إن محاولة حكومة أجنبية خداع الديمقراطية الأمريكية في عام 2016 لا يعني أن كل تدخل أجنبي في السياسة الأمريكية أمر شائن.

رصد تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية ما أسماه 5 طرق للتدخل في الانتخابات الأمريكية دون مخالفة القانون، وقال التقرير: إن التدخل الروسي الواضح في الانتخابات الرئاسية الأمريكية هو قصة كبيرة، ولكنه جزء من قصة أكبر: السهولة التي يمكن بها للجهات الأجنبية أن تتدخل في العملية الديمقراطية في هذه الأيام، وصعوبة تحديد كيف يمكن تقليل ذلك التدخل.

وأشار التقرير إلى أن ثمة خلاف اندلع في الأسابيع الأخيرة بين قادة لجنة الانتخابات الفيدرالية الأمريكية. فبينما حثت المفوضة الديمقراطية إلين وينتراوب الوكالة التنظيمية على سد «الثغرات القانونية أو الإجرائية» التي مكنت روسيا من «تهديد أسس مجتمعنا السياسي الأمريكي بشكل غير مسبوق»، حسب قولها، قاوم زملاؤها الجمهوريون إصلاحاتها المقترحة.

وقال المفوض الجمهوري لي جودمان: «هناك العديد من الأمثلة التاريخية على رد الفعل المفرط على التهديدات الأجنبية في السياسة الأمريكية». إن محاولة حكومة أجنبية خداع الديمقراطية الأمريكية في عام 2016 لا يعني أن كل تدخل أجنبي في السياسة الأمريكية أمر شائن، وفق ما ذكر التقرير.

تابع التقرير بقوله إن التركيز المكثف على حملة الحكومة الروسية لإلحاق الضرر بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ومساعدة المرشح الجمهوري آنذاك دونالد ترامب، وما إذا كانت حملة ترامب قد تآمرت بشكل غير قانوني مع الكرملين، قد أوضحت الحدود الغامضة بين التفاعلات السليمة وغير السليمة بين الأجانب والناشطين السياسيين في الولايات المتحدة. ولكنها حجبت أيضًا مختلف الطرق القانونية والمثيرة للجدل التي يمكن للحكومات الأجنبية والرعايا الأجانب أن تستخدمها للتأثير على مسار السياسة الأمريكية.

وفيما يلي الطرق الخمسة التي يمكن من خلالها التأثير على الانتخابات الأمريكية دون مخالفة القانون وفق ما ذكر التقرير:

1. نشر المؤسسات الإخبارية التي ترعاها الدول

إن الناخب الأمريكي حقًا ليس لديه شعور جيد إزاء وسائل الإعلام التي يجري تمويلها من الخارج.

بحسب ما نقل التقرير عن بن فريمان، مؤلف كتاب عن كيف تحاول الحكومات الأجنبية تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، فإن ثمة عددًا من المنظمات الإخبارية المدعومة من قبل الحكومات، بما في ذلك قناة RT الروسية، وصحيفة الصين اليومية، وقناة الجزيرة القطرية، تعمل في الولايات المتحدة باعتبارها وسيلة للتأثير الخارجي.

تنتج هذه المنظمات -بحسب التقرير- بانتظام تغطيات صحفية معتادة، ولكن تغطيتها غالبًا ما تختلط بالأجندة السياسية لحكوماتها الراعية أيضًا. على سبيل المثال، يوضح تقرير منظمات الاستخبارات الأمريكية حول التدخل الروسي في الحملة الرئاسية لعام 2016 كيف أن «آلة الدعاية» المتعددة الوسائط في موسكو، وخاصة وكالات الأنباء الدولية RT وسبوتنيك، قد تناولت مرارًا وتكرارًا فضائل ترامب، ومساوئ كلينتون، وفساد الديمقراطية الأمريكية، ورسائل البريد الإلكتروني المخترقة للجنة الوطنية للحزب الديمقراطي.

ومع ذلك، فإن الغموض يكتنف قانون الولايات المتحدة بشأن ما إذا كانت هذه الوسيلة الإعلامية بحاجة إلى التسجيل باعتبارها «وكيلًا أجنبيًّا» مع وزارة العدل، وكذلك جماعات الضغط التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، والتي تمارس أنشطة سياسية نيابة عن حكومة أجنبية. (صحيفة الصين اليومية قامت بهذا الأمر، في حين صاغت قناة RT وضعها الهيكلي التجاري بطريقة تمكنها من تجاوز قانون تسجيل الوكلاء الأجانب).

نتيجة لذلك، ووفق ما نقل التقرير عن فريمان، فإن الناخب الأمريكي ليس لديه شعور جيد حقًا إزاء وسائل الإعلام التي يجري تمويلها من الخارج.

وقال فريمان: «إذا كنت تقوم بجولة بين قنوات التلفزيون الخاصة بك ومن بينها قناة RT (روسيا اليوم)، وترى عينة من الأخبار التي تفضل حملة ترامب أو تنتقد حملة كلينتون، قد تعتقد أنها مجرد مصدر أخبار موضوعي، بينما هي في الواقع منظمة ممولة من الكرملين».

أشار فريمان إلى أنه في حين أن التشريع الحزبي الذي أدخل مؤخرًا في مجلس الشيوخ لتصحيح هذه المشكلة لن يحجب المؤسسات الإعلامية -كما هو الحال مع القناة الروسية- من موجات الأثير الأمريكية أو وسائل الإعلام الاجتماعية، فإنه من شأنه الضغط على هذه المنافذ الإعلامية لإبلاغ السلطات الأمريكية عن مصادر تمويلها وأنشطتها السياسية، وربما تشمل إخلاء المسؤولية في برامجها عن انتمائها إلى حكومة أجنبية.

اقرأ أيضًا: بعد فوز ترامب الكثير خاسرون.. لكن من هم الرابحون؟

2. بث الإعلانات السياسية على الإنترنت

في التحقيق الذي أجري مؤخرًا حول «حرب الشبكات الاجتماعية الروسية ضد أمريكا»، ذكرت مجلة «تايم» أنه وفقًا لمسؤولين استخباراتيين مجهولين، فقد «اشترى عملاء موسكو إعلانات على موقع فيسبوك لاستهداف مجموعات محددة من السكان بالدعاية» خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

ويزعم موقع فيسبوك -بحسب التقرير- أنه لم يجد أي دليل على حدوث ذلك، على الرغم من أنه أقر بأن الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية تستخدم الآن أخبارًا مزيفة وحملات تضليلية وشبكات من الحسابات الزائفة على الشبكة الاجتماعية «لتشويه المشاعر السياسية المحلية أو الخارجية، ومعظمها في كثير من الأحيان لتحقيق نتيجة استراتيجية و / أو جيوسياسية».

اقرأ أيضًا: «الإندبندنت»: ما هي الوعود الانتخابية التي لم يفِ بها ترامب في 100 يوم؟

وبغض النظر عما إذا كانت الحكومة الروسية قد اشترت إعلانات سياسية على فيسبوك أم لا، فإن هذا الادعاء كشف بقعة ناعمة فى قانون تمويل الحملات الأمريكية، وفقًا لما ذكره التقرير نقلًا عن ريك هاسن، وهو باحث فى قانون الانتخابات بجامعة كاليفورنيا.

من غير القانوني بالنسبة للرعايا الأجانب والحكومات الأجنبية تقديم مساهمات في الحملات والأحزاب السياسية، أو إنفاق أموال بشكل مستقل على الإعلانات التي تدعو صراحة إلى انتخاب أو هزيمة مرشح معين. ولكن الأمور تزداد غرابة مع الاتصالات ذات الصلة بالانتخابات من قبل كيان أجنبي – وخاصة في الفضاء الأقل تنظيمًا على الإنترنت بدلًا من التلفزيون والإذاعة.

3. التقرب من جماعات الضغط

نادرًا ما تعاقب الحكومة الأمريكية على انتهاكات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، الذي يعتمد إلى حد كبير على الامتثال الطوعي للنظام الأساسي. وكما كتب فريمان، فإن نقاط الضعف في القانون تتجاوز التنفيذ الضعيف. وعلى سبيل المثال، فإن جماعات الضغط التي تمثل الشركات الأجنبية بدلًا من الحكومات الأجنبية تخضع بشكل عام لإجراءات أقل صرامة من تلك التي يفرضها قانون تسجيل الوكلاء الأجانب.

وعادة ما يكون ذلك معقولًا، حيث إن الشركات الخاصة لا تملك عادة الأجندة السياسية التي تملكها الحكومات. ولكن الأمر يثير إشكالية في حالة مستشار ترامب السابق للأمن القومي مايكل فلين الذي كتب مقالًا في يوم الانتخابات يؤيد فيه مطالبة الحكومة التركية بتسليم رجل الدين عبد الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، في الوقت الذي كان يمثل فيه فلين كلًا من حملة ترامب، وجماعة ضغط تعمل لصالح شركة هولندية يملكها رجل أعمال تركي له صلات بالحكومة التركية.

ومن بين الثغرات الأخرى التي أورها التقرير هي أن قانون تسجيل الوكلاء الأجانب لا ينطبق على الوكلاء الأجانب الذين يتخذون من الولايات المتحدة مقرًا لهم، والذين يلتقون مع الحكومة الأمريكية أو مسؤولي الحملة في الخارج.

4. ضخ الأموال من خلال منظمات غير ربحية

أشار التقرير إلى أنه ليس هناك الكثير من الأدلة القوية حتى الآن على أن قرار المحكمة العليا الأمريكية للمواطنين عام 2010، الذي رفض القيود المفروضة على فئات معينة للإنفاق على الحملات من قبل الشركات والنقابات، قد غمر الانتخابات الأمريكية بأموال أجنبية وتأثيرات سياسية أجنبية.

حذر باراك أوباما وغيره من معارضي الحكم من احتمال وجود مثل هذه الانتهاكات، إما من خلال الشركات الأمريكية التابعة للشركات الأجنبية أو الشركات الأمريكية التي لديها نسبة كبيرة من المساهمين الأجانب. (غير أن القرار أغرق الانتخابات الأمريكية بأموال محلية والتأثير على المصالح الخاصة).

ولكن الأموال الأجنبية يمكن أيضًا أن تجد طريقها بشكل غير مباشر في الحملات السياسية من خلال المنظمات غير الربحية المعروفة لدائرة الإيرادات الداخلية في الولايات المتحدة، والتي يكون هدفها الأساسي هو تعزيز «الرفاه الاجتماعي» بدلًا من المشاركة في السياسة.

ولكن يمكن لهذه الجماعات أن تشارك في الأنشطة السياسية مثل شراء الإعلانات السياسية، طالما أن هذه الأنشطة تشكل أقل من نصف إجمالي أنشطة المنظمة. وخلافًا لما يتم مع لجان العمل السياسي، لا يطلب من هذه المنظمات أن تكشف علنًا عن هوية المانحين الذين يمكن أن يشملهم الأجانب بشكل قانوني.

من الناحية النظرية، يجب على المنظمات غير الربحية ذات الصلة سياسيًا، وبعضها أنفق عشرات الملايين من الدولارات على انتخابات عام 2016، يجب عليها أن تنفق فقط الأموال من المانحين الأمريكيين في الانتخابات الأمريكية، وعدم الإنفاق السياسي من الأموال المقدمة من المانحين الأجانب، بحسب ما نقل التقرير عن موقع «ذا إنترسبت» الأمريكي. ولكن في الواقع، ليس لدى الجمهور أي فكرة عما إذا كانت هذه المنظمات تفعل ذلك أم لا، لأنهم غير مطالبين بالإفصاح عن مصادر التمويل.

اقرأ أيضًا: «انتخابات الرئاسة الأمريكية»: الإنفاق على حملات المرشحين يسجل أرقامًا قياسية

5. اتخذ إجراء أو امتنع عن ذلك

بطبيعة الحال، لا يوجد شيء يمنع المسؤولين الأجانب من كسر البروتوكول الدبلوماسي وممارسة نفوذهم في الانتخابات الأمريكية في أبسط الطرق: الإشارة إلى اختياراتهم المفضلة. هذا هو ما قام به البابا فرانسيس، الزعيم الروحي لحوالي 75 مليون كاثوليكي في الولايات المتحدة، خلال الحملة الرئاسية لعام 2016 عندما قال إن بناء الجدار الحدودي الذي كان ترامب قد دافع عنه، لا يتفق مع مبادئ المسيحية.

وفقًا للتقرير، يمكن أن يكون للمسؤولين الأجانب تأثير على الانتخابات ليس فقط من خلال الكلمات، ولكن من خلال اتخاذ أو عدم اتخاذ الإجراءات. هذا هو ما يثيره مؤيدو ترامب في الوقت الراهن: أن الحكومة الأوكرانية تدخلت في الانتخابات الأمريكية، ولكن لا أحد يتحدث عن ذلك لأن معارضي الرئيس يشغلهم فقط التدخل الروسي.

مؤيدو ترامب أشاروا إلى أن السلطات الأوكرانية أعلنت عن فتح تحقيق لمكافحة الفساد يشمل بول مانافورت، مدير حملة ترامب، والذي ساهم في استقالة مانافورت من هذا الدور قبل أشهر قليلة من يوم الانتخابات. ثم بدا أن المسؤولين الأوكرانيين قد تراجعوا عن التحقيق بعد الانتخابات الأمريكية، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة كانت تنوي تقويض ترامب وسياساته الموالية لروسيا.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: الصين تتمنى وصول ترامب إلى البيت الأبيض

ولا يزال من غير الواضح، كما أوضح التقرير، ما إذا كان التحقيق في عمل مانافورت باعتباره مستشارًا سياسيًّا في أوكرانيا، وقرار بعض المسؤولين الأوكرانيين بالإعلان عن ذلك في ذروة الحملة الأمريكية، كان غير سياسي أو يكتنفه دوافع سياسية. ولكن ما لا يمكن إنكاره هو أن القرار الأوكراني كان له بعض النتائج التي لا يمكن قياسها في نهاية المطاف بالنسبة للسباق الرئاسي، وكذلك قرار رئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروتشوف بعدم الإفراج عن الطيار الأمريكي الذي احتُجز على أمل تقويض ترشيح ريتشارد نيكسون في عام 1960، وعدد لا يحصى من الخيارات الأخرى من قبل القادة الأجانب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد