في أمريكا اللاتينية، حيث الأزمة الاقتصادية والفساد، ومؤخرًا الاضطرابات السياسية يبدو أن المغامرة السياسية الخارجية لكل من البرازيل وفنزويلا قد وصلت إلى حد النهاية. على الرغم من مؤشرات سابقة بتطور كبير للدولتين، إلا أن اقتصاد كلا البلدين يعاني حالة من الفوضى حاليًا. يواجه الرئيس البرازيلي ديلما روسيف اتهامات بشأن الرقابة على ميزانية الدولة. أما في فنزويلا، فقد هزم الحزب الحاكم هزيمة ساحقة (حزب الرئيس الحالي نيكولاس ماندورو) في الانتخابات التشريعية التي أجريت في السادس من ديسمبر الحالي. تبدو طموحات كلا  الدولتين حاليًا أشبه بالأوهام بعد أن كانت مصدر فخر لهما طيلة الأعوام الماضية.

في مطلع القرن الحالي، كانت البرازيل وفنزويلا مرشحتين لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية بعد عقود طويلة من سيطرتها على مجريات الأمور في العالم، الرئيس الفينزويلي هوجو تشافيز ونظيره البرازيلي لولا دا سيلفا كانا في طليعة جيل جديد من الرؤساء في أمريكا الجنوبية، امتاز هذا الجيل الجديد بصغر السن مقارنة بالأنظمة السابقة، كما بدت علاقاتهما مع الولايات المتحدة بمثابة نقلة جديدة في العلاقات بين أمريكا الجنوبية، وواشنطن بشكل عام.

في فنزويلا، حرص تشافيز الذي تبنى مبادئ سيمون بوليفار من خلال اكتساب حلفاء دوليين جدد على مدار سنوات حكمه من خلال هدايا النفط للكثير من الدول أو التقرب من الدول المتمردة كإيران أحمدي نجاد. على النقيض تمامًا، سعت السياسية الخارجية البرازيلية إلى محاولة إصلاح النظام العالمي القائم، والتواجد الدائم على خريطة النظام العالمي من خلال المنظمات الدولية كالأمم المتحدد وصندوق النقد الدولي. التحديات الاقتصادية التي واجهتها الدولتان كانت صعبة للغاية، فلم يستطع الاقتصاد البرازيلي الصمود بعد انخفاض صادراته إلى الصين من الحديد الخام والمواد الزراعية، في حين كان انخفاض أسعار النفط ضربة قوية للاقتصاد الفينزويلي. على الرغم من تبني كلا الدولتين نموذجين مختلفين سياسيًّا واقتصاديًّا، إلا أن أحلامهما الدولية تبدو الآن في مهب الريح.

* * *

حاول تشافيز منذ البداية تنفيذ رؤية بوليفار في عقد تحالفات مع دول الأنديز لتشكيل ما يسمى بـ”كولومبيا الكبرى” والتي تضم فنزويلا وكولومبيا وعدة دول أخرى في المنطقة. كما تعهد بتنفيذ الحلم البوليفاري بتوحيد شعوب أمريكا الجنوبية، وإنشاء عملة موحدة، وتنسيق عسكري مشترك، وقام بإنشاء بنك إقليمي جديد أسماه “بانكو ديل سور” للمساعدة في إنشاء صندوق نقد جديد ولكن بدون قيود صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

مع أسعار النفط المرتفعة نسبيًّا في هذه الفترة –بلغت 100 دولار للبرميل- أصبح تشافيز البطل الحقيقي في مواجهة النظام العالمي ونال الكثير من الكره والانتقاد في واشنطن، دعم نظام تشافيز الكثير من الخبراء الاقتصاديين كمارك ويسبورت والكثير من نجوم هوليوود مثل أوليفر ستون ومايكل مور ما شجع الحكومة على مزيد من سياسات الاقتصادية والسياسية التي بدت منافسة للنظام الأمريكي.

كان احتضان اليسار لتشافيز بمثابة انعكاس للتجاهل المتبادل بين إدارة جورج بوش وتشافيز، كما كان بمثابة إيمان مشترك وحقيقي بمبادئ الثورة البوليفارية، جعل هذا الإيمان المشترك من الغالبية تصمت أمام تجاهل تتشافيز لبعض القضايا التقدمية كقضية البيئة وحقوق المثليين، بل وأخرى اقتصادية كالضرر الذي لحق بالبلاد نتيجة لاعتمادها الكامل على تصدير النفط، ومشكلة تضخم العملة وتسييس الجيش وتحزب الكثير من  القضاة.

أغضبت طموحات تشافيز الولايات المتحدة، حيث كانت تتم رؤيته كزعيم في مواجهة النظام العالمي الجديد في حين تم تشبيه جورج بوش بالشيطان، لذا سعت إدارة بوش إلى إفشال الدول المناهضة لها في النصف الغربي من الكرة الأرضية بالإضافة إلى كوبا، وأبدوا تخوفًا واضحًا من الأيديولوجية العسكرية والاقتصادية لهذه الدول، والتي لم تخل من اليسارية المتحمسة التي انتشرت في كل من بوليفيا والإكوادور ونيكاراجوا وكوبا والسلفادور والهندوراس.

بالحديث عن الحالة الاقتصادية، أسهمت سياسات تشافيز إلى حد ما في تنمية بلاده اقتصاديًّا إضافة إلى البلدان المتحالفة معه، حيث حصلت هذه الدول على النفط الفينزويلي بأسعار مخفضة مع خيارات سداد مريحة، كما سعت هذه الدول إلى تأمين مصادر دخل أكثر استقرارًا بعد حصولها على النفط. في فنزويلا، أدى الاعتماد الكلي على النفط على إعاقة القطاعات الأخرى، حيث تمثل عائدات النفط 95% من قيمة الصادرات، كما أهملت الدولة الاستثمار في تكنولوجيا إنتاج حقول البترول الجديد لينكمش إنتاج فنزويلا من 3 ملايين برميل في اليوم عام 1998 إلى ما أقصاه 2.5 مليون برميل هذه الأيام.

التدمير الذي حققه نظام تشافيز للاقتصاد الفينزويلي واضح للجميع، فقد شمل تجربته أيضًا الكثير من احتكار الأسواق، والفساد السياسي وانتشار الجريمة. يعني الاقتصاد الفينزويلي اليوم من كونه الأسوء أداءً عالميًّا كما يتوقع أن ينخفض الدخل القومي بنسبة 10%. يعاني السكان المحليون حاليًا من نقص في المنتجات والبضائع الأساسية كدقيق الذرة والورق، ومن المتوقع أن تصل معدلات التضخم إلى 200% مع كون فنزويلا البلد الثاني في معدلات الجريمة على مستوى العالم.

مع الظروف الاقتصادية الحالية، تخلى أصدقاء فنزويلا الإقليميون عنها بحثًا عن مصادر أكثر تنوعًا واستقرارًا للطاقة من النفط الفينزويلي، حتى كوبا التي تحصل يوميًّا على 100000 ألف برميل من النفط الفينزويلي، قد بدأت بالفعل حملة البحث عن شراكات جديدة لتنويع مصادرها من النفط ومصادر الطاقة بشكل عام، ما يقود فنزويلا الآن إلى أن التقارب مع العدو القديم –الولايات المتحدة- أصبح حتميًّا.

أداء البرازيل خلال السنوات الماضية اختلف تمامًا عن نظيره الفينزويلي، فقد حرصت البرازيل على التواجد النشط على الساحة السياسية العالمية مع واقعية ووسطية أكثر حرصًا منها على نيل مكانة معتبرة بين دول العالم، وأن تكون من بين قوى العالم الجديدة. فمع فوز حزب لولا دا سيلفا بالانتخابات البرازيلية في 2002، سعى إلى طرح رؤية أكثر اعتدالًا من نظيره تشافيز، على الرغم من كونه يساريًّا بالأساس، حيث اعتمدت سياسته الخارجية على أن تنصب من نفسها كواجهة للطموح الأمريكي الجنوبي السياسي والاقتصادي المعتدل الذي لا يغفل كون أمريكا اللاعب الرئيسي في هذا العالم.

في 2010، حاولت كل من البرازيل وتركيا منع توقيع عقوبات من الأمم المتحدة على إيران بسبب برنامجها النووي من خلال المفاوضات مع طهران حتى اللحظات الأخيرة، ولكن المسؤولين البرازيليين فشلوا في إقناع أعضاء مجلس الأمن في دخول المفاوضات. كما رفضت البرازيل كذلك التصويت بشأن كل من سوريا وليبيا، وقد كان تصويتًا حاسمًا ما جعل بعض الدبلوماسيين يصفونها بالدولة المتميعة، وأن الدولة الكبرى دائمًا ما يكون لديها قرار واضح، لذا يبدو أن محاولات البرازيل لكسب كل الأطراف الدبلوماسية قد باءت بالفشل.

اليوم، البرازيل غارقة بالفعل في مشاكلها الداخلية. فبعد أن بلغت نسبة النمو الاقتصادي 4.6% بين 2005 و2008 و3.9% في 2011 بعد الأزمة الاقتصادية، من المتوقع أن يتراجع الاقتصاد بنسبة 3% هذا العام، بالإضافة إلى قضية الفساد الكبرى التي تم اكتشافها في شركة البترول الأولى في البلاد التي تملكها الدولة (بتروبراس) والتي شملت أعضاءً من الحزب الحاكم وكذلك من الحزب الديموقراطي الاجتماعي والحزب الاشتراكي المعارض. يضاف إلى ذلك الكثير من الفساد على مستوى القطاع الخاص والتي تم اكتشاف وجود رشاوى قيمتها 23 مليار دولار قدمتها شركات كبرى للحصول على عقود وأعمال هامة في الدولة، من بين هذه الشركات من ساهم في تمويل حملة الرئيس البرازيلي. الأزمات الحالية جعلت حصول البرازيل على مقعد دائم في مجلس الأمم محل شك كبير، حيث سيفكر الدبلوماسيين من الدول الأخرى في الأمر بشكل جدي.

يبدو أن الأمر لم يتوقف عند استحالة منافسة البرازيل للولايات المتحدة، بل يبدو أن أحلام البرازيل في قيادة تحالف عالمي من شأنه إعادة تعريف القوى العالمية قد أصبح صعبًا جدًّا، على الأقل في هذه الفترة العصيبة. الظروف التي صعدت فيها البرازيل كانت فترة خمول وتراجع في الولايات المتحدة الأمريكية سياسيًّا واقتصاديًّا، لكن يبدو أن البرازيل قد أخطأت في تقدير القوة الاقتصادية للولايات المتحدة، كما أخطأت في إدراك مدى هشاشة اقتصادها. توجت فترة ازدهار البرازيل بفوزها بشرف تنظيم كأس العالم 2014، رغم أن فضائح الفساد التي تطارد الفيفا حاليًا قد شوهت هذا الإنجاز وشككت في مدى نزاهة هذا الفوز إلى حد كبير. يبقى التحدي الأساسي للبرازيل الآن: هل ستكون قادرة على تبرئة ساحتها من كل تلك القضايا، وأن تتخلص من الاضطرابات السياسية والاقتصادية دون الدخول في صدام محتمل مع واشنطن؟ إذا استطاعت البرازيل القيام بذلك فستكون قادرة بالتأكيد على استعادة مكانتها العالمية التي استطاعت الوصول إليها من قبل.

في فنزويلا، يبدو أن حكومة أنصار تشافيز وطموحاتها الإيديولوجية الثورية قابلة للتحقق علميًّا، ارتفاع أسعار النفط سمحت بانطلاق هذه المغامرة وجعلت من هذا الحلم أمرًا يمكن تحقيقه، ولكنها على النقيض سببت الكثير من الفوضى والفساد داخل البلاد؛ مما قتل هذا الحلم في نهاية المطاف، حتى وصل الحال بتشافيز ومادورو إلى التورط في هذا الفساد المستشري، مستغلين شركة النفط القومية وعائداتها المادية الكبيرة في تمويل مشاريعهم السياسية، عملية التسييس تلك لم تتوقف عند الاقتصاد فحسب، بل امتدت لتشمل السلطة القضائية والجيش. وفق عدة تقارير تورطت السلطة الفنزويلية في عمليات تهريب للمخدرات من الجارة كولومبيا عبر المجال الجوي الفينزويلي. وفي نوفمبر الماضي، ألقت السلطات الأمريكية القبض على اثنين من أبناء سيدة فنزويلا الأولى بتهمة التخطيط لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة.

ما تزال المعارضة الفنزويلية التي تسعى للتصحيح لها عدة مشكلات، أهمها مواجهة نظام المنح النفطية الذي يتبناه الرئيس مادورو للدول الأخرى في حين تواجه بلاده أزمة اقتصادية طاحنة أدت لغياب الكثير من السلع الأساسية عن السوق الفينزويلي، بالإضافة إلى سعيها إلى تسليط الضوء على الفساد الحكومي، ووجود أغلبية معارضة سيعطيها الفرصة بالتأكيد لاتخاذ بعض القرارات المجابهة لأسلوب إدارة البلاد.

أما بالنسبة للبرازيل، فإن الاقتصاد المترنح وقضايا الفساد الكبرى والصراع السياسي المضطرب لن يؤدي سوى لمزيد من الإحباطات لروسيف وحزبه، وسيشغلهم بهذه المشكلات بدلًا من التركيز على التحديات الاقتصادية والسياسية التي تخوضها البلاد. حالة عدم الاستقرار السياسي ستستمر بالتأكيد، والاقتصاد سيستمر في السقوط نظرًا لهروب الكثير من المستثمرين نتيجة لهذه الاضطرابات. الخسائر الحالية هي فادحة بالنسبة للحزب الحاكم، الذي سعى لنشر منهج يساري معتدل عالميًّا وحاول خلق صوت حقيقي وأجندة قوية لأمريكا الجنوبية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد