عُدَّ قرار المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا بإعادة انتخابات بلدية إسطنبول نكسةً للديمقراطية التركية، وانعطافةً خطيرة في مسار «حزب العدالة والتنمية»، لكنَّ إعادة الانتخابات تضمنت في الوقت ذاته الكثير من الدروس المستفادة، والتي شرحها الصحافي التركي رجب سويلو في تقريرٍ بصحيفة «ميدل إيست آي». وإليكم نص التقرير:

لم يكن السياسي المحلي أكرم إمام أوغلو في الماضي يتمتع بشهرةٍ كبيرة، لكنَّه احتل مؤخرًا عناوين الصحف الوطنية والدولية، بعد فوزه البارز في إعادة الانتخابات بإسطنبول الأحد الماضي.

وقال المراقبون إنَّهم يعتقدون أنَّ النتائج تمثل نكسةً كبيرة للحكومة التركية، وفي ما يلي الدروس المستفادة من الانتخابات:

1- هزيمةٌ لأردوغان

لم يُدرج اسمه في بطاقات الاقتراع، ولا يمكن لنتيجة التصويت إزاحته من منصبه، لكنَّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعد الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات؛ فبعد كل شيء، كانت الإعادة هي استراتيجيته، لكنَّها جاءت بنتائج عكسية مذهلة.

ففي أعقاب انتخابات 31 مارس (آذار) دعا إلى إلغاء النتيجة، وادَّعى أنَّ المعارضة سرقت بعض الأصوات. والآن أصبح إمام أوغلو أقوى من أي وقتٍ مضى، وحصل على قدرٍ من الأصوات هي الأكبر في كل الانتخابات التي أُقيمت في إسطنبول على مدار الأعوام الثلاثين الماضية.

وعلى العكس ودون فعل أي شيء أصبح إمام أوغلو الآن مرشحًا محتملًا للرئاسة في الانتخابات القادمة، خلق أردوغان منافسًا بفعالية.

مع ذلك قد يكون مبكرًا القول بسقوط أردوغان؛ إذ من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة في 2023، ولا تكفي مقاعد المعارضة في البرلمان للدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة، ما لم يدعمها بعض أعضاء «حزب العدالة والتنمية».

2- ليس لزعيم «حزب العمال الكردستاني» أي تأثير

قبل ثلاثة أيام من الانتخابات، دعا زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان الناخبين الأكراد إلى الحياد، في رسالةٍ أرسلها من محبسه بسجن جزيرة إيمرالي.

لكنَّ «حزب الشعب الديمقراطي»، وهو حزب سياسي ذو صلة وثيقة بأوجلان، تجاهل دعوته، وأعلن دعمه لإمام أوغلو. وتشير النتائج الأولية إلى أنَّ الناخبين الأكراد اتبعوا «حزب الشعب»، وليس أوجلان.

3- الناخبون المحافظون يعاقبون «حزب العدالة والتنمية»

توقع المحللون احتفاظ بن علي يلدريم، رئيس الوزراء السابق والمرشح لرئاسة بلدية إسطنبول، بأصواته التي حازها في الانتخابات، لكنَّه فقد 230 ألف صوت من ناخبي «العدالة والتنمية»، ومؤيدي حليفه القومي، كما دعم أكثر من 50 ألف ناخب من «حزب السعادة الإسلامي» إمام أوغلو.

لماذا؟ كان هناك شعور عام بين المحافظين بأنَّ إمام أوغلو تعرض للظلم في الانتخابات الأولى بعدما فاز بنتيجة التصويت، وإن كان بهامشٍ صغير. إذ غرَّد مصطفى ينير أوغلو، النائب عن «حزب العدالة والتنمية»، ليلة الأحد قائلًا: «خسرنا إسطنبول لأنَّنا خسرنا تفوقنا الأخلاقي، إذا بدأنا نقد ذاتنا بصدق، ربما نصبح الأمل مجددًا».

4- الأسواق تحب النتائج والدولار يتراجع

ارتفعت أسواق الأسهم التركية وقيمة الليرة يوم الاثنين بعد النتائج، وفقد الدولار الأمريكي حوالي 1% من قيمته في مقابل الليرة التركية. وقال أحد المصرفيين لوكالة «رويترز» دون الكشف عن هويته: «إنَّ النتيجة أزالت أحد عوامل ضبابية المشهد السياسي، وتأمل الأسواق أن تحول الحكومة الآن اهتمامها إلى الإصلاحات الاقتصادية».

5- من المرجح أن تعدل الحكومة مجلس الوزراء

قال العديد من النقاد المقربين من الحكومة التركية يوم الاثنين «إنَّ أعضاء الحزب الحاكم على المستوى الشعبي يريدون تغيير السياسات». وقالت عدة مصادر لصحيفة «ميدل إيست آي»، شريطة عدم الكشف عن هويتها، إنَّه من المتوقع إجراء تعديل وزاري يتضمن المناصب الرئيسة، من السياسة الخارجية إلى الاقتصاد. ومن المتوقع أن يحدد أردوغان اليوم الثلاثاء ملامح أجندة الحزب في المستقبل.

6- صوت المعارضة داخل الحزب الحاكم.. يصدح

جرّأت النتائج قيادات رفيعة سابقة في «حزب العدالة والتنمية»، مثل الرئيس التركي السابق عبد الله جول، ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، ووزير الاقتصاد السابق وقيصر الاقتصاد علي باباجان، الذين يعارضون سياسات الحزب الحالية الداخلية والخارجية. فبعد الإدلاء بصوته يوم الأحد استخدم جول لغة شبيهة للغاية بشعار حملة إمام أوغلو.

فقال جول: «آمل أن يصبح كل شيء جيدًا». وذكرت عدة تقارير الأسبوع الماضي أنَّ باباجان سينشئ حزبًا سياسيًا جديدًا هذا الصيف، وقال البعض إنَّه سيستقيل مطلع يوليو (تموز).

ورغم شائعة دعم جول لباباجان زعيم جديد، لا يزال داود أوغلو بعيدًا عنه؛ ما يطرح إمكانية إنشاء حزبين سياسيين جديدين.

7- الديمقراطية التركية لا تزال حية

اعتبر الكثيرون في الداخل والخارج قرار مجلس الانتخابات التركي بإلغاء الانتخابات الأصلية في 31 مارس بمثابة نكسة للديمقراطية التركية.

ومع ذلك، تجددت ثقة الناس في النظام السياسي للدولة بعد قرار أحزاب المعارضة بالمشاركة في إعادة الانتخابات، فضلًا عن أنَّ الحملات الانتخابية كانت أكثر حرية ونزاهة؛ إذ اشتبك المرشحون في مناظرةٍ تلفزيونية للمرة الأولى منذ 17 عامًا.

وشجعت النتائج المراقبين على القول إنَّه يكاد يكون مستحيلًا تزوير الأصوات في تركيا؛ فالأحزاب السياسية لها جميعًا رأي في كل خطوة من العملية الانتخابية.

سؤال الساعة: لماذا تتقلص شعبية أردوغان في المدن الكبرى بتركيا؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد