عاشت نهلة العثمان في مخيَّم للنازحين السوريين، حيث كان والدها غالبًا ما يُقيِّدها بالسلاسل حتى يمنعها من التجوُّل في المُخيَّم. وكانت نهلة تعاني من سوء التغذية، واختنقت حتى الموت أثناء تناول الطعام بسرعة كبيرة.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا أعدَّته هويدا سعد، الكاتبة في الصحيفة الأمريكية، تناولت فيه حيثيات وفاة طفلة سورية بسبب تقييد والدها لها بالسلاسل، فضلًا عن سوء تغذيتها. وخلُصت الكاتبة إلى أن الأوضاع المزرية في المخيمات السورية تلفت الانتباه إلى معاناة الملايين من الأطفال الذين أُجبروا على الخروج من ديارهم خلال اندلاع الحرب والعيش في مخيمات منتشرة في جميع أنحاء شمال سوريا.

صعوبات كثيرة في حياة قصيرة

تقول الكاتبة في بداية تقريرها: تُظهر صورة التُقطَت للطفلة قبل وفاتها بأشهر قليلة شعرها البني الفاتح الأشعث، وتلطُّخ وجهها وملابسها بالتراب، وتحمل الطفلة سلسلة في يديها الصغيرتين، في إشارة إلى الصعوبات التي واجهتها في حياتها القصيرة للغاية.

وأمضت نهلة العثمان، البالغة من العمر ستة أعوام، سنواتها الأخيرة في العيش في خيمة مزدحمة مع والدها وإخوتها في مخيم فقير للسوريين الذين نزحوا بسبب الحرب التي استمرت لمدة عَقْد من الزمان، ونسيان العالم لهم إلى حدٍّ كبير. وذكرت عائلتها أن والدها غالبًا ما كان يُقيِّدَها بالسلاسل ويحبسها في قفص صنعه من سريرها حتى يمنعها من التجوُّل في المخيَّم.

دولي

منذ شهر
«هآرتس»: كيف تستخدم روسيا «الدرونز» الإسرائيلية لقصف المدنيين في سوريا؟

واستشهدت الكاتبة بما قاله هشام علي عمر، المُشرف على المخيَّم، الذي أوضح أن والدها «اعتاد تقييد يديها أو قدميها حتى يمنعها من المشي خارج المخيم». وأضاف: «طلبنا منه أن يفك قيودها أكثر من مرة، وألَّا يضعها في قفص، ولكنه كان يرفض باستمرار».

وفي هذا الشهر، وصلت الأزمات التي عصفت بحياة نهلة إلى ذروتها المأساوية عندما اختنقت حتى الموت؛ إذ كانت تتضوَّر جوعًا حتى إنها لما وجدت الطعام التهمته بسرعة كبيرة أدَّت إلى اختناقها. وبعد وفاتها، سرعان ما انتشرت صور لها على مواقع التواصل الاجتماعي وهي مُقيَّدَة بالسلاسل ومحبوسة في القفص، ما أدى إلى اشتعال غضب الناس الذين طالبوا السلطات المحلية بإلقاء القبض على والدها.

لفت الانتباه

ويؤكد التقرير أن هذه القضية لفتت الانتباه قليلًا إلى معاناة الملايين من الأطفال الذين أُجبروا على الخروج من ديارهم خلال اندلاع الحرب والعيش في مخيمات منتشرة في جميع أنحاء شمال سوريا. وفي ظل نزوحهم بسبب ممارسة أعمال العنف، وتضوُّرِهم جوعًا، وانعدام فرص حصولهم على التعليم والرعاية الطبية والمرافق الصحية، يواجه الأطفال صراعًا يوميًّا من أجل البقاء على قيد الحياة.

Embed from Getty Images

وأبرزت الكاتبة ما قاله أحمد بيرم، المتحدث الرسمي باسم مجموعة أنقذوا الأطفال (Save the Children)، وهي منظمة بريطانية غير حكومية تهتم بالدفاع عن حقوق الطفل وتقدم مساعدات إغاثية للأطفال الذين يواجهون صعوبات في جميع أنحاء العالم، إننا: «نتحدث عن الأطفال الذين وُلِدوا في الخيام التي أصبحت تُمثِّل خطرًا بعد هطول الأمطار لأول مرة، ونحن نتحدث عن الأطفال الذين لا يعرفون هل ستجف أسِرَّتهم عندما يخلدون إلى النوم أم لا». وأضاف: «لقد نسي هؤلاء ماهية الحياة الطبيعية».

ولفت التقرير إلى أن الطفلة نهلة عاشت مع عائلتها في مخيم فرج الله في بؤرة يسيطر عليها متمردون في شمال غرب سوريا. وتجدر الإشارة إلى أن ما يزيد على نصف سكان المنطقة الذين يبلغ عددهم 4.2 ملايين نسمة لاذوا بالفرار إليها أثناء اندلاع الحرب، ويعيش كثير منهم في ملاجئ مؤقتة. كما أنهم يفتقرون إلى سُبُل الحماية ضد ارتفاع درجة الحرارة والبرودة وتفشِّي الأمراض، ويعيشون في خوفٍ من احتمالية أن تستأنف الحكومة السورية وحلفاؤها من الروس شن الهجمات في أي وقت بهدف الاستيلاء على المنطقة.

تفاقم أوضاع المخيَّمات

وأشار التقرير إلى أن بعض المجموعات الإغاثية تقول إن أوضاع المخيمات ازدادت تفاقمًا، لا سيما فيما يخص الأطفال الذين يعمل كثير منهم حتى يساعدوا في دعم عائلاتهم، فضلًا عن ارتفاع مُعدلات سوء التغذية. ووفقًا لمنظمة أنقذوا الأطفال، شهدت حالات الانتحار في أوساط الأطفال والمراهقين في شمال غرب سوريا ارتفاعًا أيضًا. وتابع بيرم قائلًا: «شاهدنا حالات لأطفال يبلغون من العمر 11 عامًا أو أقل يئسوا من حياتهم».

ويُعد مخيم فرج الله موطنًا لنحو 350 عائلة في محافظة إدلب، الذي يقع بالقرب من الحدود مع تركيا. وأوضح المشرف على المُخيَّم أنه مضى أشهر منذ أن كانت القمامة تُجمَع في المخيم أو تتوفر به مياه كافية للناس صالحة للشرب والطهي والاستحمام.

عائلة مُشتَّتة

واستشهدت الكاتبة بما قاله عدنان العلوش، عم الطفلة نهلة، بأن العائلة أُخرِجَت من ديارها في جزء آخر من محافظة إدلب منذ ثلاث سنوات عندما استولت القوات الحكومية على المنطقة، مؤكدًا أن والدي نهلة انفصلا، وانتقلت والدتها لتعيش بصفتها لاجئة في تركيا. واحتفظ عصام العثمان، والد نهلة، بالأطفال وعاشوا معًا في خيمة مُكتظَّة. ولفت أقارب العائلة وغيرهم من سكان المخيم إلى أن والد نهلة واجه صعوبات من أجل دعم الأسرة.

Embed from Getty Images

فيما قالت هبة العثمان، الأخت الأكبر لنهلة، إن الأطفال الآخرين سَخِروا من شقيقتها لأنها مصابة بالتهاب جلدي، وكانوا يسكبون عليها الماء في بعض الأحيان لأنهم علموا أن ذلك يخيفها. وأضافت هبة العثمان، البالغة من العمر 22 عامًا، كان «الأطفال يطلقون على شقيقتي «أم الجراثيم»، ولم يستطع والدي أن يتحمل كل هذا الضغط».

ومن جانبه، ذكر السيد عمر، المشرف على المُخيَّم، أن الأوضاع المُزرية في المُخيَّمات أجبرت الآباء على مواجهة صعوبات من أجل الاعتناء بأطفالهم. وعرَّج قائلًا: «نحن نعيش في خِيَم، بلا أبواب أو أقفال، والطفلة ظلت تتجول في المنطقة، وكان تقييدها بالسلاسل هو الحل الوحيد».

وفي أوقات أخرى، كان والد نهلة يقيدها في سريرها، باستخدام شبكة معدنية يبسطها على السرير لتحويله إلى قفص. وأشار السيد عمر إلى أن بعض سكان المخيم شعروا بالأسف على نهلة وقدَّموا لها الطعام، مؤكدًا أنه كان من المعروف على نطاق واسع أن والدها قيَّدَها بالسلاسل، ولكن لم يتدخل سكان المُخيَّم، إما لأنهم انشغلوا بصراعاتهم، وإما لأنهم تعاطفوا مع المشكلات التي كان يواجهها.

وأضاف: «إن العيش في المخيمات ليس أمرًا سهلًا، فالناس هنا عاطلون عن العمل، ويتعيَّن عليهم أن يتصدوا للتحديات والمشكلات التي يواجهونها في حياتهم اليومية. ولقد رأيتُ آباءً يُرسلون أطفالهم للبحث عن الطعام في سلة المهملات».

لماذا لم يبلِّغ سكان المخيَّم السلطات المحلية عن الحادث؟

تقول الكاتبة لم يكن هناك مؤشرات تدل على أن أي فرد من المقيمين في المخيم أبلغ السلطات المحلية عن والد نهلة، وربما يرجع ذلك إلى أن كثيرين منهم كانوا يعرفون بعضهم بعضًا منذ الحقبة التي سبقت اندلاع الحرب وأدركوا أن هذه المسائل ينبغي معالجتها بصفة شخصية.

وتابع السيد عمر قائلًا: «نحن جميعًا جئنا من القرية ذاتها، ولذلك يُفضَّل أن نحتفظ بهذه القصة فيما بيننا». ومع ذلك، كانت هناك مؤشرات تفيد بأن نهلة تعرَّضت لسوء المعاملة قبل وفاتها بوقت طويل.

وزار أحمد رحال، وهو ناشط يعمل على توثيق الحرب في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، مخيم فرج الله قبل عدة أشهر والتقط مقطع فيديو للطفلة الصغيرة، وشارك هذا المقطع مع صحيفة «نيويورك تايمز». وأشار رحال إلى أن نهلة بَدَتْ ذكية ولكنَّها مُهمَلَة.

Embed from Getty Images

وسألها السيد رحال في مقطع الفيديو عن اسمها والشيء الذي تبحث عنه. وردت نهلة وهي تمد إحدى يديها التي تفشَّت فيها التقرحات قائلة: أريد ساندويتش. وأخبرته بأن والدها يضربها. ولفت السيد رحال إلى أنه أبلغ السلطات المحلية بالاعتداء المشتبه به، ولكنَّها لم تتخذ أي إجراء.

مستشفيات تحتاج إلى مستشفيات!

وينوِّه التقرير إلى أن سكان المُخيَّم وجدوا نهلة تختنق ونقلوها إلى مستشفى في قرية كيلي التي تقع بالقرب من المخيَّم في 4 مايو (أيار). وقال محمود المصطفى، وهو طبيب أطفال في المستشفى، إن شقيقة نهلة التي أحضرتها قالت إنها كانت تتضوَّر جوعًا وكانت تأكل بسرعة لدرجة أنها اختنقت. وأكَّد تقرير طبي عن سبب الوفاة أنها أُصيبَت بالاختناق وأنها تعرَّضَت لسوء التغذية.

حقوق إنسان

منذ سنة واحدة
«ذي أتلانتك»: العالم لا يهتم باللاجئين.. هكذا تستغلهم الحكومات

وذكر الدكتور المصطفى أن المستشفى الذي يعمل به افتقر إلى الأدوات اللازمة لعلاجها. وعرَّج قائلًا: «لو كان المستشفى مُجهَّزًا بصورة أفضل، لكنَّا أنقذنا نهلة، ولو كان لدينا جهاز تنفُّس صناعي أو جناح خاص بالأطفال، لكنَّا فعلنا شيئًا ما لها».

وتلفت الكاتبة إلى أن السلطات المحلية احتجزت والد نهلة لعدَّة أسابيع للاشتباه في إهماله، غير أنه أُطلق سراحه من دون أن توجِّه إليه اتهامات خلال الأسبوع الماضي. وأكَّد بعض الأقارب وسكان المُخيَّم أنه بذل ما بوسعه في خدمة عائلته في ظل ظروف صعبة. وبعد إطلاق سراحه، قال الأب إنه لم يرتكب أي جريمة. وأضاف: «لا أصدق أنني مُتَّهَم بأنني أبٌ قاسٍ». وأضاف: «نهلة ملاك بريء. وما كان لي أن أؤذي ابنتي على الإطلاق». بيد أنَّه اعترف بأنه كان يُقيِّدَها بالسلاسل في بعض الأحيان.

واختتمت الكاتبة تقريرها مستشهدة بما ذكره والد نهلة الذي قال: «نعم، في بعض الأحيان كنت أصفِّدَ يديها بالسلاسل، ولكنني كنتُ مضطرًا إلى فعل ذلك»، مضيفًا أنها كانت تخرج عارية وتتجوَّل في المخيم، وأن جيرانه اشتكوا منها. وتابع قائلًا: «كانت تغادر الخيمة صباحًا ومساءً، ونحن نعيش هنا كأننا في غابة. وحاولت أن أتواصل مع عديد من منظمات الإغاثة من أجل الحصول على مساعدة طبية، ولكنني لم أجد لها أي علاج».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد