هل كانت العملية العسكرية الروسية في سوريا غاية في حد ذاتها؟ أم أنها خطوة على طريق استعادة الكرملين مكانته كقوة عظمى في العالم؟ وهل إعلانها الانسحاب المفاجئ الآن وسيلة للتملص من أي إخفاقات أو أخطاء ربما تكلفها الكثير لاحقًا؟ أم أن روسيا ببساطة أنجزت مهمتها؟

تكمن الإجابة على تلك التساؤلات في تفسير دوافع إعلان بوتين الانسحاب المفاجئ غير المحدد بفترة زمنية من سوريا.

نشرت «ناشيونال انتريست» تقريرًا تحاول فيه عرض الزوايا المختلفة لهذا الإعلان المفاجئ للعالم كله؛ حتى حكومة الأسد في سوريا بدت متفاجئة من الإعلان على الرغم من تصريح روسيا لاحقًا أنه جاء بعد التنسيق بين الكرملين ودمشق. إليكم خمس زوايا قد تكشف المزيد من دوافع روسيا.

1- نجحت المهمة

في سرده لأول زاوية للقرار الروسي يقول «نيكولاس جيفازديف» (الكاتب الأمريكي الروسي الأصل): «لعل التفسير المباشر الأكثر وضوحًا لإعلان انسحاب قوات التدخل الروسية التي بدأ نشرها في سبتمبر أَيْلُول الماضي في سوريا، هو أن العملية في سوريا كان مخطط لها أن تكون عملية قصيرة المدى من البداية». في ذلك الوقت لم يقطع الكرملين أي وعود كبيرة بشأن أهداف التدخل الروسي في الحرب الأهلية السورية، ولم يبد تفاخرًا باستهداف تدمير داعش أو يصرح باستهدافه السيطرة على الأراضي السورية وتسليمها لنظام الأسد.

فكما فعلت روسيا من قبل أثناء تدخلها في دونباس الأوكرانية، انتقل بوتين للعمل في سوريا بسرعة عقب تأكيد العديد من الخبراء الغربيين على أن الأسد على وشك السقوط، وأن المعارضة السورية صارت على أبواب دمشق. من البداية كان مخطط للقوات الروسية دعم بقاء نظام الأسد، ومساعدته في استعادة سيطرته على الأراضي السورية، وهو بالفعل ما حدث. في مارس (آذار) 2016، أي بعد ستة أشهر من بدء التدخل الروسي، لم يعد أحد يقترح حتى احتمالية سقوط نظام الأسد. فقد عادت الغلبة للقوات الحكومية السورية وحلفائها من المليشيات المتعددة في ساحة المعركة، وتمكنت من استعادة مناطق حيوية تقوي وتدعم قدرتها في السيطرة على أجزاء سوريا الأخرى التي تسيطر عليها بالفعل، كما تمكنها من تقويض قدرات المعارضة.

علاوة على ذلك، تغيرت بالفعل الدينامية السياسية. من قبل كانت المعارضة السورية والولايات المتحدة الأمريكية، وغالبية الدول الغربية، بالإضافة لحلفائهم من دول الخليج، كانوا يصرون جميعًا على أن رحيل الأسد شرط أساسي قبل الشروع في أي مفاوضات مع الحكومة بشأن انتقال السلطة. أما الآن، فعلى الرغم من محاولة استغلال خطاب حفظ ماء الوجه، صار أولئك الشركاء المتعددون – الذين تدخلوا في السياسية السورية بشكل أو بآخر – أكثر تقبلًا لفكرة حق الأسد ونظامه في البقاء في السلطة بدرجة ما. وبتحقيق مثل هذا التغير يرى «نيكولاس» أن بوتين يؤكد المرة تلو الأخرى أن الكرملين يظل دائمًا وفيًّا لحلفائه وشركائه، وأنه بالتأكيد لديه القدرة على تحقيق أهداف سياسية وعسكرية معًا في حملة محدودة ناجحة.

2- انسحب وأنت في أوج انتصارك

تتمثل الزاوية الثانية للقرار الروسي بالانسحاب حسب ما كتب «نيكولاس» في تقريره أن الكرملين قرر الانسحاب مرفوع الرأس وهو في أوج انتصاره. فالتدخل الروسي في سوريا غير صورة الكرملين، ليس فقط في المنطقة بل في العالم كله. وبنجاحها أثبتت روسيا أن الإصلاحات العسكرية والإنفاقات المتزايدة خلال الأعوام القليلة الماضية بالفعل آتت ثمارها. إضافة إلى إظهار الكرملين قدرته على تحقيق تدخلٍ شاملٍ خارج أراضي الاتحاد السوفيتي سابقًا، وأن بإمكان موسكو تغيير الحقائق على الأرض بغض النظر عما قد تقوله واشنطن أو بروكسيل أو الرياض أو أنقرة. بتدخلها السريع، نبهت روسيا العالم إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست القوة الوحيدة التي بإمكانها فرض سيطرة على مناطق أخرى في العالم.

ويضيف «نيكولاس» أنه على الرغم من إرسال روسيا تلك الرسالة واضحة للعالم كله، لن تُحَصِّل روسيا أي فائدة حقيقية من استمرار تدخلها، وبالطبع مع مرور الوقت ستبرز نقاط الضعف في المؤسسة العسكرية الروسية أكثر. على سبيل المثال، مؤخرًا أثير قلق شديد جراء إطلاق البحرية الروسية صواريخ كروز من أسطولها ببحر قزوين موجهة نحو أهداف في سوريا، لكن حدوث عطل فني أفسد صدمة إطلاقه. وبتدخل روسيا عسكريًّا في سوريا، أتيحت لها الفرصة بأن تجني ثمار تدخلها من وقف تقدم المعارضة مقابل تكلفة زهيدة نسبيًّا وبدون تكبد خسائر فادحة. وإذا كانت روسيا تنتوي الاستمرار في المرحلة المقبلة، وهي البدء في استعادة السيطرة على المناطق والمدن الكبيرة التي سيطرت عليها كل من المعارضة السورية وتنظيم داعش طوال سنوات، عليها إدراك أن الوضع لن يكون بنفس درجة سهولة التدخل من قبل.

ومع بدء مباحثات السلام، ربما أتيحت الفرصة أمام روسيا لإنهاء عملياتها بنجاح وتنفيذ «انسحاب المشرف» من سوريا، ويبدو أن الكرملين سيستغل الفرصة بحكمة، ويوقف عملياته في أوج انتصاره عوضًا عن المخاطرة بالاستمرار وإذلال نفسه بالإخفاقات المتوقعة مستقبلًا. بالطبع يساعد ذلك في توفير التكلفة المادية، إذ إن استمرار العملية العسكرية في سوريا، يعني بالضرورة استمرار استنزاف الخزينة الروسية.

Mortar attack on Shigal Tarna garrison, Kunar Province, 87.jpg

3- تجنب الفخ الأفغاني

يعتقد الكاتب أن الزاوية الثالثة لقراءة الانسحاب الروسي المفاجئ ربما تكمن في أن الكرملين قد وعى الدرس التاريخي من التجربة مع الأفغان.

عندما بدأ الانتشار الروسي في سوريا بشكل جدي الخريف الماضي، كان رد فعل المعارضة السورية المدعومة هي الأخرى أنهم سيجعلون من سوريا أفغانستان ثانية للقوات الروسية، وذلك عن طريق زيادة قدرات المعارضة السورية لتصبح قادرة على استهداف الطيران الروسي، فتنجر روسيا إلى اشتباكات على الأرض، وبالتالي تتمكن من إلحاق أكبر قدر من الخسائر بروسيا.

يرى «نيكولاس» أن بوتين ليس بغافل عن عواقب التورط في عملية مطولة داخل سوريا، حيث من المتوقع أن تتسبب في ضعف القدرات العسكرية الروسية، وتؤدي في النهاية إلى سخط شعبي. كان بوسع بوتين مراقبة سريان الأمور عن كثب، وكيف انعكست العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان على الولايات المتحدة الأمريكية، فعلى سبيل المثال، انتقلت أمريكا من العمليات العسكرية لإسقاط طالبان في أفغانستان إلى التدخل في العراق لتضمن عدم امتلاكها أسلحة دمار شامل، ثم انتقالها لما هو أوسع من ذلك من جهودٍ لا نهائية في تحويل المجتمعات، كل ذلك لم يسهم فقط في استفزازٍ أشد لمعارضتها، بل أيضًا في استنزاف قوة الولايات المتحدة الأمريكية.

إذا تمكن النظام في سوريا بالفعل من استعادة الاستقرار واستعادة التجهيزات العسكرية اللازمة، وخاصة بعد أن صار بإمكانه الاستمرار في القتال بالتعاون مع القوة البشرية المقاتلة للحرس الثوري الإيراني، لن تكون هناك حاجة للاستمرار الروسي في سوريا. وبالطبع فإن إعلان روسيا الانسحاب قد يكون خطوة بوتين في اتباع الدرس الذي تعلمته روسيا بعد قتال الاتحاد السوفييتي من قبل في أفغانستان، والذي أدى بها في النهاية للانسحاب خالية الوفاض. فروسيا تتبع الآن طريقة مختلفة تتمثل في تقوية وكلاء محليين يضمنون لها آليات التواجد داخل سوريا. فقد مكنت الأسد من استعادة السيطرة على أراضيه في سوريا، وتأكدت من عدم الإطاحة به.

4- تمهيد للمملكة العربية السعودية

يقول «نيكولاس» في الزاوية الرابعة للقرار الروسي أن بوتين ربما يلوح بالانسحاب غير المحدد بإطار كمبادرة للوصول إلى اتفاق مع المملكة العربية السعودية بشأن إنتاج البترول وأسعاره.

بالتأكيد لا ترحب روسيا باحتمال نشوب اشتباكات مع السعوديين بشأن سوريا. بل الحقيقة أنها تود التوصل لاتفاق مع الرياض يحقق مزيدًا من الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، بحيث يتسنى للخزانة الروسية التعافي. وربما يكون الانسحاب الروسي من سوريا هو إشارة للمملكة العربية السعودية باستعدادها لذلك. يضيف «نيكولاس» أنه بعد أن تمكنت روسيا من الإبقاء على حليفها في سوريا في السطلة، صارت الآن مفتوحة لتفاوضات التسوية على أساس اللامركزية وتوزيع السلطات بدرجة ما بين جميع الأطراف في سوريا وتشكيل حكومة موحدة. بإبدائها الاستعداد للتفاوض، فإنها تلوح للسعودية مخاطبةً المخاوف والمصالح السعودية على السواء. يرى «نيكولاس» أن عدم استمرار روسيا في القتال مع صفوف الأسد حتى النهاية، لكن في نفس الوقت انسحابها بعد ضمانها بقاءه في السلطة، يخلق حالة من التفاوض للوصول للتسوية. وبالنظر للاجتماع المقرر انعقاده في أبريل (نيسان) بين وزراء البترول لبحث إمكانية التوصل لاتفاق فعال بشأن تجميد إنتاج البترول، ربما نشهد تعافيًا في أسعار البترول العالمية.

5- على الأسد ألا يغتر بالدعم

أخيرًا، يصل «نيكولاس» للزاوية الخامسة للقرار الروسي، ويمكن تلخيصها في أن روسيا توضح للأسد ألا يغتر بالمساعدة الروسية له وأنها بلا تكلفة.

إعلان موسكو المفاجئ عن انسحابها من سوريا أخذ الحكومة السورية على حين غرة، وذلك على الرغم من تصريح لاحق بأن كل شيء تم بالتنسيق والاتفاق بين الكرملين ودمشق. ربما بانسحابه يوجه بوتن رسالة للأسد وغيره من الأطراف التي تعول على تواجدها عسكريًّا في سوريا أن بحر المساعدات الروسية له حدود.

يبدو أن استعداد الأسد للتفاوض للوصول لتسوية في طريقه للزوال، بعد أن غيرت روسيا من مسار الأحداث في ساحة المعركة بإعلان انسحابها. وربما يريد الكرملين تذكير الأسد أن روسيا لم توقع له «شيكًا على بياض»، بل هناك تكلفة وحدود للمساعدة. يبدو مجددًا أن روسيا تستفيد من مقارنتها الوضع في سوريا بالتجارب الأخيرة لإدارتي بوش وأوباما مع القادة العراقيين والأفغان، الذين لطالما أرادوا الاعتماد على الدعم الأمريكي، حتى في الأوقات التي لم يرغبوا الإذعان لإملاءات الإدراة الأمريكية أو حتى رفضوا اتباع الخطوات التي رأت واشنطن وجوبها. فرسالة روسيا للأسد تتمثل بالأساس أنها على الرغم من تدخلها عسكريًّا حتى ضمان بقائه في السلطة، لن تبقى في سوريا إلى الأبد وبالتالي يتحمل الأسد عاقبة فشله وليست روسيا.

يختتم «نيكولاس» مقاله بأن الأيام والأسابيع المقبلة وحدها ستظهر إلى أي مدى انسحبت روسيا بالفعل من سوريا. مع التأكيد على أن روسيا ربما ستُبقي على وجودها في سوريا بدرجة ما تسمح للكرملين بالتدخل السريع مرة أخرى إذا ما تغيرت سياستها ومصالحها. فروسيا لن تهدم جسورًا بنتها بل ستبقي عليها ولسان حالها وإن عدتم عدنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد