في الوقت الذي تستعد فيه بعض القنوات التلفزيونية لعرض مسلسل «ممالك النار»، الذي يعالج سقوط دولة المماليك في مصر على يد العثمانيين، والذي وصف بأنه أضخم إنتاج منذ بدء البث التلفزيوني، يكتب «أخيليش بيلالاماري»، وهو محلل في العلاقات الدولية، مقالًا في مجلة «ذا ناشيونال إنترست» عن تأثير تلك المعركة التي رسمت مصير المنطقة، وشكلت أوضاعها منذ خمسة قرون، والتي ما زلنا نعيش آثارها حتى يومنا هذا.

مر 500 عام على معركة «مرج دابق»، في أغسطس الماضي، وهي المعركة التي كانت بداية الهيمنة العثمانية على المنطقة العربية، والتي استمرت نحو أربعة قرون. 

منذ خمسة قرون تشكلت ملامح الشرق الأوسط الحديث من خلال سلسلة من المعارك العثمانية. كانت نتائج هذه المعارك – التي شكلت السياسة والديموجرافيا والحركات الدينية في المنطقة – أكثر أهمية على المدى الطويل من الظواهر الحديثة مثل اتفاقية «سايكس-بيكو». يوافق هذا الشهر الذكرى الخمسمائة لإحدى أهم هذه المعارك، معركة «مرج دابق»، بين الإمبراطورية العثمانية وسلطنة المماليك في مصر والشام والحجاز.

يقول الكاتب: إن وقائع معركة مرج دابق جرت بجوار تلك البلدة التي تحمل اسمها في شمال سوريا، والتي اعتقد مؤخرًا «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» أن هرمجدون، أو معركة حاسمة، سوف تقع فيها، على أساس حديث للنبي محمد. «وشمال غرب سوريا مليء بمواقع العديد من المعارك، قديمة وحديثة؛ لأنه يقع على الطريق البري الأكثر عبورًا بين تركيا وأوروبا من ناحية، وبلاد الشام، ومصر، وبلاد الرافدين من ناحية أخرى».

بدء اهتمام العثمانيين بالشرق الأوسط

ويضيف الكاتب أنه في أوائل القرن السادس عشر، وبعد أن غزت بالفعل معظم منطقة البلقان، حولت الإمبراطورية العثمانية اهتمامها إلى الشرق الأوسط. كان الدافع الأولي لهذا هو تأثير الإمبراطورية الصفوية الفارسية التي كانت تتوسع بسرعة. نشأت الإمبراطورية الصفوية في عام 1501 فيما يعرف اليوم بإقليم أذربيجان الشرقية في شمال إيران، وسرعان ما توسعت لتشمل الكثير من بلاد فارس، وأفغانستان، والعراق. وكان لها نفوذ هائل على العديد من القبائل التركية والكردية في شرق تركيا، والتي تأثر الكثير منها بالدعاية الشيعية للصفويين. 

ويتابع الكاتب أنه من أجل مواجهة هذا التأثير الهائل المزعزع للاستقرار على الجانب الشرقي لهم، تحرك العثمانيون لمواجهة الصفويين مباشرة. أدى ذلك إلى معركة جالديران المحورية في 23 أغسطس (آب) 1514، والتي أسفرت عن الانتصار العثماني، بمساعدة مدفعيتها المتفوقة.

رسخت معركة جالديران الحكم العثماني على شرق تركيا وبلاد ما بين النهرين وقصرت التوسع الصفوي في معظمه على بلاد فارس. لقد حد هذا في النهاية من توسع الإسلام الشيعي وعزز العلاقة بين الهوية الوطنية الإيرانية والإسلام الشيعي. أصبح الإسلام السني، الذي تبناه العثمانيون، مهيمنًا بشكل دائم في معظم أنحاء المنطقة.

دولة المماليك في مصر

سرعان ما أدت معركة جالديران إلى معركة محورية أخرى في المنطقة، بعد أن أمّن السلطان العثماني سليم الأول إمبراطوريته من الجانب الشرقي، كان بوسعه تحويل انتباهه إلى الجنوب الغربي، حيث كانت سلطنة المماليك هي المهيمنة. كانت سلطنة المماليك هي القوة المهيمنة على العالم الإسلامي لثلاثة قرون، حيث حكمت قلبًا مستقرًا في مصر، وكذلك المدن المقدسة في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس، في حين كان جزء كبير من بقية العالم الإسلامي مفتتًا وفي حالة فوضوية من الحرب بعد الغزو المغولي.

ويشير المقال إلى أن «سلطنة المماليك تأسست في مصر في عام 1250 على يد طائفة من حكام الأقلية من الجنود العبيد الأتراك والشركس، الذين كانوا يعرفون باسم المماليك، والذين استولوا على السلطة من العائلة الأيوبية التي ينسب إليها صلاح الدين الأيوبي. وبزغ نجم المماليك بعد نجاحهم في وقف تقدم المغول في عين جالوت عام 1260.

علاوة على ذلك فبعد تدمير المغول للخلافة العباسية في بغداد عام 1258، هرب أحد أفراد العائلة الباقين على قيد الحياة إلى القاهرة، حيث أقام هو وأبناؤه «خلافة صورية» تحت سيطرة المماليك. غير أنه بحلول أوائل القرن السادس عشر بدأت قوة المماليك في الاضمحلال ببطء».

ويتابع الكاتب: «خشي العثمانيون إلى حد كبير من إمكانية وجود تحالف بين المماليك والصفويين. فبعد معركة جالديران أبرم الصفويون والمماليك ما يرقى إلى أن يكون اتفاقًا دفاعيًا، بحيث إذا غزا العثمانيون بلاد فارس مرة أخرى ينتقل المماليك شمالًا إلى تركيا من سوريا. وأدى ذلك إلى الغزو العثماني لسلطنة المماليك في عام 1516».

الضعف يدب في دولة المماليك

وأردف الكاتب مع بدء الغزو العثماني لسوريا في عهد سليم الأول، وجدت سلطنة المماليك نفسها غير مستعدة للحرب. كان السلطان المملوكي قنصوة الغوري قد انخرط سابقًا في دبلوماسية غير كفؤة ومربكة، حيث حاول دعم كل من العثمانيين والصفويين، والجيش الذي أرسله شمالًا إلى سوريا خرب مدينة حلب بدلًا عن حمايتها، ليخسر دعم السكان المحليين، على الرغم من أن هذا قد حدث قبل وصول السلطان نفسه. وخلال المعركة اللاحقة في مرج دابق خان حاكم حلب خاير بك سيده بالدعوة إلى التراجع عن الجناح الأيسر، وبنشر شائعات بأن قنصوة قد قتل (تم مكافأته بمنصب حاكم ولاية مصر العثمانية من 1517 إلى 1522).

ويشير الكاتب إلى أن «العامل الرئيس في الانتصار العثماني كان هو التمكن من استخدام التكنولوجيا والتكتيكات العسكرية الجديدة. نشر كل من المماليك والعثمانيين حوالي 65 ألف جندي، لكن قوات المماليك كانت تعتمد بشكل مفرط على سلاح الفرسان، وحاولت الفوز في المعركة بالاستعانة بهجمات سلاح الفرسان. من ناحية أخرى نشرت القوات العثمانية المدفعية بمهارة على الأجنحة، وحملة البنادق في الوسط. وسحقت قوة النيران المتفوقة بصورة كاسحة المماليك، الذين فروا بعد مقتل 7 آلاف شخص، بمن فيهم السلطان الغوري».

العثمانيون يرثون مصر والشام والحجاز إضافة إلى الخلافة

ويتابع الكاتب: انهارت السلطنة المملوكية بعد فترة وجيزة بعد ذلك. مع متابعة الانتصار العثماني بالقرب من القاهرة في معركة الريدانية في 22 يناير (كانون الثاني) 1517 أصبحت مصر إقليمًا عثمانيًا. بالإضافة إلى ذلك انتقلت السيطرة على الحجاز إلى العثمانيين، حيث نقل شريف مكة ولاءه من المماليك إلى السلاطين العثمانيين.

والأهم من ذلك أن العثمانيين سيطروا على «الخليفة الصوري»، الذي تم نقله إلى إسطنبول ونقل الخلافة إلى السلطان العثماني (على الرغم من أن هذا الادعاء لم يكن مسلمًا به، فقد ادعى العديد من حكام المغول، وكذلك خلافة صُكُتُو (دولة إسلامية تأسست في شمال نيجيريا في عام 1809). غير أن معظم العالم السني قبل بادعاء العثمانية للخلافة. وهكذا كانت معركة مرج دابق بداية أربعة قرون من الهيمنة الدينية العثمانية على العالم الإسلامي والهيمنة السياسية على جزء كبير من العالم العربي.

الأشرف قنصوة

الأشرف قنصوة

 

الآثار والتداعيات

ويذكر الكاتب أنه بخلاف نتائجها السياسية والعسكرية المباشرة، كان لمعركة مرج دابق آثار دينية وسياسية طويلة المدى على الشرق الأوسط. فقد أصبحت الإمبراطورية العثمانية أكثر إصرارًا في تبنيها للمذهب السني نتيجة للسيطرة على الخلافة والملايين من الرعايا العرب السنة الجدد.

وفي حين أن الإمبراطورية العثمانية كانت دائمًا سنية، إلا أن هذا النوع من الإسلام السني الشعبي كان مقترنًا بعناصر صوفية قوية. ومع نمو الإمبراطورية ازدادت الحاجة إلى فقهاء متمرسين ومدربين، ويمكنهم تفسير علوم الشريعة. في المسائل الدينية لن تبتكر الإمبراطورية شيئًا جديدًا، وكانت بشكل عام غير متعاطفة تجاه الشيعة. 

في الواقع أصبحت الخلافة مؤسسة أكثر أهمية، كنقطة تجمع للمسلمين أثناء انتشار الاستعمار الأوروبي. وهكذا فإن النزعة المحافظة في معظم أنحاء المنطقة، واستخدام الإسلام كمعيار مناهض للإمبريالية، يرجع إلى العصر العثماني. من ناحية أخرى أدى اقتران القوة الإمبريالية العثمانية والثروة بالوظائف الدينية إلى نفور العديد من العرب من الخلافة. وبلغت ردود الفعل المتزمتة ذروتها في صعود الحركة الوهابية وسط الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر.

تقدم تركي وتراجع عربي

ويقول الكاتب: إنه «بينما كان الحكم العثماني مفيدًا لتركيا، وأجزاء من بلاد الشام، فشلت المؤسسات القوية في ترسيخ جذورها بمعظم أنحاء العالم العربي، والتي حكمها العثمانيون من خلال الحكام، والوسطاء، والقبائل، أو – في كثير من الأحيان – من خلال المماليك. لم يستمر الاستقلال السياسي إلا على هامش العالم العربي في المغرب والسودان، وفي أجزاء من وسط وجنوب شبه الجزيرة العربية.

نتيجة لذلك لم تتطور ثقافات سياسية متقدمة في معظم أنحاء المنطقة حتى القرن التاسع عشر. في نهاية المطاف استعادت مصر المثقفة – التي كانت بارزة في المنطقة – مكانتها السابقة جزئيًا باعتبارها اللاعب الرئيس في الشرق الأوسط بالعصر الحديث؛ حيث تقاسمت النفوذ الثقافي والسياسي مع تركيا، والسعودية، وإيران».

ضياع حواضر وبروز أخرى

ويتابع الكاتب أنه «نتيجة للسيطرة العثمانية، كان جزء كبير من التجارة بين أوروبا والشرق الأوسط يمر عبر إسطنبول أو حلب؛ مما قلل من أهمية مصر والعراق وشبه الجزيرة العربية. أصبحت المدن التي كانت لها أهمية كبيرة في السابق مثل بغداد، والإسكندرية، بلدات إقليمية متربة.

كذلك أصاب الركود الثقافة العربية أيضًا تحت الحكم التركي. وبخلاف العمل الديني، لم يكن هناك سوى القليل من الأعمال الأدبية والعلمية التي تنجز باللغة العربية، وفي معظم أنحاء العالم الإسلامي كان الشعر والأدب يكتب في الغالب باللغتين التركية والفارسية، وكذلك لغة جغتاي (وهي لغة تركية قديمة كانت سائدة في وسط آسيا باعتبارها لغة الأدب حتى أوائل القرن العشرين) والأردية».

وهكذا، كانت معركة مرج دابق لها عواقب هائلة على الوقت الحاضر. ساهمت المعركة في الثقافة السياسية، والدينية الحديثة في الشرق الأوسط، وأدت إلى كسوف قوة المؤسسات العربية، حتى بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية يواصل الكثير من إرثها تشكيل العالم العربي، الذي ما كان ليقع تحت سيطرتها لو لم يهزم العثمانيون المماليك.

مساجد القاهرة «الحرام».. قصصٌ من عصر المماليك الغائب الحاضر

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد