«لقد عرفت أدمغتنا القيود التي تعيقنا» كانت تلك العبارة مما ذكره الكاتب «زات رانا» على موقع ميديم في مقال يتناول فيه الانحيازات أو النزعات العقلية التي نفعلها دون أن نشعر، وكيف تؤثر على تصرفاتنا وقراراتنا التي نظنها عقلانية ومنطقية.

ويقول زات يوجد اعتقاد عام بأننا نتصرف بطريقة من شأنها زيادة قيمة الفائدة العائدة علينا، وبالتالي تمكننا من النجاح في العالم، وهذا قد لا يبدو فيه أي شيء جدير بالجدال، ولكن أظهر الكثير من البحث في الاقتصاد السلوكي خلال العقود القليلة الماضية أن الصورة المثالية لكيفية تفكيرنا ليست صحيحة. «أنا لست عقلانيًا، ولا أنت. قد نسعى جاهدين لنكون عقلانيين، وقد نستهدف زيادة قيمة الفائدة العائدة علينا، ولكن هناك فجوة طبيعية بين النهاية والوسائل» كما يقول زات.

ونوه زات أن على مدى العقود القليلة الماضية، اكتشف الباحثون عدة مئات من التحيزات الذهنية والأخطاء الناتجة عن الأعمال غير العقلانية. معظمها أمور بديهية تم برمجمتنا عليها، ونرتكب الكثير من هذه الأخطاء والتحيزات العقلية أثناء محاولاتنا لتحسين حياتنا وتحقيق أفضل نتيجة ممكنة.

وأكد «زات» أن الانحيازات الذهنية قد تملأ كتابًا، ولكن بعضها أكثر بروزًا وأكبر تأثيرًا من غيرها.

إليكم خمسة من الانحيازات ‏ العقلية التي يراها ‏«زات» ‏تتكرر باستمرار

1. انحياز المعلومات

يرى «زات» أن عندما يتعلق الأمر بالمعلومات، يكون لدينا ميل طبيعي لافتراض أن الأكثر هو الأفضل. فنخطط لفترة أطول، ونجمع المزيد من الملاحظات، ونتأخر في اتخاذ الإجراء.

المشكلة هي أن معظم هذه المعلومات لا تؤثر على كل ما نحاول تحقيقه. فمن السهل لنا أن ننشغل بالرغبة في انتزاع كل ما يبدو لنا أنه متصل بهدفنا، ولكن الحقيقة ليست كذلك.

فعندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية، أظهرت بعض الدراسات أن الناس يقومون بالفعل بتنبؤات أكثر دقة عندما يكون لديهم معلومات أقل. أي أن هناك مجال أصغر للأفكار غير المتصلة بأهدافنا .

وينطبق ذلك أيضًا على اتخاذ إجراءات مثمرة، بدلًا من جمع كل المعلومات المتاحة. فعندما تقوم بتغطية المعلومات الأكثر تأثيرًا، قد يكون التزود بالمعلومات الأقل تأثيرًا غير مفيد وربما يكون سلبيًا. غالبًا ما تكون كلفة تأخير العمل أكبر من تفويت مزيد من التفاصيل.

2. انحياز النتيجة

وأظهرت عدة دراسات أننا كثيرًا ما نبني القرارات التي نتخذها طبقًا للنتائج الظاهرة في تجاربنا السابقة بينما قد نتجاهل تمامًا العوامل المرتبطة بها.

تظهر هذه الحالة المتطرفة بوضوح في ذهن المقامر. فعندما يفوز المقامر يرى أنها علامة على أنه يجب أن يلعب مرة أخرى، ويتجاهل سبب هذا الفوز (على الأرجح تكون ضربة حظ)، ويفترض أن هذه النتيجة هي الدليل الذي يحتاجه لكي يستمر.

وبطبيعة الحال، نظرًا لأن العملية ستكون مختلفة في المرة القادمة التي يلعب فيها، فإنه من المستبعد جدًا أنه سيحصل على النتيجة التي يريدها، حتى لو حدثت ضربة الحظ مرتين، على المدى الطويل، سيكون اقتراحًا خاسرًا. فالنتيجة السابقة ليست مؤشرًا على النتيجة في المستقبل ما لم يكن من المرجح تكرار العملية في الجهود المقبلة. يؤدي «انحياز النتيجة» إلى عمل غير هادف وغير صحيح، وغالبًا ما يكون ضارًا.

3. تأثير الهالة

تأثير الهالة يفسر لماذا يسهل علينا الإفراط في حب بعض الأشياء.

يشرح «زات» ذلك قائلًا: أن الدماغ البشري عادة يسجل سمة إيجابية واحدة عن شخص أو شيء واستخدام هذا الانطباع لخلق مجموعة من الكفاءة العامة المتعلقة بالصفات الأخرى التي يمتلكها هذا الشخص أو الشيء أيضًا.

على سبيل المثال، ليس من قبيل المصادفة أننا غالبًا ما نفترض أن الناس الجذابة هي أيضًا أجمل وألطف، وأكثر قدرة على وظائفهم، ويستحقون أجورًا أعلى. وبالمثل، فإنه يفسر أيضًا لماذا نحن نتغاضى بسرعة عن أخطاء وعجز بعض الناس والأشياء التي لدينا عنها انطباع أولي .

تأثير الهالة يعطي احساسًا خاطئًا لوجود علاقة قوية بين صفات الشخص أو الشيء المختلفة؛ فالموهبة والعطف، صفات مختلفة، وينبغي تقييمها بشكل منفصل، فإذا أخطأ شخص ما في شيء، لا تتجاهل خطأه بسبب انطباعك الأول عنه.

4. انحياز البقاء

يحب الجميع قصص النجاح الرائعة؛ فعندما نسمع واحدة، ينجذب معظمنا لها على الفور، ونحن نتوق إلى التفاصيل على أمل التعلم منها.

المشكلة مع قصص النجاح هي أنها تحرف تصورنا للواقع.

يفسر «زات» ذلك قائلًا: ‏ يقابل كل شخص نجح من خلال استخدام هذه العبرة، 10 آخرين لم يحصلوا على أي شيء من خلال القيام بنفس الشيء. فتسرب مارك زوكربيرج وبيل غيتس من الكلية ليصبحوا رواد أعمال، لا يعني أن حظك سيكون مماثلًا لهما. هناك عالم كامل من الناس الذين تسربوا من الكلية ولم يذهبوا إلى أي مكان ولكن لا يتحدث عنهم أحد. ‏

انحياز البقاء على قيد الحياة يوضح ميلنا إلى تطبيق أعمال الآخرين، دون النظر إلى كل جوانب القصة. التاريخ يتذكر الفائزين، ولكن نادرًا ما يذكر الخاسرين، بالإضافة إلى أننا نبالغ ‏ عمومًا في الدروس التي يمكن أن نتعلمها من الناجحين.

5. انحياز التأكيد

ويقول‏ «زات» نحن نحصل على معظم حصيلتنا المعرفية عندما نخطئ، أو يتسبب شيء ما في التشكيك بمعتقداتنا حول كيفية عمل العالم.

وانحياز التأكيد يصعب ذلك، لأنه واحد من أبرز الأخطاء التي يفعلها دماغنا باستمرار. أي إنه ليس معنيًا بحقيقة الوضع، ولكن يضمن لنا إيجاد أدلة تدعم طريقتنا الحالية من الفكر، فهو يخبرنا بما نريد أن نسمعه.

وهذا ما يفسر لماذا من الصعب جدًا على الناس تغيير رأيهم بمجرد اتخاذهم قرارًا حول موقف معين. إذا كنت تؤيد حزبًا سياسيًّا معينًا، على الأرجح سوف تنتقي أفضل الحقائق التي تدعم كراهيتك للحزب المنافس، وستبحث عن الأدلة التي سوف تقنعك بعظمة حزبك. وكلما كنت تعتقد شيئًا، بشكل قوي، على الأرجح سوف تحرف الواقع ليتناسب مع قصتك الكاذبة التي تدعمها.

استنتاج

دانيال كانيمان هو عالم النفس الحائز على جائزة نوبل والذي له تأثير كبير على العمل الذي يجري بهذا المجال اليوم. يميل إلى أن يكون متشائمًا إلى حد ما حول قدرتنا على التغلب على هذه العوائق الفكرية.

ويختلف معه باحثون آخرون، ويعتقدون أن مع الوعي الذاتي، يمكننا على الأقل أن نكون أكثر حذرًا، وبالتالي إعداد أنفسنا لعدم الانجراف في هذه الانحيازات بسهولة، على الرغم من أن بعض هذه الانحيازات ‏ متأصلة بعمق في عقلنا.

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا في تجربتي الخاصة، أجد هذه المقولة الأخيرة صحيحة، أعلم أني لا أزال أرتكب هذه الأخطاء، ولكنني أعلم أيضًا أنه منذ أن أصبحت على علم بها وبعواقبها السلبية، فإنها أصبحت أقل تكرارًا. ويوضح أنه يعود نفسه على التوقف وعدم المضي قدمًا عندما تميل به بوصلة حدسه نحو التحيز، وقد ساعده ذلك كثيرًا في تدارك أخطائه.

وفي النهاية ينصح زات: ابحث عن انحيازاتك الخاصة، واستوعب وجودها، وفكر قبل التصرف.. إنها عملية بسيطة، وربما ليست مضمونة تمامًا، لكنها سوف تساعدك. إذا فعلت ذلك ستكون أفضل بكثير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد