هل تظن أنَّ الحرب النووية التي يجري فيها تبادل إطلاق الأسلحة النووية بين دولتين أو أكثر في صراع مفتوح أمر غير ممكن الحدوث؟ حاول البروفيسور توم نيكولاس، أستاذ شؤون الأمن القومي بالكلية البحرية الحربية والأستاذ المساعد بجامعة «هارفارد» الإجابة عن هذا السؤال.

يقول البروفيسور توم نيكولاس في مقال نشر عبر موقع مجلة «ذي ناشيونال إنترست»، إنَّ نشوب حرب نووية، بطبيعة الحال، أمر مستبعد الحدوث إلى حد كبير، بل إنَّ مخزون العالم من الأسلحة النووية وصل إلى أدنى مستوياته، بسبب تخفيضات قادتها الولايات المتحدة وروسيا. ولا تتوقع أي من القوى العظمى نشوب صراع نووي بذات الطريقة التي كانوا يتوقعونه بها أثناء الحرب الباردة.

الحرب النووية ليست محالة، وإن كانت غير راجحة الحدوث، وثمة طرق لوقوعها أكثر بكثير مما قد يظن الواحد منا، إذ قد يقدح زنادها عدد من الحوادث بدءًا من محض حادثة وانتهاء بضربة مقصودة.

وقال البروفيسور نيكولاس: إنَّ تركيزه في المقال سوف يكون على الحروب التي قد تتورط فيها الولايات المتحدة من جانب، وروسيا أو الصين على الجانب الآخر. وقال: إنَّ نشوب حرب بين الهند وباكستان، أو بين إيران، التي سوف تتسلح نوويًا في المستقبل، وبين إسرائيل، أمر غير محتمل، لكنه أسهل كثير في التخيل من وقوع صراع نووي عالمي. وهذا أحد الأسباب التي من أجلها لم يعد الأمريكيون يفكرون في الحرب النووية كثيرًا: فهم يعتقدون أنها سوف تحدث في مكان آخر.

وقال نيكولاس إنه لو وقعت حرب إقليمية صغيرة، على ما يحمله هذا الأمر من بشاعة، فإنَّ ذلك لن يدمر الولايات المتحدة، ولن يهدد بنهاية الجنس البشري. ومع ذلك فإنَّ حربًا نووية، بأي حجم كانت، في النصف الشمالي سوف تعني بشكل فعال نهاية العصر الحديث. سوف يقتصر التقدم الإنساني المقبل على محاولة توفير الاحتياجات الأساسية للبقاء، وسوف يستمر هذا الأمر لسنوات، ما لم يكن لعقود قادمة.

اقرأ أيضًا: أيام مجنونة.. طبول الحرب النووية تدق أبواب واشنطن وبيونج يانج

لو وقعت حرب بين الهند وباكستان، فسوف يؤدي هذا إلى سقوط ملايين القتلى وتلويث الأرض إلى الأبد، لكن ذلك لن يؤدي إلى التهديد بإيقاف النظام العالمي برمته أو إطلاق آلاف الرؤوس النووية على مئات المدن في كل العالم، وهي الحرب التي أنفق الأمريكيون عقودًا في الإعداد لها.

فما هي السيناريوهات التي من الممكن أن تؤدي إلى وقوع هذا الكابوس؟

1. حادث تقني

ثمة رواية كلاسيكية عن حرب تقع عن طريق الخطأ تدعى «Fail-Safe»، وفيها يفسد حاسوب ما، فتقوم القوات الجوية بإذابة موسكو. لم يعد الناس يقرؤون هذه الرواية، لكنَّ كل الناس تقريبا شاهدوا فيلمي «War Games» و«The Terminator»، وكلاهما جزء من نوع كامل من الخيال العلمي تقرر فيه الحواسيب العسكرية ألا تتلقى أوامرها من البشر المزعجين حول من يقرر إطلاق الصواريخ النووية. هذا ما يجعل الأمر خيالًا، فالماكينات ليست ذات وعي، ولن تكون أبدًا. إنها مجرد ماكينات، ويمكن للماكينات أن تفسد وحدها، دون كثير من التدخل البشري.

ومع كون هذه الفكرة مرعبة، فمن المهم ملاحظة أنها أقل الأسباب احتمالًا لبدء حرب نووية. إذ أنفقت القوى العظمى، أثناء الحرب الباردة، الكثير من الوقت لضمان تأمين صواريخهم ضد أي استخدام غير مقصود إلى درجة أن بدأ الأمريكيون والسوفييت في التساؤل إذا ما كانوا قد بالغوا في وضع الحواجز إلى الحد الذي قد يمنع الإطلاق المتعمد لهذه لأسلحة وقت الحرب. والمراد من ذلك إيضاح أنَّ خطر الإطلاق العرضي لسلاح نووي استراتيجي، ليس صفرًا، وإنما هو خطر ضئيل.

ليست التكنولوجيا، التي تجعل سيناريو الإطلاق الخاطئ في رواية Fail-Safe شبه محال (وإن لم يكن محالًا بالكلية). إنَّ الخطر هنا في يكمن في البشر، الذين من الممكن أن يصدروا أوامر بالقصاص، في لحظات الضغط، لا يمكن الرجوع
عنها.

وهذا طبعًا ما لم يبن أحدهم «جهاز يوم القيامة» الذي من شأنه أن يتخذ القرار منفردًا عن البشر، لكن من المجنون كفاية لفعل ذلك؟

قال نيكولاس: إنَّ القيادة السوفييتية العليا، في سنواتها الأخيرة المثيرة للشفقة والمليئة بجنون العظمة، على ما يبدو، كانت مجنونة إلى هذا الحد. إذ بنى الاتحاد السوفيتي نظامًا سماه «بيريمتر Perimetr»، والمعروف بشكل غير رسمي باسم «اليد الميتة»، وهو بالأساس نظام حاسوب من شأنه مراقبة علامات أي هجوم نووي للقصاص بنفسه في حالة لو ضُربت القيادة السوفيتية أولًا ومُحيت من الوجود.

وأضاف نيكولاس: «لقد سألنا الروس منذ ذلك الوقت إذا ما كان هذا النظام لا يزال قائمًا، وقد أكدوا لنا – بثقة كاملة – أنَّ هذا ليس من شأننا. وليس أمامنا، إلا أن نأمل أنَّ الأمر لا يعدوا كونهم يتصرفون بوقاحة فحسب».

2. الخطأ الإنساني

ما دامت هناك آلات يديرها البشر، فسوف تقع الحوادث. ومع ذلك، فإنَّ الحرب لن تبدأ بسبب تحطيم قاذفة قنابل أو اشتعال صومعة غلال، وإنما سوف يكون الخطأ في سوء تفسير حادثة ما من قبل البشر غير المعصومين.

والتاريخ زاخر بمثل هذه الحوادث. فقد نسى الروس، عام 1995 أنَّ النرويجيين قد أعلموهم بإطلاق صاروخ لوضع قمر صناعي للطقس في الفضاء. أخبرت القيادة الروسية العليا الرئيس بوريس يلتسين بأنَّ لديهم تأكيدًا بإطلاق صاروخ تابع للناتو نحو روسيا. ولحسن الحظ، فلم يفترض أي شخص في الكرملين أنَّ بيل كلينتون يحاول بدء حرب عالمية ثالثة بإطلاق صاروخ واحد موجه من النرويج.

وقعت أخطاء مشابهة بسبب أسراب من الطيور، وأخطاء حاسوبية عشوائية، وتألق الشمس بفعل تكوينات من السحب – فسرتها الحواسيب السوفيتية على أنها ذيول نارية لمعززات صواريخ أمريكية متعددة. في كل واحدة من هذه الحالات، كانت الإجابة هذا السؤال: «هل هناك فعلًا من يهاجمنا؟» راجعة إلى إنسان ما. وقد منع الأذكياء في كل من روسيا والولايات المتحدة هذه الأخطاء التقنية من أن تتحول إلى هرمجدون.

مع أن الخطأ البشري هو خطر يتناقص مع تناقص التوتر، فإنه يظل خطرًا قائمًا. ذلك أنَّ ضم الخطأ التقني إلى عيوب أحكام البشر يضاعف خطر الحرب التي تقع بالخطأ من خطر متضائل الصغر، إلى احتمالية حقيقية للغاية.

ومع ذلك، فإنَّ وثائق هذه الأحداث التي رفعت عنها السرية لن تجعلك تنام ملء جفنيك ليلًا. من ذلك مثلا، أنَّ قيادة الدفاع الجوي الأمريكية الكندية المشتركة لأمريكا الشمالية قد أيقظت مستشار البيت الأبيض زبيجنيو بريزيزينسكي من نومه في إحدى ليالي عام 1979، وأخبرته أنَّ هجمة نووية سوفيتية هائلة قادمة. أو هكذا كانوا يظنون على كل حال، إذ كانوا يحذرونه في الوقت الذي كانوا يتحققون فيه من صحة الأمر. كان بريزيزنيسكي على بعد دقائق من إيقاظ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وتسليمه شفرات الجحيم، عندما اتصلت به القيادة مرة ثانية قائلة: «أوبس. كان هذا خطأ. لقد أخطأت الحواسيب. هذا خطؤنا. سوف نصلحه».

ومع ذلك، فالنقطة المحورية هاهنا، ليست التكنولوجيا، التي تجعل سيناريو الإطلاق الخاطئ في رواية Fail-Safe شبه محال (وإن لم يكن محالًا بالكلية). إنَّ الخطر هنا في يكمن في البشر، الذين من الممكن أن يصدروا أوامر بالقصاص، في لحظات الضغط، لا يمكن الرجوع عنها. ومع أنَّ هذا الخطر يتناقص مع تناقص التوتر، فإنه يظل خطرًا قائمًا. ذلك أنَّ ضم الخطأ التقني إلى عيوب أحكام البشر يضاعف خطر الحرب التي تقع بالخطأ من خطر متضائل الصغر، إلى احتمالية حقيقية للغاية.

اقرأ ايضًا: مترجم: خمسة خرافات عن القنبلة الذرية

3. استعراض القوة

إنَّ أسوأ خطأ يمكن ارتكابه فيما يتعلق بالأسلحة النووية هو الاعتقاد بأنها تشبه الأسلحة العادية، وأنها متاحة للاستخدام العسكري كأية أسلحة أخرى -وأحيانًا ما يسمى هذا الأمر بتطبيع الأسلحة النووية. أما ثاني أسوأ الأخطاء فهو الاعتقاد بأنَّ الأسلحة النووية سحرية، وأنَّ استخدامها من شأنه أن يحل مشكلات عصية على الحل سياسيًا واستراتيجيًا. هذا الخطأ الثاني هو ما يجعل الناس يفكرون في أشياء مثل «الطلقات الاستعراضية» أو استعراض القوة النووي، الذي ينفجر فيه سلاح نووي بالقرب من نزاع ما، لا في محله تمامًا.

ظاهريًا، سوف يؤدي مثل هذا الاستعراض الدراماتيكي إلى أن تتعقل كل الأطراف المتحاربة وتنهي كل هذا الصخب، أيًا كان ما تسبب فيه. هذه الفكرة جذابة وخطرة في آن: ذلك أنَّ منطقها مبني على أنَّ العدو لو رأى عزمنا، فسوف يوقف عدوانه.

من الممكن، طبعًا، أن يؤدي انفجار نووي إلى أن يركز انتباه القادة الروس والصينيين والأمريكيين، وأن يستدعي «لحظة إدراك»، يفكر فيها كل الناس في خطورة الموقف ومقدار استعدادهم للمخاطرة.

لكنَّ الاعتماد على ذلك الإدراك محض مقامرة ضخمة وقد تكون كارثية. ماذا لو أدى مثل هذا الاستعراض للعزم إلى استفزاز رد فعل مماثل من الجانب الآخر؟ إنَّ استعراض العضلات النووية – ربما في البحر، أو في الصحراء، بعيدًا عن المراكز السكانية – يؤدي إلى استعراض آخر.

لا أحد يتراجع، ومن ثم تكون الضربة القادمة أقرب من شيء مهم. أو مرة أخرى ربما يفسر إنسان ما، الحلقة الأضعف في السلسلة النووية ـ هذا «الاستعراض» على أنه تمهيد لهجوم شامل، ويقرر أنَّ الوقاية خير من العلاج. ذلك أنه حين يتعلق الأمر بالتبادل النووي الاستراتيجي، فليس ثمة جائزة لصاحب المركز الثاني. إنَّ إغراء الفعل، الذي نادرًا ما يكون مقيدًا خلال الأزمات، ربما يصبح حينها كاسحًا.

إنَّ المغالطة الكامنة في هذا المفهوم هي الخطأ الاستراتيجي الكلاسيكي الذي يفترض إمكانية التوقع والتحكم في الأحداث غير القابلة، لا للتوقع، ولا للتحكم ابتداءً. فاستعرض القوة النووي يعتمد بالكلية على أمل أنَّ قادة العدو سوف يرون هذه الضربة الاستعراضية على حقيقتها، ولن يبالغوا في رد الفعل، لكنَّ سوء التقدير جزء أساسي من العلاقات الدولية، ومن الحماقة المحضة أن نفترض أنَّ انفجارًا نوويًا سوف يكون له تأثير توضيحي على العدو، لا أنه سوف يؤدي إلى إصابته بالذعر.

4. أن ننجر إلى تلك الحرب بفعل طرف آخر

أحيانًا ما يكون أسوأ أعدائك هم أصدقاؤك.

كان لدى جنوب إفريقيا يومًا ما ترسانة نووية. تلك حقيقة ليست معروفة على نطاق واسع. وكانت لدى الولايات المتحدة شكوك حول هذا الأمر لسنوات، وحاولت عبر كل من الإدارات الديمقراطية والجمهورية أن تضع حدًا لهذا الأمر، لكن بلا جدوى.

وربما لا تكون تلك الحقيقة أمرًا يريد أي شخص أن يفكر فيه عن كثب اليوم، لا سيما بعد أن تخلت حكومة الفصل العنصري البيضاء عن هذه الترسانة قبل تسليمها السلطة للأغلبية السوداء بنهاية فترة الثمانينات. ولم يكن من الواضح ما الذي كانت الإدارة البيضاء لجنوب إفريقيا تظن بأنها فاعلة بهذه الترسانة، لكنَّ إحدى النظريات تفترض أنَّ الغرض منها كان أن تكون بوليصة تأمين ضد اجتياح تحالف مفترض من الأفارقة المسلحين سوفيتيًا في الدول القريبة.

ومع ذلك، فلم يكن الغرض قتل الجيوش الغازية، وإنما الكشف عن هذه الترسانة خلال الصراع، وربما حتى المشاركة في واحد من هذه «الطلقات الاستعراضية»، لتتسبب في أزمة بين القوى الكبرى من شأنها أن تجر الولايات المتحدة إلى هذه الفوضى، ومن ثم تؤدي إلى إنقاذ بريتوريا في اللحظة الأخيرة.

حتى لو لم يكن لدى الولايات المتحدة خطط للتورط في صراع نووي، فإنَّ حلفاءها، أو قوى أخرى، قد تكون لديهم خططهم المستقلة. فكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، قد طرحت فكرة، منذ عدة سنوات تقول بأنَّ الولايات المتحدة قد ترغب في التفكير في إعادة أسلحة نووية تكتيكية إلى شبه الجزيرة الكورية، وهي فكرة نأى الأمريكيون بأنفسهم بعيدًا عنها بسرعة – إذ أزالت الولايات المتحدة كل هذه الأسلحة من كوريا الجنوبية عام 1991، ولن تعود إلى هناك.

ولو حصلت إيران على قنبلة، فقد تتبع تركيا أو السعودية خطاها. في كل حالة من هذه الحالات قد يكون حضور سلاح نووي جزءًا من الدفاع القومي لدولة أصغر، لكن من المرجح أن يكون الأمر فخًا لتتدخل الولايات المتحدة قبل أن تصل الأمور إلى حد استخدام هذا السلاح النووي.

وقال نيكولاس: إنَّ من الخطوات التي قد تؤدي إلى هذه الحرب تدخل قوى أخرى مثل روسيا أو الصين. من ذلك مثلًا حين هدد الاتحاد السوفييتي عام 1973، بالتدخل عسكريًا في حرب يوم كيبور، وهي مقامرة استفزت الأمريكيين إلى الانتقال إلى حالة مرتفعة من الاستعداد النووي. ماذا سوف يحدث لو شاركت روسيا أو الصين في القتال في الشرق الأوسط أو آسيا، وماذا لو قررت الدول الأصغر أنَّ استراتيجية جنوب إفريقيا بجعل الصراع نوويًا هي الأمل الوحيد لجلب الأمريكيين إلى المعركة؟

ولا يتطلب الأمر من الدول الأصغر تطوير ترسانتها لكي تخرج الأمور عن السيطرة. فالطريق إلى الحرب النووية قد ينطوي دومًا على مشكلة التحالفات التقليدية، والخطر الدائم من تواجد قوتين نوويتين بالقرب من بعضهما البعض، واحتمالية أن يعتبر أحد الطرفين الأسلحة النووية الورقة الرابحة في الصراع.

اقرأ أيضًا: تجميع الكنوز في الجبال الجليدية.. هكذا يستعد العالم لحرب نووية قادمة!

5. سيناريو «انتقام الخاسر»

لو قررت الصين، مثلًا، أن تحاول بسط سيطرتها على الباسيفيكي، وأن تعجل بصراع مفتوح مع الولايات المتحدة في البحر، فسوف تخسر حتمًا.

وأخيرًا، فثمة مسارات للحرب النووية تعتمد على أكثر مصادر الحرب استدامة ألا وهي: الغباء البشري. فإذا لم تتورط القوى الكبرى في حرب نووية، أو تنجر إليها بفعل دول صديقة لها، فبإمكان هذه القوى دائمًا أن تشن هذه الحرب النووية بنفسها.

كانت استراتيجية حلف شمال الأطلسي (الناتو) أثناء فترة الحرب الباردة بسيطة: «لا نستطيع هزيمتكم، لذا، فلو اجتحتم أوروبا الغربية، فسوف تضعوننا في موقف لا يكون لنا فيه خيار، إلا ردعكم بالأسلحة النووية. وما إن تتعرضوا، أيها السوفييت، للهجوم النووي، فلن يكون لكم خيار إلا الاستجابة، وحينها سوف تحول أمريكا وبريطانيا (وربما فرنسا) الاتحاد السوفيتي إلى زجاج، حتى لو كنتم سوف تفعلون الشيء ذاته لنا. لذا، فدعونا لا نتخذ هذه الخطوة المشؤومة؛ لأنَّ أول بندقية تطلق النار على ورزبورج سوف تؤدي، لا محالة، إلى سقوط آخر صاروخ على فلاديفستوك».

إنَّ منطق سلسلة الردع هذا لم يعد ساريًا على النزاعات المحتملة مع روسيا أو الصين، جزئيًا، بسبب أنه لم تعد هناك ساحة معركة واسعة بين الولايات المتحدة وخصومها النوويين. فلو اندلعت الحرب بسبب بعض القضايا الأصغر، فلن يكون ثمة طريق للتراجع أو حتى الوصول إلى مرحلة تعادل عسكري، ومن المرجح للغاية أن ينتج عن هذه الحرب هزيمة عسكرية للصين أو روسيا أمام الولايات المتحدة التي تفوقهما عسكريًا بكثير.

فلو قررت الصين، مثلًا، أن تحاول بسط سيطرتها على الباسيفيكي، وأن تعجل بصراع مفتوح مع الولايات المتحدة في البحر، فسوف تخسر حتمًا. عند تلك النقطة، سوف تكون الصين أمام خيار من اثنين: إما تسليم محل النزاع أيًا كان، أو إزالة الأسطول الأمريكي من الصراع باستخدام القوة النووية. وبالمثل، لو تشاجرت روسيا والناتو في أوروبا، وهو السيناريو الذي كان يبدو سخيفًا في التسعينات، لكنه لم يعد كذلك الآن، فإنَّ روسيا سوف تخسر هي الأخرى، ومثلها مثل الصين، لن يكون أمامها عدد من الدول العازلة حولها لمنع القتال من الانتقال إلى الأراضي الروسية.

سبب تسمية هذا السيناريو بسيناريو «انتقام الخاسر» أنَّ استخدام الأسلحة النووية لن يؤدي إلا إلى جعل المنتصر يدفع ثمنًا مساويًا للثمن الذي يشعر الخاسر أنه قد عاناه بالفعل. نظريًا، قد يؤدي هجوم المنهزم على المنتصر إلى نوع من المساواة النووية، لكنَّ أكثر الاستراتيجيين الصينيين تفاؤلاً هو فقط من يستطيع أن يأمل أنَّ تصرفًا بضخامة تنفيذ هجوم نووي على ناقلة أمريكية قد ينتج عنه تعادل عسكري (بعبارة أخرى، ليس الأمر أمر استعراض للقوة لو كان ينطوي على الحرق الفوري لخمسة آلاف عسكري أمريكي.) سوف تُجبر الولايات المتحدة على الرد، وحينها يبدأ السباق.

وليس من الواضح ما إذا كان الصينيون يعتقدون أنَّ بإمكانهم الإفلات من أمر بهذا الحجم، لكنَّ الروس يعتقدون ذلك، أو على الأقل هذا ما تشي به كتاباتهم. في حقيقة الأمر، فمفهوم «انتقام الخاسر» مضمّن في عقيدة الجيش الروسي. إذ تدرك روسيا، تمام الإدراك، ضعفها التقليدي: حتى مع تعذيب الروس لأوكرانيا على مرأى ومسمع من الناتو، فالروس يعرفون أنه لا فرصة لديهم للانتصار على الناتو، دون الأسلحة النووية.

وكذا فإنَّ استراتيجية موسكو، بحسب ما أشار إليه المحلل نيكولاي سوكوف وآخرون، هي استخدام الأسلحة النووية باعتبارها وسيلة لتقليل التصعيد، بمعنى أنهم حين يكونون في طور خسارة الحرب، فسوف يقومون بهجوم نووي محدود لإجبار العدو على التراجع.

اقرأ أيضًا: عن إمبراطورية المفاعلات النووية الروسية العالمية التي لا نعرفها

والمؤسف أنَّ هذا المفهوم ليس وليد أمر غير مدروس بعناية من الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين. ففي عام 1999، عندما كان يلتسين لا يزال في منصب الحكم، وكان بوتين قد وصل لتوه للمشهد السياسي في موسكو، أقام الجيش الروسي تدريبًا عسكريًا ضخمًا سماه Zapad-99 (غرب 99). في هذا السيناريو، يستولي الناتو، دون أي سبب واضح، على مدينة كالينينجراد الروسية المطلة على ساحل بحر البلطيق. وهي فكرة مجنونة لا يمكن أن يكون ثمة مخطط روسي يؤمن بها حقًا، لكن عل كل حال تسقط المدينة في يد الناتو الأشرار، بالرغم من التدابير الروسية البطولية. وكذا يكون الفصل النهائي في التدريب تنفيذ أربع هجمات نووية على الناتو، اثنتين على أوروبا الغربية، واثنتين على أمريكا الشمالية. وينهي هذا الأمر الحرب ويجبر الناتو على تسليم المدينة الروسية.

ومن الصعب أن نتخيل وجود أي مخطط روسي محترم يعتقد حقًا أنَّ أكثر الرؤساء الأمريكيين عجزًا سوف يتراجع بعد أن تقتل هجمة نووية روسية وتجرح ملايين الناس في أوروبا وأمريكا، بل الأمر الأكثر رجحانًا، بحسب المعلقين الروس أنفسهم، أنَّ هذا الأمر قد يكون فرصة للاستهلاك السياسي الداخلي. طبعًا قد يكون كل هذا مما يسميه الخبراء النوويون «السياسية الإعلانية» أي الأشياء التي تقول القوى النووية إنهم سوف يفعلونها، على أمل ألا يضطروا أبدًا لفعلها، والتي قد لا تكون قريبة للغاية مما يتدربون عليه حقًا، ومما يعدون أنفسهم لفعله حال حدوث حرب نووية. لكنَّ zapad – 99 والتفكير الروسي اللاحق في الحرب النووية، أمر مزعج بكل المعايير.

وقال نيكولاس: إنَّ من المؤسف أنَّ الممارسات الأمريكية ليس أفضل كثيرًا. ففي عام 2006 مثلًا، أقامت الولايات المتحدة تدريبًا سمته «الدرع الواقي» كانت فيه في حالة حرب مع مجموعة متنوعة من الأشرار بشكل عام. وفي النهاية أسكتت الولايات المتحدة الجميع باستخدام عدد من الأسلحة النووية الاستراتيجية القليلة، وهو ما أدى إلى إنهاء هذه الفوضى برمتها. ذلك أنَّ ضربة نووية أو اثنتين، على ما يبدو، ليستا، بهذا القدر من التدميرية.

بل إنَّ تدريب «الدرع الواقي» تضمن هجومًا نوويًا افتراضيًا من العدو ضد البنتاجون، ولم يقتل إلا 6 آلاف إنسان. وقد حدا هذا الرقم الصغير للغاية بالصحافي والباحث في شؤون وزارة الدفاع ويليام أركين إلى القول بأنَّ اثنتين من الافتراضات الأساسية في التدريب أنَّ «الحرب النووية يمكن لها أن تندلع دون أي سبب واضح وفي أي وقت»، وأنَّ «الأسلحة النووية الصغيرة، مع أنها سيئة، فإنها في الحقيقة لا تقتل هذا العدد الكبير من الناس».

وقال نيكولاس: إنَّ من المفترض للمؤسسات العسكرية أن تمتلئ بمتشائمين يفترضون دومًا أسوأ الحالات الممكنة. ومع ذلك، فإنَّ أفكار الحرب النووية تعتمد، بشكل لا يصدق، على افتراضات متفائلة حول العقلانية العالمية، والمعلومات شبه الكاملة، والتلقي الدقيق لها، وغياب عامل الذعر، والقدرة على التحكم في التصعيد في وسط الفوضى.

واختتم البروفيسور نيكولاس مقاله مطمئنًا القراء إلى أنَّ خطر قيامهم بكتابة الرسائل حال القيادة أشد عليهم بكثير من خطر الحرب النووية. وأنَّ احتمالات قيام هذه الحرب ضئيلة، لكنها قائمة، وأننا لو قمنا بهذه المقامرة، فإن النتائج سوف تتجاوز خيالنا. ولا يعني هذا أنه لا ينبغي لنا التفكير في هذا الأمر، بل نفكر فيه كما نفكر في كيفية منع الأنواع الأخرى من الكوارث غير المحتملة، بما في ذلك كارثة الحرب التي يصنعها الإنسان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد