بعد أن خيمت هجمات باريس المروعة بظلالها القاتمة، اجتمعت روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وقوى عالمية أخرى في فيينا السبت الماضي، واتفقوا على جدول زمني لعملية سياسية في سوريا. إلا أن المبادئ والخطوات التي وضعوها أعادت للأذهان تحركات سابقة مكررة. إذ جاءت مماثلة لتلك الواردة في بيان جنيف 2012، والذي دعا إلى انتقالٍ سياسي تقوده سوريا، بما في ذلك تشكيل هيئة حكم انتقالي مبنية على الاتفاق المتبادل. وبسبب وجود معارضة قوية للنظام السوري، يفترض ذلك التوافق المتبادل أن الرئيس السوري بشار الأسد لا يمكن أن يكون جزءًا من المرحلة الانتقالية. وهنا تكمن القضية الأساسية التي لم تُحَل بعد.

 

الجديد فقط في اجتماع فيينا هو الجدول الزمني المحدد للفترة الانتقالية. وبالنظر للحقائق على أرض الواقع، ينبغي النظر لذلك الجدول الزمني على أنه طموح أكثر من كونه واقعيًا. فقد اتفقوا على عقد مفاوضاتٍ ترعاها الأمم المتحدة بين الحكومة السورية وممثلي المعارضة بدءًا من 1 يناير: حيث يتم وضع جدول زمني محدد لعملية صياغة الدستور في غضون ستة أشهر، ثم إجراء انتخابات حرة نزيهة في غضون 18 شهرًا، ودعوة لوقف إطلاق النار تقودها الأمم المتحدة، فتكون تلك خطوة فعالة في بدء المرحلة الانتقالية. عقب هجمات باريس التي تبنتها داعش، يوجد الآن زخم دولي جديد يدفع باتجاه ضرورة إيجاد حل للصراع في سوريا. إلا أن إيجاد حل دائم في سوريا يتطلب إقصاء داعش، كما يتطلب انتقالًا سياسيًّا ينحي الأسد عن السلطة. فتنحية طرفٍ دون الأخر، ما هو إلا وصفة دقيقة لاستمرار الصراع طويل الأمد. وحقيقة أن مباحثات فيينا 2015 لاتزال عالقة في نفس إطار المفاوضات مثل تلك التي عقدت في جنيف 2012، تؤكد أنه لا توجد عصا سحرية للتعامل مع القضية. بل في الواقع، زادت النقاط العالقة التي تعوق الوصول لحل سياسي، وهي كالتالي:

الأحزاب المعارضة تنوعت واختلفت كثيرًا عما كانت عليه في 2012

على الصعيد السياسي، باءت محاولات تشكيل جبهة معارضة سياسية موحدة بالفشل. فالائتلاف الوطني للثورة السورية وقوى المعارضة ليس لديه أية شرعية داخل سوريا، ولا يمكن بحال من الأحوال اعتباره الممثل السياسي الوحيد لجميع الجماعات والقوى المعارضة والمتمردة في سوريا الآن. فقد أنشأت الجماعات المتمردة السورية الكبيرة غير الجهادية مكاتبها الخاصة، وبدأت في تطوير منصاتها السياسية.   تقدر أعداد التشكيلات المتمردة غير التابعة لداعش أو المؤيدة لجبهة النصرة بالآلاف. وعلى الرغم من أنها أكثر صلابة في المعارك، بل وأفضل من حيث التسليح عما كانت عليه في 2012، لم تعد موحدة. علاوة على ذلك، يوجد في سوريا منتمون للنصرة والقاعدة، وهما من أهم الأطراف بين الجماعات المتمردة المناهضة لنظام الاسد.

التأثير قصير المدى للتدخل الروسي كان بهدف تعزيز ادعاء نظام الأسد بأنه باق لن يتزحزح عن الحكم

في حين أن النظام السوري الآن اضعف مما كان عليه عام 2012، ويسيطر على مساحات أقل من الأراضي، وبعد التدخل الروسي الآن، من المستبعد حدوث أي انشقاقات عن النظام السوري سواء سياسيًا أو عسكريًا. فبالاضافة إلى الجيش السوري، تعمل الميليشيات الموالية للنظام الإيراني المعروفة باسم “قوات الدفاع الوطني” جنبًا إلى جنب مع حزب الله اللبناني ومجموعة أخرى من المليشيات العراقية والأفغانية الموالية لإيران أيضا. كما يلعب مستشارون من قوات القدس الإيرانية دورًا قياديًّا في تخطيط وتنفيذ حملات عسكرية لصالح النظام السوري.

الأحزاب المحلية الآن صارت أكثر امتنانًا لأسيادها سواء من داخل أو خارج المنطقة عما كان عليه الحال في 2012

علاوة على التدخل الروسي، عززت إيران هي الأخرى من نفوذها على النظام السوري. وعلى الجانب الآخر، بفضل الإمدادات بالمال والسلاح تمكنت الولايات المتحدة الامريكية والسعودية وتركيا وقطر والأردن من السيطرة على مناطق مختلفة لا تخضع لسيطرة للمجموعات المتمردة الموالية لداعش أو النصرة. بينما تتم غالبًا المبالغة في قدرة الداعمين على حمل عملائهم بالداخل على تنفيذ مطالبهم فورًا، كما ثبت مرارًا وتكرارًا عدم امتثال نظام الأسد للمطالب الروسية بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، لايزال هناك احتمال أنه في ظل الظروف المناسبة، ربما يساعد هذا النفوذ الخارجي في إجبار الأطراف المتحاربة على الالتزام بشروط وقف إطلاق النار أو الموافقة على التفاوض. على الجانب الآخر، المصالح المتعارضة للجهات الخارجية الفاعلة كثيرًا ما عقَّدت المفاوضات بين الأطراف المعنية الداخلية من خلال تضييق نطاق المساومة بين المتفاوضين.

بعد 4 سنوات ونصف من العنف العشوائي وسفك الدماء والتعذيب: السوريون يقسمهم الآن الخوف وعدم الثقة

كي يلتزم السوريون بعملية سياسية، يحتاجون بشدة إلى ضمان لمستقبلهم. تحتاج العناصر المؤيدة للمعارضة ضمانات جدول زمني من شأنه أن ينحي الأسد عن الحكم في نهاية المطاف، وكذلك تحتاج العناصر المؤيدة للنظام السوري، وخاصة العلويين، ضمانات لأمنهم ودورهم في الحكم في مرحلة ما بعد الأسد. ثم هناك سؤال آخر يطرح نفسه: من سيكون الضامِن؟

عملية السلام لن تتقدم طالما أنها تتجنب مسألة مصير الأسد وأجهزته الأمنية

مع تصريحهم بالتزامهم بتقديم “ضمان انتقالٍ سياسي في سوريا، بقيادة سورية، ومن أجل سوريا، على أساس بيان جنيف في مجمله”، أعاد المفاوضون في فيينا التأكيد على البند في بيان جنيف الختامي الذي يعطي كلًّا من النظام والمعارضة حق “الفيتو” والاعتراض بشأن الأطراف التي تشارك في هيئة الحكم في المرحلة الانتقالية، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى استحالة أن يكون نظام الأسد جزءًا من هيكل الحكم المستقبلي في سوريا. لكن يزال هذا غير كافٍ، إذ ستُصِر الجماعات المعارضة على أن يتم توضيح تلك المسألة. المخيم الروسي الإيراني ما يزال يصر على أن مصير الأسد يجب أن يقرره السوريون في عملية سياسية بقيادة سورية تنطوي على انتخابات رئاسية، بحيث يمكن للأسد الترشح فيها. ولعل الدافع وراء موقفهم هذا اقتناعهم أنه لا يوجد بديل حالي للأسد يمكنه الحفاظ على مؤسسات الدولة، والحول دون سقوط دمشق في يد داعش. وقد أبدت إيران وروسيا استعدادهما بمد سوريا بالمال والسلاح والرجال للحفاظ على بقاء نظام الأسد.

 

ومن المستبعد أن يتنازلا عن هذا الموقف في أي وقت قريب. في المقابل، تراهن الإدارة الأمريكية وحلفاءها على المفاوضات بين السوريين “لتهيئة ظروف ينشأ في ظلها بديل واضح لنظام الأسد، ويكون مقبولاً على نطاقٍ واسعٍ”. ومن السذاجة توقع أن بعد 4 سنوات ونصف من القتال للبقاء السياسي، سيتفاوض الأسد وأجهزته الأمنية على خروجهم من السلطة. فهم لن يغادروا إلا تحت حالة من الضغط العسكري، وتخلي داعميهم عنهم. فنحن بحاجة إلى زيادة إمدادات المال والسلاح للمتمردين أضعافًا مضاعفة، وبالتالي نوجه رسالة قوية لروسيا وإيران أنه على الرغم من تدخلهما العسكري، لن يتمكنا من إملاء شروط حل في سوريا. المفاوضات وحدها لن تحقق أي سلام في سوريا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد