كتب ديريك بيريس، خبير إعلامي ومدرب لياقة بدنية يقيم في لوس أنجلوس، تقريرًا نشره موقع «بيج ثينك» تناول فيه كتابًا صدر حديثًا وخلُص إلى أن المبالغة في النظافة والاستحمام، لا سيما في ظل انتشار جائحة فيروس كورونا، لن تُؤدي بالضرورة إلى سلامة الإنسان وصحته، بل قد يُعرضه ذلك للأمراض.

  • في كتابه الجديد «النظافة: العلم الجديد للبشرة»، لم يستحمْ الطبيب جيمس هامبلين لمدة خمس سنوات.
  • الصابون ما هو إلا تركيبة دوائية بسيطة إلى حد ما، أنتم تدفعون مالًا، في الغالب، مقابل التسويق والرائحة.
  • صحيحٌ أن النظافة الشخصية مهمة لصحة الإنسان، لا سيما أثناء تفشي الجائحة، لكن الطبيب هامبلين يرى أننا نبالغ جدًّا في عملية التنظيف.

أشار الكاتب في مستهل تقريره إلى الضجة التي أثارها جيمس هامبلين، قبل بضعة أشهر، عندما أعلن أنه لم يستحم، ولم يستخدم كمية كبيرة من الصابون منذ خمس سنوات. وأجرى هامبلين، وهو طبيب ومحاضر الصحة العامة في جامعة ييل الأمريكية، وأحد كُتَّاب مجلة «ذي أتلانتك»، هذه التجربة على نفسه للاستفادة منها في أحد أبحاثه لكتابه الصادر حديثًا «النظافة: العلم الجديد للبشرة».

صحة

منذ سنة واحدة
تحمي من سرطان الجلد وتزيد الرجال جاذبية.. 6 فوائد مثبتة علميًّا لإطلاق اللحية

ويقول الكاتب: «إن طقوس النظافة الشخصية قديمة كالحضارات المُسطَّرة على صفحات كتب التاريخ. وفي حين أن المسلمين والهندوس ابتكروا طقوسًا للنظافة المستفيضة، اعتقد المسيحيون الأوروبيون، بفضل نظرية ميازما (نظرية طبية قديمة)، أن الاستحمام يزيد من فرص إصابتك بالمرض. وافترض المسيحيون لعدة قرون أن تغيير القميص الأبيض المصنوع من الكتان يكفي لمنحك النظافة (من وجهة نظرهم، تستطيع القمصان البيضاء امتصاص العرق والأوساخ من الجسم)، ولا داعي لاستخدام الماء والصابون. وظل عددٌ من المسيحيين خلال هذه المدة الزمنية لا يستحِمُّون سوى مرة واحدة طيلة حياتهم بالكامل: وهو حمام المعمودية.

وفي حين أنه من السهل أن تهز رأسك رافضًا لهذا الأمر، أو غير مصدقٍ له، فإن هامبلين أوضح أن عددًا من طقوس النظافة والعناية بالبشرة الحالية أخذتنا بعيدًا في الاتجاه المعاكس للنظافة. ومن المؤكد أنك تريد أن تزيد من مرات استحمامك سنويًّا، لكن طقوسنا المُكلِّفة ربما تكون أكثر ضررًا لجسمنا، وليست نافعة.

Embed from Getty Images

ويرى الكاتب أن النظافة الشخصية الحديثة والعناية بالبشرة مضيعة للوقت، إذ يذكر هامبلين قائلًا: إذا كنت تستغرق نصف ساعة من الوقت في عملية الاستحمام، وفي استخدام أدوات التنظيف يوميًّا، فإنك بهذا الشكل تُخصص للأنشطة المتعلقة بالاستحمام أكثر من عامين لكل 100 عام.

وفي كتابه السابق «إذا كان بمقدور أجسادنا أن تتكلم»، تناول هامبلين عددًا من الخرافات المتعلقة بجسم الإنسان، لكنه في كتابه الجديد يُركِّز على أكبر مكون لجسم الإنسان، ألا وهو الجلد، والذي يُعد في حد ذاته إطارًا قابلًا للدراسة. وسنذكر لكم فيما يلي ستة دروس مهمة استخلصناها من كتابه الجديد، والتي تتمحور حول ممارسات النظافة والجشع الرأسمالي.

الهوس باستخدام الصابون سبب في حساسيات البدن

لفت الكاتب إلى أننا قد نكون من دون أن نقصد سببًا في إصابة أطفالنا بالحساسية مدى الحياة بسبب حرصنا على حمايتهم من البكتيريا. وزيادة الحساسية من الفول السوداني دليلٌ على هذا الاتجاه. وتُعد بشرتنا بمثابة خط الدفاع الأول للجسم ضد الإصابة بالأمراض، وهذه البشرة تعرف جيدًا كيف تحمي نفسها. وتؤدي بعض الكائنات الحية والبكتيريا التي تعيش على سطح بشرتنا الخارجية دورًا مهمًا بالفعل؛ لذلك فعندما نبالغ في نظافة بشرتنا نزيل هذه الكائنات الحية والبكتيريا عن الجلد، ونصبح أكثر عرضة لتهديدات الأجسام الغريبة.

والحساسية من الجوز قد تكون إحدى نتائج الإفراط في الاستحمام والنظافة. وربما تكون حساسية الأنف، والربو، والإكزيما الجلدية؛ بسبب كثرة استخدام الصابون المضاد للبكتيريا (أو الصابون عمومًا). إذ كتب هامبلين قائلًا: «إن الهدف من استخدام الصابون والأدوية القابضة (مواد كيميائية تجعل أنسجة الجسم تنقبض) هو أن تصبح بشرتنا أكثر جفافًا، وأقل تشبعًا بالدهون، فضلًا عن أنها تزيل الدُهن الذي تتغذى عليه الميكروبات».

النظافة: جلد الإنسان مُغطى بالكامل بالدويديات والعث

وعند الحديث عن الأجسام الغريبة، تحقَّق علم الجلد من الفكرة البوذية القديمة القائلة: لا وجود للذات الشخصية. وبحسب هامبلين «إن النفس البشرية والآخرين متصلون أكثر من كونهم منفصلين». وفي حقيقة الأمر يتكون الإنسان من مجموعة من الكائنات الحية والبكتيريا، ومنها الديموديكس أو الدويدية (العث). ولا يزيد طول هذه «الفصائل العنكبوتية الشيطانية» عن نصف ميليمتر، وهي عديمة اللون، ولها أربعة أزواج من الأرجل، والتي يستخدمونها لحفر جلد وجوهنا. نعم، كل وجوهنا.

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى أن هذا العث اكتُشِف أساسًا في عام 1841، لكنه لم يُستخدم في الأبحاث والدراسات سوى في عام 2014، عندما استخدمه مجموعة من الباحثين في ولاية كارولينا الشمالية للتوصل لمعرفة أثر هذا العث على تسلسل البصمة الوراثية للحمض النووي. وتوصل البحث إلى أن هذه المخلوقات تؤدي دور المقشر الطبيعي للجلد على الأرجح. وفي حين أن استضافة كثيرًا من هذه المخلوقات (العث) تؤدي إلى الإصابة بأمراض جلدية، تُعد بشرة وجهك موطنًا لهم، وإن لم يكن كذلك، فربما تصبح أنت أكثر عرضة للإصابة بالأمراض.

صحة البشرة وتاريخ الصابون

وأوضح الكاتب أن الصابون بسيط من حيث التركيب الكيميائي. قم بمزج الدهون والقلويات لتكوين جزيئات المادة المطهرة. وقد تكون الدهون حيوانية أو نباتية، أضف ثلاثة أحماض دهنية إلى جزيء الجلسرين ينتج عنها الدهون الثلاثية. ثم أضف هذا المزيج إلى البوتاس، أو الغسول القلوي، وقم بالتسخين والكبس، وانتظر حتى تندفع الأحماض الدهنية بعيدًا عن الجلسرين، ويمتزج البوتاسيوم أو الصوديوم بالأحماض الدهنية. هذا هو الصابون.

ويرى الكاتب أن المستهلك للصابون يدفع أمواله، في الواقع، مقابل رائحة الصابون وتغليفه. وحصلت أول براءة اختراع في التاريخ لطريقة معالجة رماد الخشب لإنتاج الصابون على الموافقة في عام 1790. لكن اختراع الصابون هذا لم يُصِب هدفه على الفور، لأن التوازن في تركيبة الصابون الكيميائية كان بها خلل، وتسبب استخدام قدر كبير من الغسول القلوي، الموجود في الاختراع، في حرق كثير من جلد البشرة. ولم تتمكن الشركات من إقناع الأمريكيين بأن الغسيل المنتظم ضروري، إلا بعد مرور قرن من الزمان، ويعود الفضل في ذلك إلى التسويق البارع، ولم تزل لدينا مسلسلات تلفزيونية، مثل أوبرا الصابون حتى اليوم، وأصبح الصابون أمرًا ضروريًّا للنظافة، وأصبح الحصول على الرفاهية مصلحة عامة.

وكما هو الحال مع كل شيء يرتبط بالرأسمالية، فإن استخدام القليل من الصابون لن يُوفر للشركات كثيرًا من الإيرادات. لذا أقنع المُسوِّقون الجمهور بأن هناك حاجة إلى استخدام كثير من الصابون. وأقتبسُ لكم ما قاله هامبلين: «لا تبيع الرأسمالية شيئًا على نحو فعال مثل المكانة. وإذا كان القليل جيدًا، فإن الكثير سيكون أفضل». وتفشت أهمية استخدام الصابون في الوعي السائد للشعوب. وسرعان ما احتجنا إلى كثير من كل شيء، والفضل في ذلك يعود إلى تجارب كيميائية بسيطة.

صناعة العناية بالبشرة غير منظمة تمامًا

وذكر الكاتب أن هامبلين حاول إجراء بحث آخر لهذا الكتاب: إذ أطلق خطًا لصناعة العناية بالبشرة، فذهب، في أحد الأيام، إلى شركة هول فودز واشترى مكونات خام مثل زيت الجوجوبا والكولاجين وزبدة الشيا وعناصر أخرى. وبعد مزج هذه المكونات مع بعضها البعض في مطبخ منزله، طلب من شركة «أمازون» عبوات زجاجية وملصقات. وقد أنفق إجمالًا قرابة 150 دولارًا (بما في ذلك إنشاء موقع «الويب» الخاص بشركته) برونسون+ سترلينج، ثم لصق اسم شركته على عبوة سعتها 2 أونصة من عبوات جنتلمان كريم مقابل 200 دولار (أعلن عن البيع للعبوة تبدأ من 300 دولار!).

Embed from Getty Images

صحيحٌ أن هامبلين لم يبع أي عبوة، لكن هذا لم يكن الهدف من تجربته. ولاحظ هامبلين، في أحد المعارض، أن عبوات سعتها أونصة واحدة من منتجات «سكينسوتيكالز سى إى فيروليك» تُباع مقابل 166 دولارًا، على الرغم من أن هذا الحامض الموضعي لا يُعد أكثر فعالية في تحسين صحة الإنسان من تناول برتقالة. ومن بين المكونات التي تحدث ضجيجًا دعائيًّا في العناية بالبشرة هو الكولاجين، لكن شرب كثير من الكولاجين لا ينفع بشرتك بشيء؛ لأن الإنزيمات الموجودة في الجهاز الهضمي تكسره. ومع ذلك يدعي عددٌ من الشركات أن الكولاجين يمنحك بشرة نضرة ومتوهجة، على الرغم من أنه لا يزيد عن كونه من الفضلات.

وعلاوةً على ذلك لم يكن هامبلين مضطرًا لإبلاغ هيئة الغذاء والدواء بأي مكونات استخدمها في منتجه التجريبي. كما لم يكن بحاجة إلى مراقبة آثاره أو تقديم دليل على توفير السلامة للإنسان. ولم يكن هامبلين بحاجة إلا إلى التقدم بطلب للحصول على رخصة تجارية، وليست إلى هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، تمنحه (أو أي شخص) القدرة على إبطال أو إلغاء منتجاته. ويعتمد نظام السلامة في الحكومة الأمريكية على ميثاق الشرف، لكن عديدًا من الشركات لا تتمتع بهذا الشرف. التسويق والمزيد من الضجيج الدعائي. شكرًا للصابون.

كمين إغواء الناس بالنظافة والتطهير

أردف الكاتب قائلًا: يبدو أن المزحة المستمرة بشأن السعادة التي يحصل عليها الإنسان من عثوره على مناديل التطهير الخاصة بشركة كلوروكس في المتاجر الكبرى ستبقى معنا لبعض الوقت في المستقبل؛ إذ أعلن الرئيس التنفيذي للشركة أنه لن يكون لديهم ما يكفي من مناديل التطهير حتى عام 2021. ومع ذلك، هل نحتاج إلى كلوركس أصلًا؟ يرى هامبلين أننا ربما لا نحتاجها. وفي حقيقة الأمر، لكي يتمكن مادة كلوروكس من التطهير، لابد أن تتركه على السطح المراد تنظيفه لمدة 10 دقائق. «لا يقضي منتج كلوروكس على 99.9٪ من الجراثيم بالطريقة التي يستخدمها أي شخص فعليًّا، وهو التطهير السريع».

Embed from Getty Images

وافترض هامبلين عند تنظيف سطح الطاولة بانتظام بالماء والصابون، فإن قتل الجراثيم بانتظام لا يُعد الممارسة الأكثر صحة، إذ يُؤدي الإفراط في استخدام منتجات التنظيف، على غرار المضادات الحيوية، إلى عدم فعاليتها ووجود تأثير لها. ويتابع هامبلين قائلًا: «يبدو أن بعض الحالات المرضية المزمنة تغذيها حقيقة أن كثيرًا منَّا لا يتعرض حاليًا بالقدر الكافي إلى الحقائق الكونية في العالم».

الخلاصة السريعة: اقرأ المغزى من الملصق المنشور بأحرف لامعة برَّاقة على غلاف منتجات التنظيف. وفكِّر في استخدامه بقدر أقل من إيمانك بأنك بحاجة إليه.

رائحة الحيوانات.. والإنسان حيوان أيضًا!

أشار الكاتب إلى أن إعلانات الصابون، التي بدأت مع التسويق الحديث، اعتمدت على مفهوم واحد هو Best Offer أو أفضل العروض: نعتقد أن رائحة الجسم أمر طبيعي، ولكن هذه فكرة ملفقة. إذ أن الفضل في رائحة أقدامنا يعود إلى بكتيريا العصوية الرقيقة. وهذه البكتيريا تتميز بخصائص قوية مضادة للفطريات. ولم تكن الأحذية متوفرة في أغلب تاريخ البشرية، وهي مدة زمنية حصلت فيها الأقدام ذات الرائحة الكريهة على ميزة تطورية قوية. وكما كتب هامبلين قائلًا: «نحن لم نترعرع لنصدر رائحة، لقد تطورنا بفضل الانسجام مع الميكروبات الوقائية التي ننظر إليها الآن على أنها ضارة فحسب».

صحة

منذ 7 شهور
مترجم: 7 من مشكلات البشرة التي يجب عليك زيارة طبيب الأمراض الجلدية بسببها

واختتم الكاتب تقريره قائلًا: في حين أن عددًا من الجهات الفاعلة في صناعة العناية بالصحة والبشرة يمتلكون نوايا حسنة على الأرجح، فإن كثيرًا من المنتجات التي بِيعت غير ضرورية، بل إنها ضارة. إن ماكينة التسويق تجعلنا نشعر بأننا «ينقصنا شيء» لكي تبيع لنا المنتجات التي تكمل لنا هذا الشيء الناقص. وخلص هامبلين أيضًا إلى نتيجة مفادها أن الشركات المعتمدة على الدليل ستتبع نهجًا مغايرًا للعناية بالبشرة والنظافة الشخصية: وهو أن استخدام القليل هو الأفضل. ونظرًا لأن هذا النهج لن يؤدي إلى وجود شركات رأس مالها بملايين الدولارات، فإننا سنواصل التضحية بالصحة من أجل العلامة التجارية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد