرح القانوني العالمي نظرًا لأسباب متعددة، لا تزال الجيوش الغربية تعاني في إيجاد حلول للتحديات القانونية. وبالمقارنة، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية تعد في مأمن من حرب القانون أكثر من إسرائيل، إلا  أنها هي الأخرى تواجه نفس النقد بشأن إساءة استخدام واستغلال القوة في أفغانستان والعراق وسوريا وأماكن أخرى. جديرٌ بالذكر أن سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة «نيكي هايلي» اتهمت منظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بـ«التحيز المتواصل المناهض لإسرائيل».

4. لا مفر من القتال في المناطق السكنية

إذا كانت القوة الجوية غير فعَّالة، والعمليات البرية دموية وعلى الأرجح ينتهي بها المطاف في قاعات المحاكم، هل تستطيع الجيوش ببساطة تحييد التهديدات المنبعثة من المناطق الحضرية، أو تجنب المعركة الحضرية تمامًا؟ إلى حد ما، جربت إسرائيل ذلك المنهج. سمح تطوير نظام الدفاع الصاروخي المعروف بالقبة الحديدية أن يحمي الكثير من سكان إسرائيل من الهجمات الصاروخية لحماس، كما خفف الضغط على صُنَّاع السياسة الإسرائيليين كي لا يشنوا عمليات عسكرية أكثر عدوانية، تعد القبة الحديدية نظام دفاع جوي بالصواريخ ذات القواعد المتحركة، طورته شركة رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة والهدف منه هو اعتراض الصواريخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية، إلا أن هذا المنهج لم يتجاوز تلك المرحلة.

فالهجمات الصاروخية التي شنتها حركة حماس لا تزال تجبر الإسرائيليين على اللجوء للملاجئ وتعطيل الحياة اليومية، حتى وإن تم تحييدها عن طريق القبة الحديدية. علاوة على ذلك، لم تفعل القبة الحديدية شيئًا لحماية المواطنين الإسرائيليين من تهديدات حماس الأخرى، مثل هجمات الأنفاق. وفي النهاية، يقول الكاتب إن :«طالما لم يكن هناك اتفاق سلام بين حماس وإسرائيل، فإن جيش الدفاع الإسرائيلي سيحتاج لخوض قتال في غزة سواء أراد ذلك أم لا».

ويضيف أن الولايات المتحدة الأمريكية توصلت بالفعل إلى نتيجة مماثلة. قال رئيس الأركان العامة للجيش الأمريكي «مارك ميلي» العام الماضي: «في المستقبل، أستطيع أن أقول بدرجة عالية من الثقة، إن الجيش الأمريكي على الأرجح سيقاتل في المناطق الحضرية، ونحن بحاجة إلى تعزيز القوات البشرية وتنظيمها وتدريبها وتسليحها للعمليات في المناطق الحضرية، والمناطق الحضرية مكتظة الكثافة السكانية، ولتلك الأخيرة بنية مختلفة تمامًا. لكننا لسنا على تلك الدرجة من النظام الآن».

وفي حين أن الجيش الأمريكي قد لا يريد خوض القتال داخل المدن، حيث سيعيش السواد الأعظم من الناس في المستقبل،  فإنه حسب تقدير «ميلي»: «شئت أم أبيت، هذا هو المكان حيث ستكون حروب المستقبل».

اقرأ أيضًا: تحت الأرض.. لماذا تبني إسرائيل جدارًا عازلًا على الحدود المصرية؟

5. درس المراوغة: تحويل النجاحات الصغيرة إلى انتصار نهائي دائم

بعد عقود من العمليات العسكرية ضد غزة، تعلم جيش الدفاع الإسرائيلي العديد من الدروس بشأن الحرب الحضرية ضد الخصوم الهجينة، لكن على الأقل يظل هناك درس واحد مراوغ وهو كيف تحول العمليات الناجحة إلى انتصار دائم؟ واقعيًا، وفَّرت حروب إسرائيل المحدودة فترات من الهدوء النسبي لإسرائيل، لكنها ليست حلًا دائمًا، ولا يزال العنف مستمرًا حتى اليوم.

بينما لا تزال عمليات العراق وأفغانستان وليبيا حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية الجماعية الأمريكية، فإن تحديات تغيير النظام باتت معروفة الآن. إلا أنه أحيانًا يتم التغاضي عن الصعوبات الكامنة في الحروب المحدودة. ولحسن الحظ لا تواجه الولايات المتحدة الأمريكية الآن حربًا مماثلة لحرب إسرائيل مع غزة بطول حدودها، لكن في عالمٍ مليء بالأطراف الفاعلة البغيضة، وحيث لا يكون تغيير النظام خيارًا صالحًا، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا تحديًا متمثلًا في معرفة كيفية تكسير العظام والفتّ في عضد الخصوم «دون إدخالهم المستشفيات»، إذا جاز التعبير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك